المباهلة

المباهلة0%

المباهلة مؤلف:
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 155

المباهلة

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيّد صدر الدين شرف الدين
تصنيف: الصفحات: 155
المشاهدات: 12509
تحميل: 4510


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 155 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 12509 / تحميل: 4510
الحجم الحجم الحجم
المباهلة

المباهلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

تصدير

في حياة علي (ع)، وفي حياة الزهراء عليها السلام، وفي حياة ولديهما عليهما السلام نواحٍ كثيرة للحديث عنهم، وكفايات للإشادة بفضلهم، وفي كلّ ناحية من نواحي الفضيلة والكمال ملتقى مع هؤلاء الأربعة..

وقد التقت في حياتهم وشائج الفضائل والمثل العليا مذ تفتحت أكمام حياتهم، وعرفوا هذا الوجود، وإذا نظرنا إليهم من البداية إلى النهاية لرأيناهم يتقلبون بين أحضان الفضيلة، وقد أسدلت عليهم أبرادها، تلفّهم من الفرع إلى القدم، فلا يساويهم في سموّهم أحد، ولا يدانيهم مخلوق. ولا جرم إن كانوا كذلك وقد تربّوا في البيت الذي خرجت منه الدعوة إلى الإسلام، وكفلهم صاحب الدعوة الإسلامية.

وليس عجباً بعد هذا إن كان في كلّ ناحية من نواحي حياتهم ملتقى للفضائل، فإنّ لهذه التربية أثر فعّال في صبغهم بالصبغة المثالية، وتوجيههم إلى الفضيلة والكمال...

ولقد كان كلّ واحد منهم بحكم التربية، وبحكم الوراثة معجزة خالدة انفصلت من جسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتكون معجزة في صميم الحياة

١

وإنّ حياة كلّ واحد منهم تتصل بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجوده الكامل يتصل بوجوده ( ص ) المثالي، وفضائله تتصل بفضائله، من الساعة الأولى التي انفصلوا فيها من وجود، واستقرّوا في وجود آخرٍ.

هذه حقيقة ثابتة يستطيع القارئ أن يراها من خلال حياتهم، وإنّ عرضاً موجزاً لحياتهم كفيل بأن يرينا إنّه بعد النبوة لا نجد فواصل أخرى بين كمال وجوده ( ص ) وكمال وجودهم، وأنّ الله تعالى أعدهم للإنسانية في أعلى مثالية، كما أعدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل.

وفي الحقّ أنّهم المعجزة الخالدة التي كشف الزمن ذيله عنهم، فجاءوا في وسط المعترك الهائج وليسوا منه، وجاءوا بين طرفي الزمن وليسوا من الزمن وإنّما هم إشعاعة من نور الله أفاضه على هذا الوجود، وعلى هذه الإنسانية المعذبة يشقّ الطريق ليهديها في كلّ أجيالها إلى الخير والسعادة، وإلى المُثُل العليا من الكمالات النفسية.

* * *

موضوع هذا الكتاب ناحية واحدة من نواحٍ كثيرة، وآية واحدة من كتاب الله المجيد من بين آيات كثيرة هي آية المباهلة:

( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )

هذا موضوع هذا الكتاب. وإنّ موضوعاً كهذا الموضوع ينكمش

٢

فيه القلم على نفسه متهيّباً فلا يستطيع أن يجري مترسّلاً؛ لتشعّب نواحيه، وترامي أطرافه، ومن ناحية ثانية لما أحيط بهذا الموضوع من أسلاك شائكة متشابكة الأطراف، لا يكاد ينتزع طرف منها حتّى يلتقي بأطراف أخرى متحصّنة بمتارك الزمن القاسي، ومخلفات الأقلام المهوسة التي خلّفت وراءها الزمن مظلماً بالستائر الكثيفة، والسُحُب الداكنة، تتصل بعهدها القديم المظلم.

ولكنّ.. سيف الظلم مفلول الحدّ، ودولته دائماً إلى زوال، وإنّ الحقّ مكفول لسائر الأجناس... وفي الحقّ نور لا تخبو شعلته مهما أحاطوه بحصون كثيفة الجدر، وسوّروه بزبر الحديد، ومهما تراكمت عليه الأصداء، وعبرت عليه الأزمان، ولابد أن يخترق النور هذه الحجب ويكشف الظلمات...

