الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441852 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

سبحانه، فقد أوجد للعبد قدرة على اختيار الفعل المخلوق له، وبهذه القدرة يستطيع أنْ يكسب الفعل المخلوق فيه ويستطيع أنْ لا يكسبه، فيكون مختاراً في هذا الكسب، ويستحقّ بسببها الثواب والعقاب، أمّا القدرة عند الأشعري فلا أثر لها في وجود الفعل، وإنّما تكون مقارنة لوجوده، ولذا قيل في مقام الردّ عليه، أنّ هذا لا يخرج الإنسان عن كونه مجبوراً في أفعاله، ووجود قدرة من هذا النوع عاطلة عن العمل لا يُصحّح الثواب ولا العقاب على الأفعال (1).

ومهما كان الحال فقد استدلّ القائلون بأنّ الأفعال مخلوقة لله بأمور، منها أنّ فعل العبد مقدور لله؛ لأنّ قدرته تشمل الكائنات كلّها، وما كان مقدوراً لله لابدّ وأنْ يقع بقدرة الله وحده، وإنْ وقع بقدرة العبد لزِم تعطيل قدرته تعالى، وإنْ وقَع بهما معاً، لزِم اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدورٍ واحد.

والجواب أنّ مجرّد كون الفعل مقدوراً له سبحانه لا يستلزم كونه من أفعاله، إذ ليس كلّ مقدور له يجب أنْ يكون من فعله.

الثاني: لو كان العبد موجداً لأفعاله باختياره واستقلاله، لوجَب أنْ يعلم تفاصيلها، بيان ذلك أنّ الأفعال المتفاوتة كيفية وكمّية إذا صدرت من الفاعل لابدّ وأنْ تكون مقصودة له؛ لأنّ وقوع ذلك الفعل دون غيره لابدّ وأنْ يكون بالقصد إليه بخصوصه، واختياره دون غيره يتوقّف على العلم به، فصدور الأفعال يتوقّف على العلم بها مع أنّ النائم قد تصدر منه بعض الأفعال بدون أنْ يشعر بها ويدرك كمّية ذلك الفعل وكيفيّته، وكذلك قد تصدر بعض الحركات الجزئية من الإنسان من دون تصوّرٍ لها، ومن ذلك يتبيّن أنّ الفاعل هو الله لتخلّف العلم بالفعل عن الفعل بالنسبة إلى الإنسان.

والجواب أنّ إيجاد الفعل لا يستلزم العلم به، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمقتضى طبيعته، كالإحراق الصادر عن النار بمقتضى طبيعتها، من غير أنْ توصف بالعلم وعدمه، والذي لابدّ من العلم معه هو إيجاد الفعل مع القصد إليه، ويكفي فيه العلم الإجمالي الحاصل بين

____________________

(1) انظر المواقف المجلّد الرابع ص 146، والمذاهب الإسلامية ص 302، وشرح التجريد ص 189.

١٨١

الابتداء بالفعل والانتهاء منه، بالنسبة إلى حركاته الجزئية التي يتكوّن منها الفعل (1).

الثالث: إنّ الإنسان لو كان موجِداً لأفعاله بقدرته واختياره لابدّ وأنْ يكون متمكّناً من فعلها وتركها، وترجيح فعلها على تركها، لابدّ وأنْ يكون لمرجّح وذلك المرجّح يجب أنْ لا يكون من العبد؛ لأنّه لو كان منه احتاج إلى مرجّح أيضاً، وهكذا فيلزم التسلسل، فلابدّ وأنْ يكون المرجّح من الله وإذا كان منه كان واجب الصدور؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل مع انتهاء المرجّح إلى الله سبحانه، جاز إيجاد الفعل وعدمه فإذا أوجده الإنسان في وقتٍ دون آخر، لزِم أنْ يكون له مرجّح، اقتضى وجوده في ذلك الوقت دون غيره، فيلزم أنْ لا يكون المرجّح الأوّل تاماً ومقتضياً لوجود الفعل، وذلك يقتضي عدم كونه مرجّحاً.

والجواب أنّ الأفعال بلحاظ قدرة العبد لا تتّصف بغير الإمكان، فإذا وجِدت جميع الدواعي للفعل يكون واجباً، وهذا لا يُوجب خروج الفعل عن كونه مقدوراً؛ لأنّ كلّ قادر لابدّ من صدور الفعل عنه عند صدور دواعيه، ويجري ذلك بالنسبة إليه تعالى، ولو قلنا أنّ وجود الداعي يجعل الفعل واجباً، يلزم أنْ تكون أفعاله غير اختيارية، وقد تخلّص الأشاعرة عن هذا النقض بأنّ ترجيح الفعل على الترك لا يحتاج إلى مرجّح آخر، بل يكون بمجرّد اختيار أحد طرفَي المقدور، الذي يلازم عدَم وجود الداعي إلى الطرف الآخر، وهذا الجواب بعينه يجري في أفعال الإنسان أيضاً (2).

الرابع: لو كان الإنسان قادراً على أفعاله وموجداً لها، لزِم اجتماع قادرين على مقدورٍ واحد؛ لأنّ الله قادر على كلّ شيء، فلو كان العبد قادراً أيضاً، اجتمعت القدرتان فلو أراد العبد إيجاد فعل وأراد الله عدمه، فلو وقع مرادهما اجتمع النقيضان، وإنْ وقَع أحدهما لزِم الترجيح بدون مرجّح.

والجواب: إنّا نلتزم في مثل ذلك بوقوع مراد الله؛ لأنّ قدرته أقوى

____________________

(1) انظر المواقف ص 148 وشرح التجريد ص 190.

(2) المصدر السابق ص 190 وص 151 وما بعدها من المواقف.

١٨٢

من قدرة العبد، ولا نحتاج إلى فرضِ مرجّحٍ آخر في مثل ذلك.

ومن جملة أدلّتهم أنّه لو كان الإنسان موجِداً للإيمان، لكانت بعض أفعال العباد خيراً من فعل الله تعالى؛ لأنّه أوجد القِرَدَة والخنازير، والإيمان خيرٌ منهما.

والجواب: إنّ الإيمان إنّما كان خيراً باعتبار ما يترتّب عليه من الثواب والمدح لا باعتبار ذاته، والمدْح والثواب من فعل الله سبحانه (1).

واستدلّ المعتزلة على أنّ الأعمال من فعل العباد بأنّه إذا لم يكن الإنسان موجِداً لأفعاله، لا يصحّ التكليف بالأمر والنهي، ولا التأديب الذي وعَدَت به الشرائع والأديان ولا المدح والذم، ويلزم أنْ لا يبقى فرقٌ بين مَن أحسن ومَن أساء؛ لعدم صدور الأفعال الحسَنَة والسيّئة من العباد، ويلزم أنْ يكون الله ظالماً لعباده لأنّه خلق فيهم المعاصي وعذّبهم عليها، كما احتجّوا ببعض الآيات الكريمة الدالّة على أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، ويدلّ بعضها دلالة صريحة على صدور الفعل منه مباشرة.

قال سبحانه: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ) ، ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ، كما يدلّ بعضها الآخر على أنّ المطيع سيُلاقي نتيجةَ أعماله الطيّبة والعاصي يُعاقَب بمعصيته.

قال سبحانه: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) .

وفي قسم منها ما يؤكّد أنّ الإنسان يفعل باختياره من غير أنْ يكون مسيّراً لإرادة قاهرة له على العمل، قال تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

وتنصّ جملة أُخرى من الآيات على اعتراف الإنسان بمعاصيه وصدورها منه بمحض اختياره، ولو كانت من فعل الله، لكان للعصاة الحجّة البالغة على الله، إذا أراد أنْ يحاسبهم على سيّئات أعمالهم، قال سبحانه: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي آية

____________________

(1) انظر المصدرين السابقين.

١٨٣

أُخرى: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) ، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تُفيد بمنطوقها ولوازمها أنّ الإنسان وحده يصنع أعماله، ويقدر على خلقها وإبداعها.

وكما ذكرنا سابقاً أنّ أصحاب هذه المقالات قد وجدوا في النصوص الإسلامية ما يؤيّد آراءهم ومذاهبهم في أُصول العقائد، ولذلك فإنّهم أوّل ما يعتمدون عليها في إثبات مذاهبهم وآرائهم لإعطاء نظريّاتهم وفلسفتهم الصبغة الدينية.

وقد أضاف الأشاعرة والجهمية إلى أدلّتهم السابقة أدلّة أُخرى من الكتّاب تؤيّد مذهبهم في أفعال العباد، منها قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقوله: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً ) ، وقوله: ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) ، وأمثال هذه الآيات التي لو نظرنا إليها مجرّدةً عن القرائن والملابسات المحيطة بها، لم تكن بعيدة عن هذه الفكرة، ولكن بعد التثبّت في معانيها وملاحظة سياقها ومواردها يتكشّف المراد منها ويبتعد عمّا ذهبوا إليه، هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات التي تعارض هذا الرأي أكثر وأصرح في الدلالة على اختيار الإنسان في جميع أعماله وتصرّفاته، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك، وافترضنا تُساوي الآيات القرآنية من حيث الدلالة على المذهبين عدداً ودلالة، فلابدّ من تأويل الطائفة التي تؤيّد بظاهرها رأي الأشاعرة؛ لأنّ تلك الطائفة تتّفق مع العقل والوجدان الحاكمَين بأنّ الإنسان هو الفاعل لإعماله.

والبرهان مهما بلَغ في قوّته ونتائجه لا يُمكن أنْ يقوى على الوجدان أو يتغلّب عليه، والإنسان يرى ويعلم من نفسه أنّه إذا أراد أمراً وانتفت الموانع عن وجوده يتحقّق منه باختياره وإرادته، ولا يرى نفسه مسيراً على عمل من أعماله.

