علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد25%

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد مؤلف:
تصنيف: كتب متنوعة
الصفحات: 240

  • البداية
  • السابق
  • 240 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 32398 / تحميل: 14922
الحجم الحجم الحجم
علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

السند :‌

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ما قدمناه(١) . وأبو أيوب هو إبراهيم ابن زياد ، أو ابن عثمان ، أو ابن عيسى الثقة.

والثاني : فيه عثمان بن عيسى وأبو بصير ( وقد مضى(٢) فيهما ما يغني عن الإعادة )(٣) .

والثالث : حسن ، وما قيل من أنّ عبد الله بن المغيرة كان واقفاً(٤) يعرف دفعه مما سبق(٥) .

والرابع : فيه الحسين بن عبد الملك ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، وأبوه الظاهر أنّه ابن عمرو الأحول ، لوجوده في الرجال بالوصف(٦) ، وحاله لا يزيد على الإهمال.

والخامس : فيه أنّه مرفوع.

والسادس : صحيح.

والسابع : فيه محمّد بن سهل ، وهو مهمل في الرجال(٧) .

__________________

(١) في طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد ، راجع ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٢) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ٣٦٣ ، ج ٢ ص ٩٠ ، ٢١٠ ، ٣٨٩ ، ج ٣ ص ١٥٠ ، ٢٣٠ ، ج ٤ ص ١٦ ، ٣٩٢ ، ج ٥ ص ١٦٨ ، ج ٦ ص ٣٩ ، ٤٦.

(٣) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠.

(٥) راجع ج ١ ص ١٣٣ ١٣٤.

(٦) انظر رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٠.

(٧) انظر رجال النجاشي : ٣٦٧ / ٩٩٦ ، الفهرست : ١٤٧ / ٦٢٠.

٢١

المتن :

في الأوّل : ربما يستفاد منه وجوب قراءة السورتين في الجمعة ، لأنّ السؤال تضمن أنّ الصلاة هل فيها شي‌ء موقت؟ فإمّا أن يراد بالتوقيت الاستحباب أو الوجوب ، فإن أُريد الأوّل يشكل بأنّ نفي توقيت الاستحباب إلاّ في الجمعة يقتضي ردّ ما دلّ على توظيف بعض السور في الصلوات ، ومع وجوده لا بدّ من حمل هذا الخبر على إرادة الثاني.

فإن قلت : ما دلّ على توقيت غير الجمعة ليس بسليم الإسناد ، فلا يعارض هذا الخبر بتقدير الاحتمال.

قلت : قد نقل الصدوق في الفقيه ما يقتضي التوقيت في غير الجمعة(١) ، وهو مؤيّد لغيره مما ورد في غيره ، على أنّ الكلام مع الشيخ والأخبار عنده غير مردودة ، فكان ينبغي أن يتعرض لما ذكرناه.

وقد اتفق في التهذيب أنّه روى عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : القراءة في الصلاة فيها شي‌ء موقت؟ قال : « لا ، إلاّ الجمعة تقرأ الجمعة والمنافقين » قلت له : فأيّ السور تقرأ في الصلاة؟ قال : « أمّا الظهر والعشاء يقرأ فيهما سواء ، والعصر والمغرب سواء ، وأمّا الغداة فأطول ، وأمّا الظهر والعشاء الآخرة فسبّح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها ، وأمّا العصر والمغرب فإذا جاء نصر الله وألهاكم التكاثر ونحوها ، وأمّا الغداة فعمّ يتساءلون وهل أتاك حديث الغاشية ولا أُقسم بيوم‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠١.

٢٢

القيامة وهل أتى على الإنسان حين من الدهر »(١) .

وروى في الزيادات من التهذيب الخبر المذكور هنا(٢) .