وإنّ السنين الطوال التي مرّت تحمل سيف النقمة مسلولاً، لم يتسنَ لها أن تمسّ ذلك النور، ولم تستطع أن تمدّ يدها إلى القلوب المستنيرة بنور الحقّ.. وإنّ الأيدي العابثة بالحقائق التي أعقبت رسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مرجوا لها أن تمتدّ إلى المبادئ السامية لتفسدها، وما كانت إلاّ أيدٍ عابثة في جدها، هزيلة في أحكامها، غير مرجوّة في نهايتها، كما لم تكن رشيدة في بدايتها.

وإنّ تلك القلوب التي أغمضها ذلّ الاستبداد، وامتهنتها حكومات الاستعباد، لم تمت، ولم تدفن، ولم تهن، ولم تنكل، وإنّما انفردت في زاوية من الزمن تعمل نشيطة في سبيل هدفها في ظلمات الاستبداد، وتحت قوارع النكبات، لا متوانية ولا كسله..

٣

وكان الزمن حريصاً الحرص كلّه على أن يسدّ النوافذ، وأن يحول بين سوانح الفرص، ولكن بالرغم عنه يبدأ القبس ينير الطريق، ويوضح السبل ، ويفلت الأسد من أقفاصه الموصدة، ويزأر زأرته القاصفة، ويرجع بالحلقة المفقودة ليوصلها بأخواتها، وليسلم السلسلة متلاصقة الحلقات، ألا وإنّ يومنا هذا موصول بأيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وموصول بيوم المباهلة وإن جار عليه الزمن، وأراد أن يلفّه بطيّات ماضيه، لولا أنّ كتاب الله المجيد يعالن الناس بذلك اليوم، وبفضل أربعة فقط من مئات الألوف من المسلمين، وإنّ سورة آل عمران تصارحهم بفضل آل محمّد صلى الله عليه وعليهم وسلم، المرموق رغم كلّ حاسد وكلّ مناوئ.

* * *

إن الله بعث محمداً رسولاً هادياً وداعياً مبشراً ونذيراً، يدعو إلى الله الواحد الأحد، ونشر للناس كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يهدي للتي هي أقوم، نعى ركود العقل، وأهاب بالإنسان إلى التفكير بملكوت السماوات والأرض قبل الإيمان.( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السماوات وَالْأَرْضِ ) ( إِنّ فِي خَلْقِ السماوات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ لآيَاتٍ لَأُوْلِي الْأَلْبَابِ ) ودعا الإنسان إلى النظر في نفسه( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بشر تنتشرون ) ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) .

٤

ودعا الإنسان إلى النظر في آيات الله الذي خلق كلّ شيء فأحسن صنعه، وأحكم تدبيره، وما أودع في هذا الكون من بديع الصنع، وإحكام التنسيق( إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَى‏ يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذلِكُمُ اللّهُ فَأَنّى‏ تُؤْفَكُونَ ) ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ( ألم نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادا* وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً* وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجا* وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً* وَجَعَلْنَا الّيْلَ لِبَاساً* وَجَعَلْنَا النّهَارَ مَعَاشاً* وَبَنيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً* وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهّاجاً* وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجّاجاً* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً* وَجَنّاتٍ أَلْفَافاً ) ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى‏ بِمَاءٍوَاحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) إلى أمثال ذلك من الآيات.

أجل: أمر بالنظر ثمّ بعد النظر والتفكير في صنع القادر الحكيم، الإيمان بالله الواحد الأحد؛ ليخلّص الإنسان من رقّ تقليد الآباء، وقد نعى على الإنسان الركود، والرجوع إلى الآباء، والأجداد في كثير من الآيات.

وكتاب الله سبحانه الذي شقّ طريقه إلى قلوب الظمأى إلى عدالة الحقّّ لم يتبدل، ولم يصبه تحريف. وإنّما انحرفت نفوس قامت على إنفاذ شريعته ونصوصه، متأثرة بعوامل هدّامة في المبدأ والمنتهى، وما زالت تعيش بين المسلمين، وتمدّ حبائلها وشباكها إلى القلوب والضمائر، فتجرفها عاصبة عيوناً بعصابة من التصّعب المقيت.

٥

بيد أنّ هذا عهد غَبَر، وتولت أيامه، وانتهت دولته إلى أسوأ مصير، وبدأت الحقيقة تنكشف مشعّة لمّاعة، وليس على طالب الحقّ إلاّ أن يضع كتاب الله بين يديه، يقلّب صفحاته الصفحة الصفحة. فليس ثمّة أحد أرحم يطالب بحق من الله، ولا أحد أعلم بالخلق ظاهرهم، وباطنهم منه تعالى. ثمّ يضع سنّة رسول الله يقلبها حديثاً فحديثاً.