ومُجمَل القول أنّ أصحاب هذا الرأي لم يخالفوا الوجدان وحُكم العقل فحسب، بل جوّزوا على الله الظلم والجور على عباده، مع أنّه لعن الظالمين وتوعّد الجائرين والعابثين بالعذاب والعقاب، وأيّ ظلم أفحش وأفظع من أنْ يعذّب عباده على عمل يصدر منه مباشرة أو تسبيباً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلو افترضنا صراحة الآيات فيما ذهبوا إليه، لابدّ مِن تأويلها بما يتناسب مع عدالة الله سبحانه ولطفه بعباده، ومع حُكم العقل الذي لا يقرّ الظلم من العباد فضلاً عن الله تعالى، كما وأنّ

١٨٤

الآيات التي استدلّ بها المعتزلة ليست صريحة في القول الذي ذهبوا إليه؛ لأنّهم يرون رأي معبد الجهمي وغيلان الدمشقي، وهما من القائلين بأنّ للإنسان الاختيار المطلق في أفعاله وأعماله (1)، لأنّها لا تدلّ على أكثر من أنّ الإنسان هو الفاعل وعنه تصدّر جميع أعماله، أمّا التفويض الكلّي المقابل للجبر فليس فيها ما يشير إلى ذلك، وقد ذكرنا أنّ القول بالجبر ليس بأسوأ حالاً من هذا القول؛ لأنّه يؤدّي إلى تعدّد الشركاء وعزل الله عن سلطانه.

أمّا الإمامية، وهم أسبَق الفرق الإسلامية السياسية والعقائدية، فقد وقفوا موقفاً وسَطاً بين المعتزلة والأشاعرة، فلَم يذهبوا إلى رأي الأشاعرة ولا إلى رأي المعتزلة وأتباعهم القدرية، فقالوا: إنّ الإنسان موجد لأفعاله، ولكن بالقدرة التي أودعها الله فيه، وبتلك القدرة بعد وجود الدواعي للفعل وانتفاء الموانع عنه يصدر الفعل من الفاعل، ويُنسب إليه مباشرةً كما يُنسب الإحراق إلى النار، في حين أنّها لا تؤثّر الإحراق إلاّ بعد اتصالها بالجسم وانتفاء الموانع عن تأثيرها فيه.

ولا يكون مجبوراً في هذه الحالة؛ لأنّ قدرته لم تتعلّق بطرفِ الوجود فقط أو بالطرف الآخر، بل هي بالنسبة إلى الطرفين متساوية، كما لا يصحّ نسبة الفعل إلى الله تعالى لمجرّد أنّه أوجد في الإنسان القدرة على فعل الشيء وتركه؛ لأنّ القدرة على فعل الشيء وتركه ليست سبباً تامّاً لإيجاد الفعل أو لتركه، وإنّما هي من قبيل المُعِد أو قابلية المحل الذي يتوقّف عليه تأثير العلّة كما ذكرنا بالنسبة إلى مُحرِقيّة النار.

فمَن دفع إلى شخصٍ مالاً ومكّنه من التصرّف فيه لا يكون هو الفاعل للحرام، فيما إذا استعمله ذلك الشخص في المحرّمات، ليكون ملجأ على فعله، ولا يصحّ نسبة الفعل إلى مَن دفع المال؛ لأنّ تمكينه إيّاه من التصرّف ليس سبباً تامّاً في إيجاد الفعل ليكون منسوباً إليه، بل هو أشبه بالشرائط التي تقتضيها طبيعة العلّة المؤثّرة والتي لا تمنع من نسبة الفعل إلى تلك العلّة.

ولو كلّف الله عباده بدون أنْ يخلق فيهم القدرة على الفعل وعدمه،

____________________

(1) كما يدّعي بعض كتّاب الفِرَق ومنهم الأسفراييني في التبصير، وعليّ الغرابي في كتابه الفِرَق.

١٨٥

لزِم التكليف بغير المقدور وهو قبيح عقلاً وشرعاً وبذلك لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله، كما يدّعي الجهمية وأتباعهم الأشاعرة القائلون بأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان أشبه ما تكون بنسبة الجريان إلى النهر، في قولنا جرى النهر. وغير ذلك من القضايا التي ينسب فيها الفعل إلى غير فاعله تجوّزاً.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الكسب الذي ادعاه الأشاعرة لتصحيح التكليف والثواب والعقاب لا ينفع في المقام، ما دامت القدرة التي يدّعيها الأشعري غير مؤثّرة في إيجاد الفعل كما ذكرنا (1) كما لا يكون مختاراً بالمعنى الذي ذهب إليه القدرية الخالصة، كمعبد الجهمي وأتباعه المعتزلة، كما يدّعي مؤلّف التبصير في الدين صفحة 61 من كتابه التبصير في الدين، حيث ادعى إجماع المعتزلة على أنّ الله لا يقدر على شيء من أفعالهم.

ومجمل القول أنّ مذهب الإمامية في هذه المسألة مستقلٌّ بنفسه عن جميع المذاهب فيها، فالجهمية والأشاعرة ينسبون الأفعال إلى الله من غير أنْ يكون للإنسان أيُّ أثرٍ في إيجادها، والقدرية لم يجعلوا لله أثَراً في أفعال الإنسان، ونفوا عنه العلم الأزَلي والإرادة الأزَلية المتعلّقين بالأفعال.

والذي نقله جماعة من المؤلّفين عن المعتزلة إنّهم يذهبون إلى أنّ الأفعال تصدر عن العباد بالقدرة المتعلّقة بالأفعال، بعد تعلّق إرادته بالفعل، فإنْ كان طاعة كان الله مريداً له بمعنى أنّه طلب من عباده اتباعه على وجه الاختيار، وليست إرادته تعالى موجبة لوقوع أحد طرَفَي المقدور؛ لأنّه بناءً على ذلك يكون العبد ملجأ على فعله، وإنْ كان فعل العبد معصية لم يكن مريداً له بكلا معنيَيّ الإرادة المتقدّمتين،؛ لأنّه على الأوّل يكون الفعل واجباً،

____________________

(1) لقد جوّز الأشاعرة التكليف بغير المقدور، حيث ذهبوا إلى أنّ القدرة على الفعل لا تتقدّم عليه، بل توجد معه بنحو المقارنة، ويلزمهم على ذلك تعلّق التكليف بغير المقدور، كما يلزمهم الاستغناء عن القدرة في هذا الحال؛ لأنّ الحاجة إلى القدرة هي لإخراج الفعل من حيّز العَدَم إلى حيّز الوجود، ولابدّ منها قبل وجوده، أمّا حال وجوده فإنّه يصبح واجباً فلا يبقى للقدرة تأثير في إيجاده، وهذا القول قد أورده عنهم العلاّمة في كشف الحقّ ونهج الصدْق ص 68 و69 كما أورده الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ص 43.

١٨٦

وعلى الثاني يلزم تعلّق طلبه بالمعصية (1).

ولهم آراء أُخرى حول هذا الموضوع قد تعرّض في المواقف لها كما تعرّض لها غيره من المؤلّفين في كُتب الكلام (2). ونحن لا يعنينا استقصاء جميع الآراء ولا تحقيق الصحيح منها، وإنّما الذي يهمّنا المقارنة بين آراء هذه الفِرَق من حيث مجموعها وبين رأي الإمامية، وإذا كانت نسبة الأفعال إلى العباد عند المعتزلة بهذا النحو، فيلتقون مع الإمامية في هذه المسألة إلى حدٍّ ما، ومهما كان الحال فسَواء قالوا بمقالة القدرية أم بغيرها، فالأمامية يقولون بأنّ الأفعال من صنع الإنسان بعد أنْ أقدره الله على فعلها وتركها، والخير والشر واقعان باختيار الإنسان، لأنّه يقدر على وجودهما وتركهما، والقدرة التي وهبها الله للإنسان لم تتعلّق بأحد الطرفين، كما وأنّ إرادة الله ليس معناها ترجيح أحدهما على الآخر، وإنّما هي بالنسبة إلى الخير لا تتعدّى تعلّق الطلب به، وبالنسبة إلى الشر طلب تركه.

وسلام الله على أمير المؤمنين (عليه السلام) القائل في جواب من سأله عن التوحيد والعدل: (التوحيد أنْ لا تتوهّمه والعدل أنْ لا تتّهمه)، فالقائل بأنّه خالقٌ للأفعال، فقد اتهمه بالظلم، والقائل بأنّه يكلّف العباد ما لا يطيقون فقد نسَب إليه القبيح، والقائل بأنّه لا يقدر على أعمال عباده، وأنّ كلّ أعمالهم بإرادتهم ولا شأن له فيها قد اتهمه بالعجز.

وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال في جواب مَن سأله عن الجبْر والتفويض: (ألا أعطيكم في ذلك أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟ إنّ الله عزّ وجل لم يُطَع بالإكراه، ولم يُعصَ بغَلَبَة، ولم يَهمِل العباد في ملكه، فهو المالك لِما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنْ ائتمر العباد بطاعته، لم

____________________

(1) انظر كشف الفوائد للعلامة الحلّي في شرح قواعد العقائد لنصير الدين الطوسي ص 44.

(2) ومن جملتها ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني الأشعري، وهو أنّ ذات الأفعال تقَع بقدرة الله وتكون من فعله، أمّا صفات الأفعال فهي بقدرة العبد، فضرب اليتيم يقع بقدرة الله وهو الموجَِد له، وكونه تأديباً ليكون طاعة يستحقّ الثواب عليه، أو إيذاء يستحقّ عليه العقاب من فعل العبد، وبذلك يصح الثواب والعقاب.

١٨٧

يكن عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإنْ ائتمروا بمعصيته فشاء أنْ يحول بينهم وبين ذلك فعل، وأنْ لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه).

وهذه الرواية تنصّ على أنّه سبحانه هو الذي أقدر عباده على أفعالهم، كما تنصّ على أنّهم في أفعالهم مختارون، ولم يحلّ الله بينهم وبين معاصيهم مع قدرته على ذلك كي لا يكونوا ملجئين في أفعالهم.

وجاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمرٌ بين الأمرين) وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في شرح هذه الكلمة (القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك، والمراد من (الأمر بين الأمرين) ، هو وجود السبيل إلى إتيان ما أُمِروا وترك ما نُهوا عنه، والإرادة والمشيئة من الله في ذلك: بالنسبة إلى الطاعات الأمر بها والرضا لها، وبالنسبة إلى المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها، وما مِن فعلٍ يفعله العباد من خيرٍ أو شرٍّ إلاّ ولله فيه قضاء، والقضاء هو الحُكم عليهم بما يستحقّونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة (1).

والمراد من وجود السبيل الذي ورد في كلام الإمام (عليه السلام)، هو إيجاد القدرة في الإنسان على وجود الفعل وعدمه، وبذلك يصحّ الثواب والعقاب وتندَفع جميع الشُبَه الواردة حول هذه المسألة.

____________________

(1) انظر الاحتجاج للطبرسي ص 225.

١٨٨

الحُسن والقُبح العقليّان

اتفق الأشاعرة والمحدّثون والفقهاء من السنّة على أنّ القبيح هو المنهي عنه شرعاً، والحُسن الذي لم يرد عنه نهي من الشارع، سَواء ورَد به أمرٌ إلزامي أم لم يرد، فتدخل فيه حتى المباحات، أمّا الإمامية ومَن وافقهم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أنّ الأشياء منها ما هو حسِن لذاته،

١٨٩

وإنْ لم يرد به أمرٌ شرعي ومنها ما هو قبيحٌ لذاته، ويستحقّ فاعله اللوم والذم وإنْ لم يرِد به نهيٌ من الشارع، وقبل بيان أدلّة الطرفين لابدّ من بيان المراد من الحُسن والقُبح اللذين ادعاهما الإمامية وأتباعهم، وأنكرهما الأشاعرة وعموم أهل السنّة، وقد ذكروا للحُسن والقُبح معاني ثلاثة:

الأوّل: صفتا الكمال والنقص، فحسن الشيء كماله وقبحه نقصانه.

الثاني: الموافقة لغرض الآمر وعدمها، فإذا وافق مطلوب الآمر كان حسناً وإلا كان قبيحاً.

الثالث : ما يترتّب على الشيء من مَدْحٍ وذم.

أمّا الحُسن والقبح بالمعنى الأوّل والثاني فليسا محلاًّ للخلاف بين جميع الفِرَق، وكلّهم متّفقون على أنّ العقل يحكم بالحُسن والقبح بهذين الاعتبارين، وأمّا المعنى الثالث للحسن والقبح فهو الذي ادعاه الإمامية وأتباعهم وأنكره الأشاعرة وغيرهم من فقهاء أهل السنّة ومحدّثيهم، فالإمامية والمعتزلة يدّعون أنّ في بعض الأفعال حُسناً ذاتياً أمَر بها الشارع أو لَم يأمر، وفي بعضها قبحاً ذاتياً يستحقّ فاعلها اللوم والذم نهى عنها الشارع أو لم يَنه، ومثّلوا للحسن الذاتي بالصدق والإحسان، وللقبح الذاتي بالكذِب والظلم وغيرهما ممّا يراه العُقلاء قبيحاً حتى ولو لم ترِد به الشرائع والأديان، ولو كان الحسن والقبح موقوفين على أوامر الشارع ونواهيه، لَما حكم بحسن الصدق والإحسان وقبح الكذب والظلم مَن ينكر الشرائع والأديان.

هذا بالإضافة إلى أنّه يلزم أنْ لا يقبح من الله شيء حتى إظهار المعجزة على أيدي الكذابين، وذلك يؤدّي إلى عدَم معرفة الأنبياء، ولجاز على الله أنْ يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء وغير ذلك، لدوران القبح والحسن مدار الأمر والنهي الشرعيّين، فإذا أمَر بهذه الأشياء كان أمره مقتضياً لحسنها، وإذا نهى عن الصدق وردّ الوديعة والإحسان إلى اليتيم كانت هذه الأُمور قبيحة، إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن للأشاعرة الالتزام بها.

ثمّ إنّ المعتزلة القائلين بالحسن والقبح في الأفعال: بين من يقول بأنّهما ذاتيان وهم المتقدّمون منهم، وبين مَن يقول بثبوتهما في الأشياء لوجود صفة في الأفعال تقتضي حسنها أو قبحها، وهم المتأخّرون من المعتزلة، ويدّعي الجبائي - أحد أعلامهم المتأخّرين - أنّ حُسن الأشياء وقُبحِها بالوجوه والاعتبارات، فضرْب اليتيم بذاته لا يتّصف بأيّ صفة منهما ولكنّه يكون

١٩٠

حُسناً إذا وقَع بقصد تأديب اليتيم، وقبيحاً إذا وقع بقصد الإساءة إليه، واحتجّ الأشاعرة وأتباعهم على إنكارهما بأنّ الإنسان ليس مختاراً في أفعاله، والفعل إذا لم يكن اختيارياً لا يوصف بالحسن والقبح، وبأنّهما لو كانا ذاتيّين للأفعال يلزم أنْ لا يتغيّر الفعل بالوجوه والاعتبارات؛ لأنْ ما بالذات لا يتغّير مع أنّ القبيح قد يصبح حسناً والحسن قد يصبح قبيحاً، فالكذب يحسن إذا منع عن قتل نبي أو ولي مثلاً، بل قد يجِب أحياناً لبعض الأغراض والمصالح العامّة التي اهتمّ بها الشارع وأولاها المزيد من عنايته، ومن ذلك يتبيّن أنّهما ليسا ذاتيّين في الأفعال.

والجواب أنّ القائلين بالحسن والقبح الذاتيّين، إنّما يقولان بهما بلحاظ ذوات الأفعال مع قطع النظر عن العناوين الأُخرى الطارئة التي تبدّل وجه الشيء وتشتمل على مصلحة أقوى من المفسدة القائمة بذاته، وتختلف الأشياء في ذلك اختلافاً بيناً، فبعضها يكون علّة للقبح بحيث لا يختلف مهما اختلفت عناوينه واعتباراته كالظلم، فإنّه أينما وجِد وكيفما اتفق حصوله لا يمكن أنْ يكون حسناً، وبعض الأشياء ليست بذاته علّة للقبح والحسن، وإنّما تكون بذواتها مقتضية له كالكذب مثلاً، فإنّ ذات الكذِب مع قطع النظر عن جميع العناوين مقتضية للقبح، كما وأنّ الصدق مقتضٍ للحسن، ولا ينافي ذلك أنْ يطرأ عليهما عنوانٌ آخر يمنَع عن تأثير ذلك المقتضى في الجهة التي يقتضيها، وليس ذلك إلاّ لأنّ اقتضاءهما للحسن والقبح، ليس كاقتضاء العلّة لمعلولها (1) .

وللأشاعرة أدلّة أُخرى موجودة في كتب الكلام، وكلّها مغالطة لا ترتكز على المنطق الصحيح، ولا يؤيّدها الدليل والبرهان، فإنكار الحسن والقبح في الأفعال إنكارٌ للضروريات ومغالطة سافرة للوجدان، فإنّ الصدق والكذِب والظلم والإحسان إلى الضعفاء والأيتام وأشباه ذلك لا يرتاب العقل بحسن بعضها وقبح البعض الآخر، وبمدح المحسن وذمّ المسيء، سَواء ورد الشرع بذلك أو لم يرد، كما وأنّ العقل لا مجال له في كثير من الأُمور التي شرّعها الإسلام، كوجوب الوفاء بالعقود وأكل الميتة، والصلاة والصيام، وغير ذلك من الواجبات والمحرّمات الشرعية، فإنّ العقل في هذه وأمثالها لا

____________________

(1) انظر كفاية الشيخ كاظم الخراساني في أُصول الفقه الجعفري، ووسائل الشيخ الأنصاري.

١٩١

يحكم بحسن ولا بقبح، بل يكون مقلّداً للشرع فيها.

ويدّعي الأشاعرة وأتباعهم أنّ استقباح الظلم والكذب، واستحسان مكارم الأخلاق وأطايب الصفات، وإنْ كان بحكم العقل، إلاّ أنّ المنشأ في ذلك هو التديّن بالشرائع التي كانت تحرِص على التديّن بهذه المبادئ وانتشارها بين الناس، أو لما يترتّب عليها من الأغراض عند العقلاء، ولا دليل على استقباحها واستحسانها لذاتها مجرّدة عن هذه الاعتبارات (1).

وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الإمامية لم يتّفقوا مع المعتزلة في هذه المسألة اتفاقاً كلّياً؛ لأنّ المعتزلة بين موافق للإمامية، وبين من يقول بهما ولكن بالوجوه والاعتبارات كالجبائي وأتباعه، كما وأنّ بعضهم يلتزم بالحسن والقبح قبل ورود الشرع لصفة في الأفعال تقتضيهما، ومردّ ذلك إلى عدَم كونهما ذاتيّين في الأفعال.

____________________

(1) انظر المستصفى للغزالي ص 36.