وكتاب الله، وسنّة نبيه صريحان بأنّ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل مَنْ أقلّته الأرض، وأظلّته السماء. والقارئ يقرأ في كتاب الله المجيد المراسيم الإلهية بالتزام جانب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومودة قرباه، وهم عليٌّ وفاطمةٌ وحسنٌ وحسينٌ عليهم السلام، ومن استوعب القرآن استيعاب تأمّل واستقصاء، وقرأه قراءة تفهم واستنتاج، استخلص منه أعظم المدح والثناء على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا أريدك أن تقرأ فيه الآيات الثلاث مئة التي أنزلت في عليٍّ ( ع )(1) ، ولكن اقرأ قوله تعالى في سورة الأحزاب ( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّه قال: « نزلت في خمسة، فيّ وفي عليٍّ والحسن

____________________

(1) في ينابيع المودّة: أخرج الطبراني عن ابن عباس (رض) قال: نزلت في عليّ أكثر من ثلثمائة آية في مدحه.

٦

والحسين وفاطمة »(1) .

وجاء في القرآن في سورة حم الشورى( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ‏(2) وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى‏ عَلَى اللّهِ كَذِباً ) ، وقد رووا إنّه لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال صلّى الله عليه وإله وسلم:

«عليٌّ وفاطمة وابناهما »(3)

____________________

(1) في الكلمة الغرّاء ص 7 ، وقد أورد الإمام جلال الدين السيوطي، في تفسير هذه الآية من كتابه الدرّ المنثور، عشرين رواية من طرق مختلفة، في أنّ المراد من أهل البيت هنا، إنّما هم الخمسة لا غير. وذكر ابن جرير الطبري - كما في الشرف المؤبّد للنبهاني - خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص.

(2) القربى كالزلفى، وهي بمعنى القرابة، والاستثناء متّصل، والمعنى لا أسألكم على أداء الرسالة شيئاً من الأجر إلاّ أن تودوا قرابتي، ويصح الاستثناء منقطعاً، أي لا أسألكم عليه أجراً، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي.

(3) أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، كما في الصواعق المحرقة لابن حجر، وأخرجه أيضاً عنه ابن المنذر وابن مردويه والمقريزي والبغوي والثعلبي في تفسيرهما، والسيوطي في درره المنثورة صرّح بذلك النبهاني في أربعينه في الشرف المؤيد.

ونحن لا نريد أن نأتي على كلّ ما جاء في هذه الآيات الكريمة، من رواية وتفسير، وبحسب القارئ أن يطلب الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء، لسماحة الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين، فإنها وضعت خصّيصاً للبحث في هذه الآيات الكريمة والأحاديث الواردة في تفسيرها، وقد أوضح هناك دلالة هذه الآيات بأجلى بيان، وأوضح برهان، فجزاه الله عن الحقّ وأهله خير جزاء المحسنين.

٧

واقرأ إن شئت سورة الدهر - هل أتى - وأمعن النظر في آية الأبرار منها، واستوعب استيعاب متأمل نصوصها، وروح معانيها؛ لتعلم أنّ أهل هذه السورة قد بلغوا الشأو، ووصلوا إلى القمّة العليا، وانتهت بهم المثاليّة إلى أقصى الحدود التي لا تصل إليها الأفكار، ولا تبلغها العقول.

ثمّ اقرأ آية المباهلة من سورة آل عمران( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ؛ لتعلم أنّهم سلام الله عليهم، كما قال فيهم الجاحظ (صفوة الأمم، وخيرة العرب والعجم. ولباب البشر، ومصاص بني آدم، وزينة الدنيا. وحلية الدهر، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن المكارم، وينبوع الفضائل، وأعلام العلم، وإيمان الإيمان) وخيرة الله للتأمين على دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبرهانه على صحّة الإسلام، والدعامة لتركيز الإيمان.

ولقد فهم المسلمون يوم كانوا خلوا من المؤثرات السياسية مزيد عناية الله

٨

بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سبيلهم إلى فهم ذلك، القرآن الكريم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، غير أنّا نبخس الحقيقة والواقع حقّهما إذا أنكرنا أنّه كان في الأفق الإسلامي بعض السحب الداكنة كانت تلوح حيناً، وتضمحلّ حيناً آخر، ورسول الله والقرآن المجيد لم يكونا كفيلين باقتلاع بذرة الحقد على عليّ بن أبي طالب ( ع ) التي كانت مغروسة في النفوس، والتي نمت بعد رسول الله (ص)، أو في اليوم الأوّل من وفاته، وامتدت أغصانها في العصور المتوالية، وإلى يومنا هذا، وإلى أن يشاء الله، وليس من موضوعنا أن نتبسّط هنا، ولا نريد أن ننغمس في هذا الحديث.