١٩٢

وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه

اللطف: هو ما يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعات وأبعَد عن فعل المعاصي، على نحوٍ لا يبلِغ حدّ الإلجاء من الله سُبحانه، وهو بهذا المعنى لابدّ منه عند الإمامية؛ لأنّه لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح والأنفع لهم، ولا يدّخر عنهم شيئاً ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وقد أنكره الأشاعرة وقالوا: إنّ كلّ ما يفعله بعباده أو يأمرهم به يكون حسناً منه، أمّا المعتزلة فقد أوجبه أكثرهم؛ لأنّه من مقتضيات العدل الواجب في حقّه تعالى، فترك اللطف المقرّب من طاعته، والأصلح لهم يتنافى مع كونه عادلاً، ويلتقي معهم الإمامية في أصلِ وجوبه، ولكنّه عند المعتزلة من موجبات عدله ولو فعل بعباده خلافه كان ظالماً لهم، أمّا عند الإمامية فلأنّه متّصف بالجود والكرم، ومِن لوازم هذَين الوصفين أنْ لا يمنع عن عباده صلاحاً ولا نفعاً، وأضاف

١٩٣

الكراجكي المتوفّى في أوائل القرن الخامس الهجري فرْقاً آخر بين الإمامية ومتأخّري المعتزلة، فقال: إنّه عند المعتزلة إنّما يجب من جهة العدل، والعدل لا يقتضي أكثر من وجوب الصلاح والنافع عليه تعالى لعباده، أمّا الأصلح والأنفع فلا يجبان عليه، وعند الإمامية لا يتمّ اللطف إلاّ بالأصلح والأنفع، وإذا لم يفعل بهم لم يكن جواداً ولا كريماً (1).

وقد أنكر أصل وجوبه بشر بن المعتمر - أحد أقطاب المعتزلة - واستدلّ القائلون بوجوبه بأنّ اللطف يسهّل لهم إطاعة الأوامر والنواهي؛ لأنّ الغاية من التكليف إيجاد المأمور به وترك المنهي عنه، وإذا لم يسهّل الآمر لعباده أسباب الامتثال كان ناقضاً لغرضه، وكان كمَن دعا إنساناً إلى أمرٍ وهو يعلم بأنّه لا يطيعه فيه.

واللطف المقرّب من الطاعة مرّة يكون من فعل الآمر وأُخرى يكون من فعل المكلّف، وثالثة يكون خارجاً عنهما: أمّا ما كان من فعل الله سبحانه، فيجب على الله بمقتضى جوده وكرمه أنْ يبذله لهم؛ تسهيلاً لإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ليكون المكلّف أقرب إلى الطاعة مع تساوي قدرته لها ولعدمها، وأمّا ما يكون من فعل المكلّف فالله سبحانه من حيث إنّه عالمٌ بما تتوقّف عليه الإطاعة، وامتثاله أوامره وتحصيل أغراضه، لابدّ وأنْ يُكلّفهم تحصيل ذلك الشيء ويُعلمهم به؛ لأنّ امتثال أوامره وتحصيل أغراضه لا يكون بدونه، فيكون إعلامهم به أو إيجابه عليهم من المقدّمات التي تسهّل لهم الإطاعة، وتحصيل أغراضه ومقاصده.

وأمّا الذي لا يكون من فعل الآمر ولا من فعل المكلّف المأمور، فلا يجب عليه؛ لأنّه ليس من فعله ولا من فعل المكلّف ليلزمه به، ولا هو داخل تحت قدرته ليتعلّق به التكليف، وفي مثل ذلك يكون التكليف بالمأمور به مشروطاً بحصول ذلك الشيء، فيما إذا كان الغرض من التكليف لا يحصل بدونه (2) ، ويكون أشبه بالمقدّمات الوجوبيّة التي لا يجب تحصيلها كما هو مقرّر في محلّه.

واستدلّ الأشاعرة على عدَم وجوب اللطف على الله بأنّه لو قلنا بوجوبه،

____________________

(1) انظر كنز الفوائد للكراجكي ص 52.

(2) انظر أوائل المقالات للمفيد ص 26 وشرح التجريد للعلامة الحلي ص 202 وما بعدها والمواقف المجلد الرابع الجزء الثامن ص 196.

١٩٤

للزم أنْ يكون في كلّ عصر نبيّ، وفي كلّ بلدٍ معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنّ اللطف عند القائلين به هو المقرّب من الطاعة، ومن أظهر مصاديقه الأنبياء والأولياء، مع أنّ القائلين بوجوبه لا يلتزمون بذلك.

وقد أجاب القائلون باللطف عن ذلك بأنّ الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر وإنقاذهم من الضلالة، قد أرشدوا إلى الطاعات ونهوا عن المنكرات، ووعدوا المطيعين بالنعيم الدائم، والعاصين بالعذاب الأليم، وتركوا من النصائح والتعاليم ما هو كفيل لأنْ يقرّبهم من طاعته، وامتثال أحكامه والقائلون باللطف لا يدّعون بأنّ عليه أنْ يوفّر لهم جميع أنواع المقرّبات من الطاعة والمرغّبات فيها.

على أنّ هذا النقض لا يتوجّه على الإمامية؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإمام موجود في كلّ عصر وزمان، ووجوده بين الناس وأنّ لم يكن معروفاً بشخصه من جملة أقسام اللطف المقرّب منه سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّهم يرون أنّ الحكّام في كلّ عصر لابدّ وأنّ تتوفّر فيهم صفات الحاكم العادل العالم بالإحكام، ولا شكّ بأنّ هذه الصفات لو توفّرت بالحكّام لسهّلت على الناس فعل الطاعات، وأبعدتهم عن المعاصي والمنكرات.

وقال الأشاعرة: إنّ الكفّار حينما كُلّفوا بالإيمان، إمّا أنْ يُكلّفوا به مع وجود اللطف أو مع عدمه، ولا مجال لدعوى أنّهم قد كُلّفوا بالإيمان مع وجود اللطف؛ لأنّهم لو كلّفوا به مع وجود اللطف لحصل منهم الإيمان حتماً، فلابدّ وأنْ يكون تكليفهم في حال عدمه، وعدم اللطف منه سبحانه في ظرف تكليفهم، إمّا لأنّه غير قادر عليه ولازم ذلك نسبة العجز إليه سبحانه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلابدّ وأنْ يكون مع فرض قدرته عليه، ولازم ذلك إخلاله بالواجب عليه بناءً على وجوب اللطف عليه سبحانه كما يزعم القائلون بذلك؛ لأنّا قد فرضنا كونه قادراً عليه، ومع ذلك كلّف الكفّار بالإيمان بدون أنْ يوجد اللطف المقرّب لهم من طاعته.

والجواب: إنّ الله سبحانه حينما كلّف الكفّار بالإيمان لم يكلّفهم به إلاّ بعد أنْ سهّل لهم طريق الطاعة، ووعَدَهم بالثواب الجزيل والعطاء الكريم وأوجَد لهم المقرِّبات من طاعته، وما يبعدهم عن معصيته، وهذا المقدار من التسهيل للطاعة هو اللطف الواجب عليه سبحانه، وقد بينّا أنّ معنى اللطف هو المقرّب من الطاعة، والمرجِّح لوجود المكلّف به على عدَمِِِه على نحوٍ يُصبح المكلّف أقرب إلى الطاعة منه إلى المعصية، وهذا المعنى متحقّق منه سبحانه.

١٩٥

أمّا حصول المكلّف به فليس داخلاً في مفهوم اللطف، ولا شرطاً فيه؛ لأنّه بهذا الشرط يكون العبدُ ملجأ على فعله، وقد ذكرنا أنّ اللطف لا يسلب اختيار الإنسان (1)، وقد جرَت محاورة حول وجوب اللطف والأصلح على الله بين الجبائي وتلميذه أبي الحسن الأشعري، ويدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب أنّ لهذه المحاورة أثراً في انفصال التلميذ عن أُستاذه، وإعلانه الحرب عليه وعلى أسلافه من شيوخ المعتزلة.

ومُجملها أنّ الأشعري سأل أُستاذه، عن إخوة ثلاثة عاش أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً، والثالث مات صغيراً.

فقال الجبائي: المطيع في الجنّة، والعاصي في النار، والصغير لا له ولا عليه.

فقال الأشعري: لو قال الثالث لربّه: لو أبقيتني لأكبر فأطيعك وأدخل الجنّة.

قال الجبائي: يُقال له لو كبرت اخترت المعصية ودخلت النار بسببها.

قال الأشعري: لو قال له الثاني: لِمَ لَم تمتني صغيراً كي لا أعصيك، فأستحقّ النار.

فوقف الجبائي عن جوابه، وقد أبدينا رأينا سابقاً حول الأسباب التي دعت الأشعري إلى التراجع عن مذهب الاعتزال بعد تلك الدراسة الطويلة التي استمرت نحواً من أربعين عاماً في أثناء حديثنا عن الأشاعرة ومناهجهم، وذكرنا أنّ الاختلاف في الرأي أحياناً لا يؤدّي إلى هذا البُعد الشاسع بين التلميذ وأُستاذه، ولا يوجب تأسيس جبهتين متقابلتين بهذا النحو من التقابل الذي كان بينهما.

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 202، والمواقف ص 196 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.

١٩٦

النبوّة

اتفق المسلمون والفلاسفة وغيرهم من أهل الأديان على وجوب بعثة الرسُل على الله سبحانه عقلاً ونقلاً، ولم يُخالف في وجوبها عقلاً سِوى الأشاعرة وأتباعهم؛ لأنّ العقل وحده لا يكفي لإدراك كلّ ما هو حسن وقبيح واقعاً، وقد بينّا أنّ القائلين بالحسن والقبح العقليّين لم يثبتوا للعقل الإحاطة بكلّ شيء، وانّ كثيراً من الأشياء لم يدرك من أمرها شيئاً إلاّ بعد أنْ كشف الشارع بواسطة التكليف، عن حسنها أو قبحها، وقد دلّت النصوص القرآنية على أنّه سبحانه لا يُعذّب أحداً إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه، بإرسال الرسل وتسهيل أسباب الطاعة، قال سبحانه:

( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، والرسول لُطفٌ من الله سبحانه، أمّا لأنّه من مقتضيات عدله أو لأنّه من آثار كرَمِه وجوده كما يدّعي الإمامية، وممّا لا شكّ فيه أنّ الرسول الذي يبلّغ عن الله، ويبيّن للناس ما يترتّب على الطاعات من الجزاء، وعلى المعاصي من العقاب من أظهر مصاديق اللطف الواجب على الله سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف السمعية ألطاف في الواجبات العقلية؛ لأنّها تقرّب الإنسان من امتثال أحكام العقل، ولا سيّما إذا واظب الإنسان على امتثال الواجبات السمعية، ولا تتمّ الواجبات السمعية إلاّ بالرسُل، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به يكون واجباً.

أمّا الأشاعرة وأتباعهم القائلون بأنّ العقل لا يُدرك حُسناً ولا قبحاً، ولا يستقل في أحكامه، فينحصر وجوبها عندهم بطريق النقل، ومهما كان الحال فلَم يخالف في وجوبها سوى البراهمة وقالوا: إنّ الرسول إنْ جاء بما يوافق العقل، لم يكن له فائدة، وإنْ خالفه فيجب طرحه والأخذ بحكم العقل، وقد وافقهم على ذلك الصابئة، والقائلون بالتناسخ (1)، وجواب هؤلاء، أنّ العقل وإنْ كان يُدرك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها، ولكنّه يجهل كثيراً من أحكام العبادات والمعاملات، والميراث والأحوال الشخصية، وغير ذلك ممّا شرّعه الإسلام، ولا يُمكن معرفة تلك الأحكام إلاّ بواسطة الرسُل، وادّعى بعض المعتزلة بأنّ البعثة إنّما تجب على الله سبحانه إذا عُلِم من حال البشر أنّهم يؤمنون بالرسول المرسَل، و‘نْ علم أنّهم لا يؤمنون به لا تجب عليه، وتكون مستحسنة منه لإتمام الحجّة؛ كي لا يقول أحدٌ: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) .

____________________

(1) وذهب بعض البراهمة إلى نبوّة آدم لا غير، وأضاف بعضهم إليه إبراهيم، كما يدّعي الصابئة نبوّة إدريس وشيث لا غير.

١٩٧

وقال أبو هاشم الجبائي: لا تجِب إلاّ إذا أراد تشريع أُمور لا يستقلّ بها العقل، أمّا والده الجبائي فقد أوجبها حتى ولو لم يأت الرسول إلاّ بما حكم به العقل، وقال: إنّه يكفي من فوائدها أنْ تؤكّد أحكام العقل (1) وبعض المنكرين للنبوّات قالوا: إنّها لا تكون إلاّ بالمعجزة، وهي مستحيلة عادةً، وادعى آخرون بأنّ المعجزة وإنْ لم تكن مستحيلة، لكنّها لا تدلّ على صدق مدعيها، وبالغ آخرون فقالوا بأنّها حجّة على مَن شاهدها لأنّها تفيده العلم، أمّا الغائبون فلا تفيدهم العلم، ولو تواترت فالتواتر لا يفيد إلاّ الظن، والظن لا يكفي في العقليات، إلى غير ذلك من المذاهب والآراء الفاسدة، ولا يعنينا أنْ نستقصي كل ما قيل حول هذا الموضوع (2).

____________________

(1) وقال جماعة من المعتزلة: إنّها لا تجب على الله دائماً، وإنّما تجب عندما تقتضيها المصلحة.

(2) انظر المواقف ص 230 وما بعدها، وشرح التجريد ص 117، ومعالم الفلسفة ص 160 وما بعدها.

١٩٨

الإمامة

من المعلوم أنّ النزاع في الإمامة بين المسلمين كان ولا يزال من أبرَز ما حدَث في تاريخ الإسلام، ونتَج عنه انحراف فئات من المسلمين عن الطريق القويم منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فانقسموا بسبب نزاعهم في الإمامة إلى طوائف وأحزاب، وقامت بينهم المعارك والحروب أُريقت فيها الدماء، واستُبيحت الأعراض وتبدلّت المفاهيم، واختلفت القِيَم، وما زال المسلمون يُعانون من آثار هذا الانحراف، المتاعب والانقسامات التي تجاوزت أبعد الحدود، وتخطّت مسألة الإمامة إلى غيرها من المسائل المتعلّقة بأُصول الدين وفروعه، وأصبح من المتعسّر تقريباً على أيٍّ كان إصلاح ما حدث، وسدّ تلك الفجوة العميقة التي حدَثت نتيجة لذلك الصراع الذي دام طوال هذه

١٩٩

القرون، ما دام كلّ فريق يحرص بكلّ ما أُوتي من قوّة وتفكير لتأييد مذهبه وانتشاره.

ولابدّ لنا من الإشارة إلى آراء الفِرَق الإسلامية الكبرى في الإمامة، وصِلة كلّ واحدٍ منها بالآخر، فالإمام والخليفة لفظتان تعبّران عن معنىً واحد، وهو الرياسة العامّة في أُمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وسمّي القائم بهذه المهمّات إماماً؛ لأنّ الناس يسيرون وراءه فيما يُشرّع لهم ويرشدهم إليه، وسُمّيَ بالخليفة، كما كان الشائع في عصر الراشدين وما بعده؛ لأنّه يخلف الرسول في إدارة شؤون الأُمّة وقيادتها.

وكما كان تعيين الخليفة بعد الرسول موضعَ جدَلٍ وخلاف أدّى إلى انقسامهم وتمزيق وحدتهم، كذلك حصلت بينهم أنواع أُخرى من الجدَل والنزاع، وتطوّر بعد ذلك إلى النزاع في وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وعدمه، فأنكره جماعة وأثبته آخرون، والقائلون بوجوبه بين مَن يقول بوجوبه على الله سبحانه عقلاً، وبين من يقول بوجوبه على الأُمّة بحكم العقل.

أمّا الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان من المعتزلة (1) فقد قالوا بعدم وجوبه بالنصّ الشرعي على الأُمّة، والباقون من المعتزلة أوجبوه عقلاً، على الأُمّة أيضاً، وذهب الإمامية إلى وجوبه على الله بحكم العقل، ولم يُعارض في أصل وجوب نصب الإمام سِوى العجاردة من الخوارج، ومعهم حاتم الأصم أحد شيوخ المعتزلة (2)، وادعى هؤلاء بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد.

أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشرِ العدل وإحقاق الحق، فيجب عليها تعيين مَن يقوم بهذه المهمّات، وبالتالي فإنّ الإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً، أمّا بقيّة الخوارج فهم كغيرهم من المسلمين، يرونَها من الضرورات التي لابدّ منها لحفظ النظام وإحقاق الحق، ولكنّها لا تجب على غير الأُمّة، ويتعيّن بإجماع أهل الحلّ والعقد على شخصٍ منهم، كما فعل المسلمون الأوّلون في تعيين أبي بكر وعمر على حدّ تعبيرهم.

____________________

(1) وهما الجبائي وولده أبو هاشم.

(2) المتوفّى سنة 237.

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

داود عليه السلام: أن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي. قال: فقال داود عليه السلام: يا رب، وما تلك الحسنة؟ قال: يدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة. قال: فقال داود عليه السلام: حق لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه(١) منك(٢) .

٩٥٦/٤ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، قال: سمعت يونس ابن يعقوب يقول عن سنان بن طريف، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: قال: إنا أول أهل بيت نوه الله بأسمائنا، أنه لما خلق الله السماوات والارض أمر مناديا فنادى: أشهد أن لا إله إلا الله، ثلاثا، أشهد أن محمّدا رسول الله، ثلاثا، أشهد أن عليا أميرالمؤمنين حقا، ثلاثا(٣) .

٩٥٧/٥ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا أبي، عن الحسين ابن عبيد الله، عن محمّد بن عبدالله، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول: أوحى الله عزّوجلّ إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا محمّد، إني خلقتك ولم تك شيئا، ونفخت فيك من روحي كرامة مني أكرمتك بها، حتى أوجبت لك الطاعة على خلقي جميعا، فمن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، وأوجبت ذلك في علي وفي نسله من اختصصت منهم لنفسي(٤) .

٩٥٨/٦ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن عباد بن يعقوب، عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما من صباح إلا وملكان يناديان، يقولان: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته، هل من داع فيستجاب له، هل من مستغفر فيغفر له، هل من تائب فيتاب عليه، هل من مغموم

______________

(١) في نسخة: لا ينقطع رجاؤه.

(٢) قصص الانبياء للراوندي: ١٩٨/٢٥٠، بحار الانوار ١٤: ٣٤/٥.

(٣) بحار الانوار ٣٧: ٢٩٥/١٠.

(٤) بحار الانوار ٢٣: ١٢٧/٥٧.

٧٠١

فينفس عنه غمه، اللهم عجل للمنفق ماله خلفا، وللمسك تلفا، فهذا دعاؤهما حتى تغرب الشمس(١) .

٩٥٩/٧ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: إن الله عزّوجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم عليه السلام: يا عيسى، ما أكرمت خليقة بمثل ديني، ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي، اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات ما بطن، فإنك إلي راجع، شمر فكل ما هو آت قريب، وأسمعني منك صوتا حزينا(٢) .

٩٦٠/٨ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري، عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن محمّد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: من أحب كافرا فقد أبغض الله، ومن أبغض كافرا فقد أحب الله. ثم قال عليه السلام: صديق عدو الله عدو الله(٣) .