ومهما يكن من أمر فإنّ الآية الكريمة والآيات التي تقدمتها براهين واضحة جليّة على سموّ فضلهم، وعلوّ قدرهم، ورفعة مقامهم، وإنّهم صفوة الصفوة ولباب اللباب، والخيرة الخيّرة من عامة المسلمين، لا يدانيهم أحد من الخلق ولا يضاهيهم، ولا نريد أن نستوعب الكلام في هذه الآيات، ونحيل القارئ الكريم على (الكلمة الغرّاء في تفضل الزهراء) الملحقة بكتاب الفصول المهمّة، الطبعة الثانية لسماحة البحّاثة المتتبع الثبت حجّة الإسلام السيّد عبد الحسين شرف الدين المجاهد في سبيل الله والحقيقة، وهناك تجد ما يزيل كلّ ريب أو شكّ، بأجلى بيان، وأوضح برهان.

* * *

فتح رسول الله ( ص ) مكّة، فجفل العرب الوثنيّون، وهالهم أمر

٩

رسول الله، واضطرب النصارى في نجران، وانخلعت قلوب القسس الذين يديرون شؤون كعبة نجران، وهالهم انتشار الإسلام، وبيناهم في حيرتهم سادرون إذ ورد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدعوهم للإسلام، أو إعطاء الجزية، أو ينابذهم الحرب، والحرب كانت علاجاً مرّاً يتجرّعه رسول الله ( ص ) على كره دفعاً للأذى وكفّاً للفتنة، وليس من موضوعنا أن ندخل في هذا البحث.

عظم على رؤساء نجران هذا التحدي من النبي( ص )، وعقدوا مؤتمراً عاماً اجتمع فيه رؤساء النصرانية، ورجال حربها وأحلافهم، يشتورون فيما يجب عليهم أن يصنعوه، لأنّ عوامل الخطر أصبحت تحيط بنجران بصورة خاصة، وبالنصرانيّة بصورة عامّة، وأصبح الإسلام قويّ الدعائم بشمول عدله، وقوّة برهانه، وقد تلقّى الدعوة الإسلامية من تلقّاها وهو مستريح إليها؛ لأنها دعوة طبيعيّة ليس فيها ما ينفيه العقل أو ينافيه، وليس فيها ما يحجزه عن النظر في ملكوت السماوات والأرض، بل الإسلام دعوة إلى ذلك بصراحة رفعت كلّ الحواجز، وسهّلت جميع السبل.

ويلوح أنّ المؤتمر كان صريحاً اتّسع فيه المجال لرجاله المتعاقدين للنظر في الحوادث الجسيمة، التي تقع على مقربة منهم، وتحت سمعهم وبصرهم.

وقد أهمل التاريخ - على عادته - ما دار في ذلك المؤتمر من جدل عنيف بين الأقطاب المشتورين في صحّة رسالته وصدق دعواه.

والذي يلوح أنّه ليس بمستطاع للتاريخ أن يقول كلمته في ذلك، وليس

١٠

في استطاعة المؤرّخين أن يبحثوا عن أصول الحوادث، أو يقولوا كلّ شيء، فإنّ شيئاً مخوفاً كان يكمّ الأفواه، ويلجم الأقلام، ولو أنّ المؤرخين عنوا بانتهاج الحقائق حقّ العناية، لكان للتاريخ صورة صحيحة صادقة ليس فيها التواء ولا إسفاف، ولكن للسلطة كلمة خاصة لابدّ أن توحي بها إلى الأقلام، فلا تستطيع هذه أن تحيد عنها، أو تخرج من محبسها الضيّق، والمؤرخون إنّما يكتبون ما تلوح به لهم السياسة، وما تفرضه عليهم فرضاً؛ ليكونوا بمنجاة من خبثها ولؤمها.

أو لعلهم كما يظنّ بعضهم (إنّ المؤرخين لم يوفّقوا إلى إقامة التاريخ على سنن منطقيّة، وقواعد نقديّة تحتفل ببيان الدوافع والعوامل التي تهيّئ ظروف التاريخ المختلفة، وتحدد له الاتجاهات)(1) ، ونحن نرى أنّه كان للسياسة أثر كبير في توجيه التاريخ، وكان للعقيدة أيضاً أثر في تسييره، أقول هذا وأنا أرى وجوهاً من الأدلّة تفيض في نفسي، ولا معدّي عنها عند تحليل الحوادث التاريخية.

ولاشكّ أنّ هذا الإرهاق السياسي الذي وقعت الأقلام تحت وطأته، وتلك الحدود الضيّقة التي حبست بها الأقلام والأفكار، كانت باعثاً قويّاً إلى توجيه أفكار رجال صالحين من أهل العلم والأمانة، عملوا تحت نكبات الصعاب فدوّنوا كثيراً من الحقائق بأمانة وإخلاص كما هي، بعيدين عن أغراض السياسة وأهدافها.

ولقد كلّف هؤلاء الأعلام بالحق لذات الحقّ، وهو الذي حمّلهم على

____________________

(1) هذا رأي الأستاذ عبد الله العلائلي، وقد استقاه من اللورد اكتن.

١١

تسجيل الحقائق وتدوينها، وهذا الشعور دائماً هو مفتاح أعمالهم، وشفافية نفوسهم الطيّبة، فتحمّلوا النكبات، وصبروا على الأذى، ولم يخفهم سمل العيون، وقطع الأيدي والأرجل، والصلب على جذوع النخل.

ومن الحقائق التي حُملت إلينا على لسان أولئك البررة، بأمانة وإخلاص، حديث مؤتمر نجران، وما دار فيه من جدل وحوار، ونحن نقدّمه إلى القارئ في خاتمة هذا الكتاب، ولعلّ هذا الحديث النادر هو الذي حملنا على إفراد هذا الكتاب.

.. في سنة 1347هـ أخرجت المطبعة رسالة سماحة المجتهد الأكبر البحّاثة الجليل السيّد عبد الحسين شرف الدين (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء)، جاء في الصفحة الثالثة ما نصه بالحرف: (وقد تصدّى سيدنا الشريف المقدّس ابن طاووس لتفصيل المباهلة ومقدماتها، وما كان قبلها في نجران، من المؤامرات، والمناظرات في جلساتهم المنعقدة لذلك، حين دعاهم سيد الأنبياء والمرسلين إلى الله تعالى، وأرسل إليهم في ذلك رسله، فليراجع الإقبال من أراد الوقوف على تفصيل تلك الأحوال، ليرى أعلام النبوة، وآيات الإسلام، وبشائر النبيين بسيّدهم محمّد ( ص )، وبعترته الطيبين الطاهرين، وبذريته المباركة من بضعته سيدة نساء العالمين، وكنتُ أردتُ أن أخرج هذه القصّة من كتاب الإقبال، وأنشرها في رسالة على حدة، تعميماً لفوائدها وتسهيلا لطالبها، ولعلّ بعض أهل الهمم العالية، ممن حبسوا نفوسهم على نشر الحقّ يسبقني إلى ذلك فأكون قد فزت بتنبيهه إلى هذه المهمة).

١٢

جلجل الصوت في سمعي، فإنّ الدعوة جميلة، ومنبعثة عن شعور قلب كبير، استوعبت مشاعري، ووعاها سمعي وبصري، لأنها دعوة الخير مسّت القلب فتحرّك، وقرعت السمع فوعاها الذهن، ولكنّها رهيبة! أمن المستطاع أن تقرن بالتلبية؟. أم هي تبقى عصيّة على هذا القلم القاصر؟!..

لقد حبست نفسي على نشر الحقّ، وأوقفت هذا القلم - إن صحّ التعبير - على نشر الحقّ أيضاً، غير أنّي لست من أهل الهمم العالية الذين يقرنون الدعوة بالتلبية، ولكنّ الصوت العالي المنطلق في الفضاء من الرجل الكبير، كان رنّاناً عذباً مشت على نغماته النفس، وتحركت فيها البواعث القويّة لإخراج هذه الصورة عن مؤتمر نجران، التي حملها إلينا سيّدنا السيّد ابن طاووس، ولكنّها مقدّمة بأحاديث معقبّة بشروح وحواشي، غير أنّها رغبة أبت أن تحققها الأيام، وانحسر الستر عن القضاء فإذا هو باسم ساخر!..