٩٦١/٩ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عبدالله بن الفضل، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه عني، فإن الفراق قريب، أنا إمام البرية، ووصي خير الخليقة، وزوج سيدة نساء هذه الامة، وأبو العترة الطاهرة والائمة الهادية، أنا أخو رسول الله، ووصيه، ووليه، ووزيره، وصاحبه، وصفيه، وحبيبه، وخليله، أنا أميرالمؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وسيد الوصيين،

______________

(١) بحار الانوار ٩٣: ٣٨٠/٣.

(٢) تقدم في المجلس (٧٨) الحديث (١) بسند آخر.

(٣) بحار الانوار ٦٩: ٢٣٧/٣.

٧٠٢

حربي حرب الله، وسلمي سلم الله، وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله، وشيعتي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله. والذي خلقني ولم أك شيئا، لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونون على لسان النبي الامي، وقد خاب من افترى(١) .

٩٦٢/١٠ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: سمع بعض آبائي(٢) عليهم السلام رجلا يقرأ أم القرآن فقال: شكر واجر، ثم سمعه يقرأ:( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ) فقال: آمن وأمن، ثم سمعه يقرأ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ) فقال: صدق وغفر له، ثم سمعه يقرأ آية الكرسي، فقال: بخ بخ، نزلت براءة هذا من النار(٣) .

٩٦٣/١١ - وبهذا الاسناد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، قال: إن لله عزّوجلّ يوم الجمعة ألف نفحة من رحمته، يعطي كل عبد منها ما يشاء، فمن قرأ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) بعد العصر يوم الجمعة مائة مرة، وهب الله له تلك الالف ومثلها(٤) .

٩٦٤/١٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن عليّ بن حسان الواسطي، عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: نزل جبرئيل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يا محمّد، إن الله جل جلاله يقرئك السلام، ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. فقال: يا جبرئيل، بين لي ذلك؟ فقال: أما الصلب الذي أنزلك فعبدالله بن عبد المطلب، وأما البطن الذي

______________

(١) بحار الانوار ٣٩: ٣٣٥/٤.

(٢) في نسخة: آبائه.

(٣) بحار الانوار ٩٢: ٢٦٢/٢.

(٤) جمال الاسبوع: ٤٥٢، بحار الانوار ٩٠: ٩٤/١٠.

٧٠٣

حملك فآمنة بنت وهب، وأما الحجر الذي كفلك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد(١) .

٩٦٥/١٣ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن شريف بن سابق التفليسي، عن الفضل ابن أبي قرة السمندي، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كان في بني إسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى فأكلوهم، فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا فيه مكتوب: أنا فلان النبي، ينبش قبري حبشي، ما قدمنا وجدناه، وما أكلنا ربحناه، وما خلفنا خسرناه(٢) .

٩٦٦/١٤ - حدّثنا جعفر بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن عبدالله بن المغيرة، الكوفي رضي الله عنه، قال: حدّثنا جدي الحسن بن علي، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل عصبية، بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة مع أعراب الجاهلية(٣) .

٩٦٧/١٥ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي رحمه الله، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن أبي أيوب سليمان بن مقبل المدني، عن محمّد بن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف الزام، عن أبي عبيدة، قال: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: من قال في السوق: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله، كتب الله له ألف ألف حسنة(٤) .

٩٦٨/١٦ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله

______________

(١) معاني الاخبار: ١٣٦/١، بحار الانوار ١٥: ١٠٨/٥٢.

(٢) بحار الانوار ٧٨: ٤٤٥/٢.

(٣) بحار الانوار ٧٣: ٢٨٩/٧.

(٤) بحار الانوار ١٠٣: ٩٧/٢٥.

٧٠٤

الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي عبدالله الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من قال (سبحان الله) غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال (الحمد لله) غرس الله لها بها شجرة في الجنة، ومن قال (لا إله إلا الله) له غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال (الله أكبر) غرس الله له بها شجرة في الجنة.

فقال رجل من قريش: يا رسول الله، إن شجرنا في الجنة لكثير. قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها، وذلك أن الله عزّوجلّ يقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) (١) .

وصلّى الله على محمّد وآله

______________

(١) ثواب الاعمال: ١١، بحار الانوار ٨: ١٨٦/١٥٤، و ٩٣: ١٦٨/٣، والآية من سورة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ٤٧: ٣٣.

٧٠٥

[ ٨٩ ]

المجلس التاسع والثمانون

مجلس يوم الاحد

غرة شعبان سنة ثمان وستين وثلاثمائة

في دار السيد أبي محمّد يحيى بن محمّد العلوي رضي الله عنه

٩٦٩/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رحمه الله، قال: حدثني أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن موسى بن جعفر بن أبي جعفر الكمنداني، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى الاشعري، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم عليه السلام: يا آدم، إني أجمع لك الخير كله في أربع كلمات، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فاجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الاجابة، وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك(١) .

٩٧٠/٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا

______________

(١) بحار الانوار ١: ٢٥٧/١.

٧٠٦

محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يقول: إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئة، فجهلوك وقدروك(١) ، والتقدير على غير ما به وصفوك، وإني برئ - يا إلهي - من الذين بالتشبية طلبوك، ليس كمثلك شئ، إلهي ولن يدركوك، وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك - يا إلهي - مندوحة أن يتناولوك، بل سووك بخلقك، فمن ثم لم يعرفوك، واتخذوا بعض آياتك ربا، فبذلك وصفوك، تعاليت ربي عما به المشبهون نعتوك(٢) .

٩٧١/٣ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: سئل الحسين بن عليّ عليهما السلام فقيل له: كيف أصبحت، يا بن رسول الله؟ قال: أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره، والامور بيد غيري، فإن شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني!(٣)

٩٧٢/٤ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، قال: حدثني أبوأحمد محمّد بن زياد الازدي، عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: بلية الناس عظيمة، إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا(٤) .

٩٧٣/٥ - قال المفضل: وسمعت الصادق عليه السلام يقول لاصحابه: من وجد

______________

(١) في نسخة: وبه قدروك.

(٢) بحار الانوار ٣: ٢٩٣/١٤.

(٣) بحار الانوار ٧٨: ١١٦/١.

(٤) بحار الانوار ٢٣: ٩٩/١.

٧٠٧

برد حبنا على قلبه، فليكثر الدعاء لامه، فإنها لم تخن أباه(١) .

٩٧٤/٦ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، قال: قلت للصادق عليه السلام: إن رجلا رأى ربه عزّوجلّ في منامه، فما يكون ذلك؟ فقال: ذلك رجل لا دين له، إن الله تبارك وتعالى لا يرى في اليقظة، ولا في المنام، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة(٢) .

٩٧٥/٧ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، قال: حدّثنا عمي محمّد بن أبي القاسم، قال: حدثني محمّد بن عليّ الصيرفي الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن سنان، عن أبان بن عثمان الاحمر، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى، لم يزل سميعا بصيرا عليما قادرا؟ قال: نعم.

فقلت له: فإن رجلا ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا بسمع، وبصيرا ببصر، وعليما بعلم، وقادرا بقدرة. قال: فغضب عليه السلام، ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك، وليس من ولايتنا على شئ، إن الله تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة(٣) .

٩٧٦/٨ - حدّثنا حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: أخبرني عليّ بن إبراهيم بن هاشم سنة سبع وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: وقع بين سلمان الفارسي رحمه الله وبين رجل كلام وخصومة، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة،

______________

(١) معاني الاخبار: ١٦١/٤، علل الشرائع: ١٤٢/٥، بحار الانوار ٢٧: ١٤٦/٦.

(٢) بحار الانوار ٤: ٣٢/٧.

(٣) بحار الانوار ٤: ٦٣/٢.

٧٠٨

فإذا كان يوم القيامة ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم، ومن خف ميزانه فهو اللئيم(١) .

٩٧٧/٩ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يقول: إني مقتول ومسموم ومدفون بأرض غربة، أعلم ذلك بعهد عهده إلي أبي عن أبيه عن آبائه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ألا فمن زارني في غربتي كنت أنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين(٢) .

٩٧٨/١٠ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدثني جعفر بن عبدالله الناونجي(٣) ، عن عبد الجبار بن محمّد، عن داود الشعيري، عن الربيع صاحب المنصور، قال: بعث المنصور إلى الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام يستقدمه لشئ بلغه عنه، فلما وافى بابه خرج إليه الحاجب فقال: أعيذك بالله من سطوة هذا الجبار، فإني رأيت حرده(٤) عليك شديدا، فقال الصادق عليه السلام: علي من الله جنة واقية تعينني عليه إن شاء الله، استأذن لي عليه، فاستأذن فأذن له، فلما دخل سلم فرد عليه السلام، ثم قال له: يا جعفر، قد علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لابيك عليّ بن أبي طالب: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك قولا لا تمر بملا إلا أخذوا من تراب قدميك، يستشفون به.

وقال علي عليه السلام: يهلك في اثنان ولا ذنب لي: محب غال، ومفرط قال قال ذلك اعتذارا منه أنه لا يرضى بما يقول فيه الغالي والمفرط، ولعمري إن عيسى بن

______________

(١) بحار الانوار ٢٢: ٣٥٥/١.

(٢) بحار الانوار ١٠٢: ٣٤/١٥.

(٣) في نسخة: النماونجي.

(٤) الحرد: الغضب.