وكيف مضى الزمن والفكرة لم ُتحقق!؟

وليس عجباً أن تبقى الفكرة طوال هذه المدّة إذا كانت مقودة بزمام القضاء والقدر، ولكنّ الفكرة لم تتزحزح عن مكانها الذي ولدت فيه، وإنّما ركدت تحت أكداس من رماد القضاء.

* * *

لم يتغير المبدأ الذي اتّخذته لنفسي منذ تنسّمتُ الحياة العملية في ميادين الأعمال، ولم تتبدل الفكرة، إنّما برزت بروزاً واضحاً منذ سمعت الصوت من الرجل الجليل، وأخذت أمهّد السبل بالمطالعة والبحث عن يوم المباهلة، وإذا

١٣

بكتاب (فجر الإسلام) يشقّ طريقه من الأفق المصري، وله في السمع دويّ مجلجل، وفي القلب طعنات دامية، وفي الضمائر وخزات مؤلمة، فتركت يوم المباهلة وحديث مؤتمر نجران إلى كتاب (تحت راية الحقّ) في الرد على طعون (فجر الإسلام).

كانت طعون كتاب فجر الإسلام قاسية لا يرتكبها أديب مفكّر، ولا يقدم عليها عالم مثقّف، ولكن شاء الأديب الأستاذ أحمد أمين أن يتخلّى عن أدبه وعلمه، وشاء أن يكون مسفّاً ملتوياً، وأبت عليه نفسه أن يكون حرّاً، ودفعته إلى التقليد فكتب مقلّداً، وطعن ظالماً، وتحدّث بغير رويّة فتنكّب عن الصراط السوي، فأنكره الأدب والعلم، وأسف فجفاه الخلق والتوى في الطريق ففقد الثقة.

وكان من الطبيعي لنا أن نترك كتاب (المباهلة)، ونترك كلّ شيء، فإنّ كتاب فجر الإسلام بما يحمله من طعون دامية يحتاج إلى محاسبة دقيقة.

وأقول دقيقة لا لأنّ كتاب فجر الإسلام جاءنا بشيء جديد لم يفترِه من قبل ابن تيمية والشهرستاني وابن حزم الظاهري، ولم يلصقوه بالشيعة، وإنّما يوم أحمد أمين موصول بماضي سلفه، وليس ما في كتابه إلاّ حلقة تلتقي بأخواتها المختفية خلف التاريخ، وكأن تلك الأنفس التي لفّها الماضي بطيّاته تقمّصت في هذا الإنسان الذي يسمونه اليوم أحمد أمين.

وهكذا أسيء إلى العلم والحق مرّة ثانية، لكن مع الفرق بين الإساءتين فإنّ تلك كانت في عصور مظلمة ظالمة غايتها إرضاء المحكوم لحاكمه

١٤

من عقيدة أو سياسة، لا للحق والحقيقة، وتعتبر اليوم أنّها انحرفت عن وجهة الحقّ وغادرته لكن إلى عقبى وخيمة سيّئة أدت إلى سخط المنصفين، وليس معنى هذا إنّه لا يوجد اليوم بين المسلمين من لا يحترم تلك الأقلام المهوشة، فإنّ كتاب فجر الإسلام يعلن بأن لا تزال باقية، ولكن حتماً إنّ هؤلاء سيفقدون قيمتهم الاجتماعية.

والإساءة الثانية كانت في عصر النور والحريّات، ولكنّها تستقى من تلك العصور المظلمة، ولا نعلم الهدف الذي يرمي إليه الأستاذ أحمد أمين وأمثاله، وقد أنار العلم طريق الحياة، وأخذ الشعور بحب التحرر من تلك الآراء البالية يراود النفوس الحرّة، وينير لها الطريق، ولم يبقَ لتلك العناصر الهدّامة أي قيمة، غير إنّه يلوح في الأفق أن عوامل الوراثة لم تمت في النفوس، وإنّما ركدت قليلاً، وهي تعود إلى سيرتها الأولى، وإلى ما كانت عليه من قبل في عهدها الأول، تسير في الأفق الضيّق، منبعثة عن ذلك الشعور الذي لم يعرف الحقّ، وإنّما هدفه النفوذ إلى مآرب خاصة، ولا يبالي من أيٍّ كان طريق النفوذ، لا يعلم واجبه العلمي، وغير مقدّر تبعة ذلك.

هذه حقيقة راهنة لا سبيل إلى نكرانها ما دام يكشف عنها كتاب فجر الإسلام، وليس من موضوعنا أن نسير وراء أهداف الكتاب، وقد كشف عن نوايا الأستاذ أحمد أمين طعونه التقليدية.