٧٠٩

مريم عليه السلام لو سكت عما قالت فيه النصارى لعذبه الله، ولقد تعلم ما يقال فيك من الزور والبهتان، وإمساكك عن ذلك ورضاك به سخط الديان، زعم أوغاد الحجاز ورعاع الناس أنك حبر الدهر وناموسه، وحجة المعبود وترجمانه، وعيبة علمه وميزان قسطه، مصباحه الذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى ضياء النور، وأن الله لا يقبل من عامل جهل حدك(١) في الدنيا عملا، ولا يرفع له يوم القيامة وزنا، فنسبوك إلى غير حدك(٢) ، وقالوا فيك ما ليس فيك، فقل فإن أول من قال الحق جدك، وأول من صدقه عليه أبوك، وأنت حري أن تقتص آثارهما وتسلك سبيلهما.

فقال الصادق عليه السلام: أنا فرع من فروع الزيتونة، وقنديل من قناديل بيت النبوة، وأديب السفرة، وربيب الكرام البررة، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور وصفو الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر.

فالتفت المنصور إلى جلسائه، فقال: هذا قد أحالني على بحر مواج لا يدرك طرفه، ولا يبلغ عمقه، يحار فيه العلماء، ويغرق فيه السبحاء، ويضيق بالسابح عرض الفضاء، هذا الشجى المعترض في حلوق الخلفاء، الذي لا يجوز نفيه، ولا يحل قتله، ولولا ما يجمعني وإياه شجرة طاب أصلها، وبسق فرعها، وعذب ثمرها، وبوركت في الذر، وقدست في الزبر، لكان مني إليه مالا يحمد في العواقب لما يبلغني من شدة عيبه لنا وسوء القول فينا.

فقال الصادق عليه السلام: لا تقبل في ذي رحمك وأهل الرعاية من أهل بيتك قول من حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، فإن النمام شاهد زور وشريك إبليس في الاغراء بين الناس، وقد قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٣) . ونحن لك أنصار

______________

(١) في نسخة: جدك.

(٢) في نسخة: جدك.

(٣) الحجرات ٤٩: ٦.

٧١٠

وأعوان، ولملكك دعائم وأركان، ما أمرت بالعرف والاحسان، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن، وأرغمت بطاعتك لله أنف الشيطان، وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكثرة علمك ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فإن المكافي ليس بالواصل، إنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها، فصل رحمك يزد الله في عمرك، ويخفف عنك الحساب يوم حشرك.

فقال المنصور: قد صفحت عنك، لقدرك، وتجاوزت عنك لصدقك، فحدثني عن نفسك بحديث أتعظ به، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات.

فقال الصادق عليه السلام: عليك بالحلم فإنه ركن العلم، واملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظا، أو تداوى حقدا، أو يحب أن يذكر بالصولة، اعلم بأنك إن عاقبت مستحقا لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل، ولا أعرف حالا أفضل من حال العدل، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر.

فقال المنصور: وعظت فأحسنت، وقلت فأوجزت، فحدثني عن فضل جدك عليّ بن أبي طالب عليه السلام حديثا لم تؤثره العامة، فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لما أسري بي إلى السماء عهد إلي ربي جل جلاله في علي عليه السلام ثلاث كلمات، فقال: يا محمّد. فقلت: لبيك ربي وسعديك. فقال عزّوجلّ: إن عليا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين، فبشره بذلك. فبشره النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك، فخر علي عليه السلام ساجدا شكرا لله عزّوجلّ، ثم رفع رأسه فقال: يا رسول الله، بلغ من قدري حتى أني أذكر هناك؟ قال: نعم، وإن الله يعرفك، وإنك لتذكر في الرفيق الاعلى.

فقال المنصور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(١) .

٩٧٩/١١ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثنا

______________

(١) بحار الانوار ٤٧: ١٦٧/٩.

٧١١

أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد الاسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبدالله بن عباس، عن أبيه، قال: قال أبوطالب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا بن أخي، الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: فأرني آية. قال: ادع لي تلك الشجرة. فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه، ثم انصرفت. فقال أبوطالب: أشهد أنك صادق، يا علي صل جناح ابن عمك(١) .

٩٨٠/١٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثني الحسن بن متيل الدقاق، قال: حدثني الحسن بن عليّ بن فضال، عن مروان ابن مسلم، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبدالله بن عباس، أنه سأله، رجل فقال له: يا بن عم رسول الله، أخبرني عن أبي طالب، هل كان مسلما؟ فقال: وكيف لم يكن مسلما، وهو القائل:

وقد علموا أن ابننا لا مكذب

لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل

إن أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهب حين أسروا الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين(٢) .

٩٨١/١٣ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد، عن جعفر بن سليمان، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، أنه قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف حين أسروا الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين(٣) .

وصلّى الله على محمّد وآله

______________

(١) بحار الانوار ١٧: ٣٧٠/٢١.

(٢) بحار الانوار ٣٥: ٧٢/٦.

(٣) الكافي ١: ٣٧٣/٢٨، وسائل الشيعة ١١: ٤٧٥/١.

٧١٢

[ ٩٠ ]

المجلس التسعون

مجلس يوم الثلاثاء

الثالث من شعبان سنة ثمان وستين وثلاثمائة(١)

٩٨٢/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: حدّثنا يونس بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا الحسن بن زياد العطار، قال: حدّثنا سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدي بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لان العلم حياة القلوب، ونور الابصار من العمى، وقوة الابدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الابرار، ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله

______________

(١) زاد في نسخة: في دار السيد أبي محمّد.

٧١٣

ويوحد، وبالعلم توصل الارحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الاشقياء(١) .

٩٨٣/٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن عبدالله بن ميمون المكي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: وما نفعل، يا رسول الله؟ قال: فإن كنتم فاعلين فلا يبيتن أحدكم إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبر والبلى، ومن أراد الآخرة فليدع زينة الحياة الدنيا(٢) .

٩٨٤/٣ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا القاسم بن محمّد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث النخعي القاضي، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: ما الزهد في الدنيا؟ فقال: قد حد الله عزّوجلّ ذلك في كتابه فقال:( لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) (٣) .

٩٨٥/٤ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الازدي، عن الفضل بن يونس، قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك، ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ فقال: إن صاحبي كان مخلطا، كان يقول طورا بالقدر، وطورا بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه.

قال: ودخل مكة تمردا وإنكارا على من يحج، وكان يكره العلماء مساءلته

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٨٧/١٠٦٩ و: ٥٦٩/١١٧٦ (نحوه)، بحار الانوار ١: ١٦٦/٧.

(٢) قرب الاسناد: ٢٣/٧٩، الخصال: ٢٩٣/٥٨، بحار الانوار ٦: ١٣١/٢٥.

(٣) مشكاة الانوار: ١١٥، والآية من سورة الحديد ٥٧: ٢٣.

٧١٤

إياهم ومجالسته لهم، لخبث لسانه، وفساد ضميره، فأتى الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه، ثم قال له: يا أبا عبدالله، إن المجالس أمانات، ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في الكلام؟ فقال الصادق عليه السلام: تكلم بما شئت.

فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب(١) والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا أو قدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الامر وسنامه، وأبوك اُسَه ونظامه.

فقال الصادق عليه السلام: إن من أضله الله وأعمى قلبه، استوخم الحق فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبدالله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وقد جعله محل الانبياء، وقبلة للمصلين له، وهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجتمع العظمة، خلقه الله قبل دحو الارض بألفي عام، وأحق من اطيع فيما أمر، وانتهي عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للارواح والصور.

فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت - يا أبا عبدالله - فأحلت على غائب. فقال: ويلك، وكيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم، وإنما المخلوق الذي إذا انتقل من مكان، اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان، فإنه لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، فلا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان، والذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة وأيده بنصره، واختاره لتبليغ رسالاته، صدقنا قوله بأن ربه بعثه وكلمه.

______________

(١) الطوب: الآجر.

٧١٥

فقام عنه ابن أبي العوجاء، وقال لاصحابه: من ألقاني في بحر(١) هذا؟ سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة، فألقيتموني على جمرة. قالوا: ما كنت في مجلسه إلا حقيرا. قال: إنه ابن من حلق رؤوس من ترون(٢) .

٩٨٦/٥ - حدّثنا الحسين بن عبدالله بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا أبوإسحاق إبراهيم بن رعل(٣) العبشمي، قال: حدّثنا ثبيت بن محمّد، قال: حدّثنا أبوالاحوص المصري، قال: حدّثنا جماعة من أهل العلم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: بينما أميرالمؤمنين (صلوات الله عليهم) في أصعب موقف بصفين، إذ قام إليه رجل من بني دودان، فقال: ما بال قومكم دفعوكم عن هذا الامر، وأنتم الاعلون نسبا، وأشد نوطا(٤) بالرسول، وفهما بالكتاب والسنة؟

فقالت: سألت - يا أخا بني دودان - ولك حق المسألة، وذمام الصهر(٥) ، وإنك لقلق الوضين(٦) ، ترسل عن ذي مسد(٧) ، إنها إمرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت

______________

(١) في نسخة: في نحر: أي في مواجهته أو قبالته.

(٢) علل الشرائع: ٤٠٣/٤، التوحيد: ٢٥٣/٤، الارشاد: ٢٨٠، كنز الفوائد ٢: ٧٥، الاحتجاج: ٣٣٥، بحار الانوار ٣: ٣٣/٧، و ١٠: ٢٠٩/١١، و ٩٩: ٢٨/١.

(٣) في نسخة: رعد.

(٤) أي تعلقا وارتباطا.

(٥) الذمام: الحق أو الحرية، أما المصاهرة فهي أن زينب بنت جحش الاسدية، زوج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، من بني دودان، وهم من بني أسد، وأمها أمية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهي بنت عمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

(٦) الوضين: حزام عريض يشد به الرحل على البعير. ويقال للرجل المضطرب في أموره: إنك لقلق الوضين.