وبالجملة فقد انصرفنا عن كتاب المباهلة إلى الرد على مطاعن فجر الإسلام، وكتبنا كتاب (تحت راية الحقّ) وقدّمناه إلى المطبعة ثمّ خرج منها

١٥

عائداً إلى العراق المأوى الذي خرج منه، ولكن مع الأسف لم يكن بالحسبان أنّ الكتاب يحبس في زاوية من زوايا الكمرك في العراق ثمّ يحرق.

أحرق الكتاب فكانت الصدمة عنيفة جدّاً، وعلمت آنئذ أن الحقّ لا يزال سجيناً في قفصه، وكلّ ما يستطيع أن يفعله، فعل الأسود في المحبس الضيّق، وعلمت أيضاً أنّ العلم لا يزال في محبسه الضيق تحوطه سيوف السياسة ورماحها، ولم تهيّئ له الانطلاق والتحرر؛ لأنّ اللحظة المرجوّة لبروز العلم والحقائق لم يأتِ وقتها.

* * *

وفي يوم من أيام سنة 1366 كنت جالسا في مكتبة الجامعة في بغداد، مع جماعة من أهل الفضل والأدب، وكان الحديث متنوعاً لم تُحدد أطرافه وإذا بالأستاذ.. وهو أحد المحامين المطّلعين يدخل علينا، ولم يمهلنا نحن الجالسين لحظة واحدة لنعطيه مكانه من مجلسنا، وإنّما توجّه إليّ بالسؤال التالي: أرأيت كتاب الإقبال؟.

استقبلت السؤال بهدوء. ولماذا؟! وما في الإقبال؟ كأنّه كتاب يقرؤه أولئك البررة الذين يجِأرون إلى الله بالدعاء، فإن فيه أعمال الشهور وادعيتها فهل أنت ممن يقرأه؟.

- (إن فيه حديث مؤتمر نجران، وفيه أدب جمّ، وتاريخ أهملته كتب التاريخ، وفيه التعريف بفضل أهل بيت النبوة، آل رسول الله( ص ) الذين غمط حقهم المؤرخون.. أخرجه.. أخرجه للناس وللمستشرقين).

١٦

لقد كان في دعوته حرارة، وفي كلماته صدق، وعلى قسمات وجهه شيء من الجدّ الصريح.

كلمات لمست بإحدى يديها قلبي، وبالأخرى أزاحت الستار عن تلك الفكرة المدفونة، وكأنه شعر أنّ لحديث نجران موطن في نفسي، فأراد أن يزيح الرماد، وينفخ في النار.

نفخ النار. وعاد ذلك الصوت من فم الرجل العظيم الجالس في (صور) بجرسه الرنّان، صيحة عالية عذبة الرنّة، قرعت السمع فهفا إليها القلب، فتقدّمت إلى القلم والكتاب، وعدت إلى الموضوع الذي أهملته من قبل، وها أنا أقدّم هذا الكتاب إلى قرّائي الكرام، تلبية لذلك الصوت الذي حفظه الأثير بين ذرّاته فإن كنت أصبت الهدف فذلك من فضل الله عليّ، وإن أخطأني الحظ فتلك زلّة يغفرها لي الداعي الأوّل وقرّائي الكرام.

١٧

نجران

من الأمور القطعيّة التي لا شبهة فيها، تطور الديانات على اختلاف الأدوار التي مرّت عليها، ولم تطّرد في طريق واحد متدرّجة صعوداً، أو متراجعة هبوطاً، والديانات التي نشأت في الشعوب كانت على أطوار مختلفة، لا يمكن الحكم عليها بالتدرّج، وإنّما كانت صاعدة هابطة، ولم تكن على طور واحد.

ومن الصعب جدّاً التعرّف على تلك الأطوار التي مرت عليها مختلفة في شكلها وطقوسها، لأن كلّ ما وصل إلينا ظنّ لم يؤدي بالبرهان الصحيح على أنّه ليس من موضوعنا الحديث عنها، لنتبسّط في ذلك، ولا تهمنا بقليل ولا كثير.

وأما العقيدة بالإله أو الرب، فهي فكرة سايرت الإنسان في كلّ الأدوار، وآمن بها في أقدم العصور، وإن كانت أحيطت بكثير من الضلال والسخف. ولقد تعددت الأرباب عند الأمم الغابرة فتجاوزت العشرات إلى المئات، وربما كان لكلّ أسرة من الأسر ربّاً تعبده مضافاً إلى إله القبيلة، وربما كان للشخص الواحد ربّاً يعبده وإذا خرج للسفر - إن أذن له - يصحبه، كما هو الشأن عند بعض العرب.