(٧) كذا، وفي نسخة: سد، وفي المسترشد، وتسأل عن غير ذي مسألة، وفي الارشاد، ترسل غير ذي مسد، والظاهر أن الصواب ما في العلل والنهج: ترسل في غير سدد، أي تتكلم في غير قصد وفي غير صواب. قال المجلسي رحمه الله المسد: الحبل الممسود - أي المفتول - من نبات أو لحاء شجرة، وقيل: المسد، مرود البكرة الذي تدور عليه - ذكرهما في النهاية - فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم، أي ترسل الكلام كما ترسل البكرة على المرود عند الاستقاء، أو المعني تطلق حيوانا له مسد ربط به، كناية عن التكلم بما له مانع عن التكلم به، وعلى المجهول أي تنطق بالكلام عن غير تأمل، ثم تصير معلقا بالحبل بين السماء والارض لا =

٧١٦

عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله.

فدع عنك نهبا صيح في حجراته(١) ، وهلم الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه(٢) .

لا غرو إلا جارتي وسؤالها

ألا هل لنا أهل سألت كذلك

بئس القوم من خفضني(٣) ، وحاولوا الادهان في دين الله، فإن ترفع عنا محن البلوى أحملهم من الحق على مخضه، وأن تكن الاخرى( فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (٤) إليك عني، يا أخا بني دودان(٥) .

٩٨٧/٦ - حدّثنا الحسن بن عبدالله بن سعيد، قال: حدّثنا أبوعبدالله محمّد بن عبدالله بن محمّد بن الحجاج العدل، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد النحوي، قال: حدّثنا شعيب بن واقد، قال: حدّثنا صالح بن الصلت، عن عبدالله بن زهير، قال: وفد العلاء بن الحضرمي على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله، إن لي أهل بيت أحسن إليهم فيسيئون، وأصلهم فيقطعون.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (٦) .

______________

= تدري الحيلة فيه، أو بتشديد الدال، أي ترسل الماء عن مجرى له محل سد أو وسد، والاظهر أنه تصحيف. « بحار الانوار ٢٩: ٤٨٧ »

(١) النهب: المال المنهوب، الحجرات: النواحي، وهو مثل يضرب لمن ذهب من ماله شئ، ثم ذهب بعده ما هو أجل منه، وهو شطر بيت لامرئ القيس أيضا، انظر مجمع الامثال ١: ٢٦٧/١٤٠٢.

(٢) في نسخة: بكائه.

(٣) في نسخة: خفضي، وفي الارشاد: يئس القوم - والله - من خفضي.

(٤) المائدة ٥: ٢٦.

(٥) علل الشرائع: ١٤٥/٢، المسترشد: ٣٧١ « نحوه »، الارشاد ١: ٢٩٤ « نحوه » نهج البلاغة: ٢٣١ الخطبة ١٦٢ « نحوه »، بحار الانوار ٢٩: ٤٨٣/٥.

(٦) فصلت ٤١: ٣٤ و ٣٥.

٧١٧

فقال العلاء بن الحضرمي، إني قد قلت شعرا، هو أحسن من هذا، قال: وما قلت؟ فأنشده:

وحي ذوي الاضعان تسب قلوبهم

تحيتك العظمى فقد يرفع النغل

فإن أظهروا خيرا فجاز بمثله

وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل

فإن الذي يؤذيك منه سماعه

وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن من الشعر لحكما(١) ، وإن من البيان لسحرا، وإن شعرك لحسن، وإن كتاب الله أحسن(٢) .

٩٨٨/٧ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الطائي، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الخشاب، قال: حدّثنا محمّد ابن محسن، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: والله ما دنياكم عندي إلا كسفر(٣) على منهل حلوا، إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا، ولا لذاذتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقا(٤) ، وعلقم أتجرعه زعاقا(٥) ، وسم أفعى(٦) أسقاه دهاقا(٧) ، وقلادة من نار أوهقها(٨) خناقا، ولقد رقعت مدرعتي(٩) هذه حتى استحييت

______________

(١) قال الجزري: أي إن من الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفة، وينهى عنهما. قيل: أراد بها المواعظ والامثال التي ينتفع بها الناس. والحكم: العلم والفقه والقضاء بالعدل. (النهاية ١: ٤١٩).

(٢) بحار الانوار ٧١: ٤١٥/٣٦.

(٣) السفر: جمع السافر، وهو المسافر.

(٤) الغساق: ما يسيل من صديد أهل النار.

(٥) السم الزعاق: الذي يقتل سريعا، والماء الزعاق: المر الغليظ الذي لا يطاق شربه. ومن الطعام: الكثير الملح.

(٦) في نسخة: أفعاة.

(٧) يقال: كأس دهاق، أي مترعة ممتلئة، أو متتابعة على شاربها، وماء دهاق: أي كثير.

(٨) أوهقه: طرح في عنقه الوهق، وهو حبل في أحد طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة والانسان حتى يؤخذ.

(٩) المدرعة: القميص.

٧١٨

من راقعها، وقال لي: اقذف بها قذف الاتن(١) ، لا يرتضيها ليرقعها. فقلت له: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى، وتنجلي عنا علالات الكرى(٢) .

ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم، ولاكلت لباب هذا البر بصدور دجاجكم، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكني اصدق الله جلت عظمته حيث يقول:( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ، أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ) (٣) ، فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة إلى الارض لاحرقت نبتها، ولو اعتصمت نفس بقلة لانضجها وهج النار في قلتها؟ وأيما(٤) خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقربا، أو يكون في لظى خسيئا مبعدا، مسخوطا عليه بجرمه مكذبا.

والله لان أبيت على حسك السعدان(٥) مرقدا، وتحتي أطمار على سفاها(٦) ممددا، أو أجر في أغلالي مصفدا، أحب إلي من أن ألقى في القيامة محمّدا خائنا في

______________

(١) في نسخة: الابن، قال المجلسي رحمه الله، قوله: قذف الاتن، وهو بضمتين جمع الاتان وهي الحمارة، والتشبية بقذفها لكونها أشد امتناعا للحمل من غيرها، وربما يقرأ: الابن بالباء الموحدة المفتوحة وضم الهمزة، جمع الابنة، وهي العيب القبيح، فتكون الاضافة إلى المفعول، بحار الانوار ٤٠: ٣٤٩.

(٢) العلالة: بقية كل شئ، وهو مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة، انظر: الامثال لابن سلام: ١٧٠ و ٢٣١، مجمع الامثال ٢: ٣.

(٣) هود ١١: ١٥ و ١٦.

(٤) في نخسة: وإنما.

(٥) السعدان: نبت له حسك ترعاه الابل.

(٦) السفا: التراب الذي تسفيه الريح وكل شجر له شوك، والضمير في (سفاها) راجع إلى الارض بقرينة المقام أو إلى حسك السعدان، أي ما ألقته الرياح من تلك الاشجار، وقيل: والواو للحال عن ضمير (مرقدا) قدم للسجع. وأطمار بكسر الراء على حذف ياء المتكلم، يريد أطماره الملبوسة له بدون فراش على حدة، والظرف متعلق بممدد، والضمير في (سفاها) لسعدان، وممددا على صيغة إسم المفعول حال اخرى عن ضمير (أبيت)، وفائدة ذكر هذه الفقرة أن البيتوتة على حسك السعدان على قسمين، الاول: البيتوتة على الساقط منه والشدة فيها قليلة، الثاني: البيتوتة عليه حين هو على الشجرة والشدة فيها عظيمة، ولا سيما إذا لم يكن مع فراش، وهو المراد هنا.

٧١٩

ذي يتمة أظلمه بفلسه متعمدا، ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم! لنفس تسرع إلى البلاء(١) قفولها، ويمتد في أطباق الثرى حلولها، وإن عاشت رويدا فبذي العرش نزولها.

معاشر شيعتي، احذروا فقد عظتكم الدنيا بأنيابها، تختطف منكم نفسا بعد نفس كذئابها، وهذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها. ألا إن الحديث ذو شجون، فلا يقولن قائلكم: إن كلام علي متناقض، لان الكلام عارض.

ولقد بلغني أن رجلا من قطان(٢) المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه، ولبس من نالة(٣) دهقانه منسوجه، وتضمخ بمسك هذه النوافج(٤) صباحه، وتبخر بعود الهند رواحه، وحوله ريحان حديقة يشم نفاحه، وقد مد له مفروشات الروم على سرره، تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره، وحوله شيخ يدب على أرضه من هرمه، وذو يتمة تضور من ضره ومن قرمه(٥) ، فما واساهم بفاضلات من علقمه، لئن أمكنني الله منه لاخضمنه خضم البر، ولاقيمن عليه حد المرتد، ولاضربنه الثمانين بعد حد، ولاسدن من جهله كل مسد، تعسا له أفلا شعر، أفلا صوف، أفلا وبر، أفلا رغيف قفار(٦) الليل إفطار مقدم(٧) ، أفلا عبرة على خد في ظلمة ليال تنحدر؟ ولو كان مؤمنا لا تسقت له الحجة إذا ضيع ما لا يملك.

والله لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعه، وعاودني في عشر وسق(٨) من شعيركم يطعمه جياعه، ويكاد يلوي ثالث أيامه

______________

(١) في نسخة: البلى، وكلاهما بمعنى.

(٢) أي سكان.

(٣) النالة: جمع نائل، وهو العطاء.

(٤) النوافج: جمع نافجة، وهي وعاء المسك.

(٥) القرم: شدة شهوة اللحم.

(٦) القفار من الخبز: مالا إدام معه.

(٧) في نسخة: لليل إفطار معدم.

(٨) الوسق: مكيلة تساوي ستين صاعا.

٧٢٠

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780