ولم تكن هذه الأرباب نوعاً واحداً، وإنّما هي أنواع شتّى، تمثّل أفكاراً شتّى كالأرباب التي تمثّل مشاهد الطبيعة كالبرق والرعد والمطر، وأرباب

١٨

الأسر والقبائل وإله الخلق إلى غير ذلك، وربما أشاروا بتماثيل مختلفة الصور والأشكال، وقد اختلفت درجات قدسها بنظرهم.

وفي نهاية مطاف أطوار الديانات المختلفة جاء (التوحيد)، ومعناه عندهم كما يلوح لنا: هو إله يعلو جميع الآلهة، وينفرد بالعظمة والجلال.

ثمّ الأديان الكتابيّة - بعد تلك الأطوار - هي التي أشارت إلى الله سبحانه، وأثارت فكرة التوحيد الصحيح، وعلّمت الناس عبادة الإله الواحد الأحد، الذي خلق كلّ شيء، ووسعت قدرته كلّ موجود في السماوات والأرض، وإنّه لا شريك له في خلقه، ولا شبيه له في عظمته، تفرّد بالكمال، وتنزّه عن النقص، لا تدركه الأبصار، وأحاط بكلّ شيء علمه، وهو على كلّ شيء قدير، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

والسيد المسيح سلام الله عليه هو أحد الدعاة إلى توحيد الله، جاء في جوٍّ مضطرب بالعقائد المفتونة بالفلسفة، فدعا الناس إلى الله، وذكّرهم بالله الرءوف الرحيم، وأمرهم بعبادة الله الواحد الأحد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن في دعوته ما يمسّ الوحدانية بشيء، ولكن الأناجيل - وقد جاءت بعد عصره بجيلين - أشارت إلى أنّ المسيح ابن الله (وأنا قد رأيت وشهدت أنّ هذا هو ابن الله). يوحنا 24 اصحاح 1 ، وأشارت إلى إنّه قال (أنا الراعي الصالح). يوحنا 14 اصحاح 10. وأشارت إلى إنّه ابن الله (قد أتيت باسم أبي). يوحنا 43 اصحاح 5 (وكما أن الأب يعرفني اعرف الأب) يوحنا...

ثمّ تطورت النصرانية، وامتزجت بعقائد وثنية، واعتقدت الثالوث المقدّس، أو الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، واعتقدت الكنيسة

١٩

اتحاد هذه الأقانيم الثلاثة. (وأنّ الأب والابن وجود واحد، وإنّك حين تقول الأب، لا تدل على ذات منفصلة عن الابن، أو روح القدس، لأنّه لا انفصال، ولا تركيب في الذات الإلهية) وهم شيء واحد، (وإن كان يستحيل على العقل البشري إدراك كيفية الاتّحاد)(1)

ولم يكن هذا التثليث المتّحد معروفاً عند العرب، ولا مما يصل إليه عقل العربي، ولا من ديانتهم، ولكنّه عبر حوض البحر المتوسط والبحر الأحمر - بحر القلزم - إلى شبه جزيرة العرب، واستقرّ في (نجران) إلى جانب الوثنية في (مكّة) يتصارعان.

* * *

إنّ الوثنية كانت تتصرف بعقول الأسر، والقبائل العربية في شبه جزيرة العرب، ووجدت فيها تربة خصبة، ومنهلاً عذباً، ومرتعاً صالحاً، وقد كان للعرب أفانين شتّى في عبادة الأوثان، وكان لهذه الأوثان في نفوسهم مكانة جليلة، وقدسيّة عظيمة، ويلوح أنّها لم تكن في درجة واحدة من القداسة، فصنم القبيلة أفضل من صنم البيت، وصنم الكعبة أفضل من صنم القبيلة، وقد اختلفت أشكال هذه المعبودات، فالصنم - وهو ما كان متخذاً من خشب، أو معدن على شكل الإنسان - غير الوثن المتّخذ من حجر على شكل الإنسان، وهما غير النصب، وهو صخرة غير ذات صورة معينة.

وكذلك اختلفت درجات هذه الأصنام، فهبل مثلاً كبير آلهة العرب، وهو منصوب على ظهر الكعبة يحجّون إليه من كلّ فجّ عميق.

____________________

(1) المسيحيّة والإسلام للأب لويس اده.

٢٠