والظاهر أنّ الروايتين متحدتان ، لكن السند فيه الاختلاف ، والزيادة التي في الأوّل لا يخفى أنّها تؤيد ما قلناه من احتمال إرادة الوجوب من التوقيت ، لأنّ ذكر الصلوات والسور نوع من التوقيت ، فلو أُريد في الأوّل الاستحباب لم يتم النافي(٣) إلاّ أن يقال : إنّ المنفي أوّلاً التوقيت على الاستحباب ، لكن(٤) على وجهٍ لا يساويه غيره ، والتوقيت الثاني لمجرد الاستحباب ، أو أن الأول فيه تعين الاستحباب والثاني فيه عدم التعين ، ويراد بالتعين تعين السورتين ، وبالعدم عدم تعين سورة كما يقتضيه ظاهر الخبر من قوله : « ونحوها ».

ولا يذهب عليك أنّ التوجيه المذكور كأنّه لا بُدّ منه ؛ إذ لم ينقل القول بالوجوب في صلاة الجمعة ، بل الموجود في المختلف النقل عن الصدوق في ظهر يوم الجمعة ، وكذلك عن أبي الصلاح ، بل ظاهر العلاّمة في الاستدلال الإجماع على الأولوية في الجمعة(٥) . وقد يظن أنّ مراد الصدوق بظهر الجمعة ما يتناول الجمعة ؛ لأنّ الجمعة ظهر في الحقيقة ، والأخبار في بعضها ما يدل على ذلك ، وسيأتي في باب الجهر في القراءة عن قريب(٦) ، لكن لا يخفى أنّ الخبر بتقدير دلالته على الوجوب لا يتناول‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٩٥ / ٣٥٤ ، الوسائل ٦ : ١١٧ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٨ ح ٢. بتفاوت يسير.

(٢) التهذيب ٣ : ٦ / ١٥ ، الوسائل ٦ : ١١٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٩ ج ١.

(٣) في « فض » : الثاني ، وفي « رض » : التنافي.

(٤) في « م » زيادة : لا.

(٥) المختلف ٢ : ١٧٦.

(٦) في ص : ٣١.

٢٣

الظهر ، إلاّ بتقدير إطلاق كل منهما على الأُخرى.

وأمّا الثاني : فظاهر الأمر فيه وجوب قراءة الجمعة والمنافقين في الجمعة ، إلاّ أنّ الأمر في غير الجمعة للاستحباب ، فربما كان قرينةً على المساواة فيه ، إلاّ أن يقال بعدم استلزام خروج البعض خروج الجميع ، وفيه : أنّ استعمال الأمر في الاستحباب أولى من استعماله في الحقيقة والمجاز ، لكن الخبر مع ضعف سنده لا يصلح لمشقة التعب فيه ، غير أنّ الشيخرحمه‌الله لا يخلو ذكره له في الأخبار الأوّلة من غرابة.

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من ليلة الجمعة يتناول المغرب والعشاء.

والثالث : كما ترى متنه لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ الضمير في قوله : « فمن تركها » يحتمل العود إلى كل واحدة من السورتين ، ويحتمل العود إلى المنافقين ، وربما يؤيد الثاني أنّي لم أقف على ما يقتضي جواز ترك المنافقين كما ننبّه عليه من احتمال عدم القائل بالفرق.

ثم إنّ الترك لكل من السورتين أو المنافقين محتمل للجمعة والظهر ، وقد يدّعى ظهور الجمعة ، وفيه ما فيه.

فإن قلت : يجوز أن يراد أنّ الله أكرم بصلاة الجمعة المؤمنين ، والضمير في : « فسنّها » للسورة من قبيل الاستخدام كما قاله بعض في عبارة بعض متأخري الأصحاب ، حيث قال : وتصلّى الجمعة بها والمنافقين(١) .

قلت : الظاهر من الرواية خلاف هذا.

وفي التهذيب حمل قوله : « لا صلاة له » أوّلاً : على أنّ الترك بغير‌

__________________

(١) الروضة ١ : ٢٦٤.

٢٤

اعتقاد أنّ في قراءتهما فضلاً. وثانياً : كما ذكره هنا(١) . وظاهر الأوّل الحمل على البطلان حقيقةً باعتقاد عدم الفضل ، بل صرّح بعد ذكر خبر الأحول بالبطلان ( إذا اعتقد أنّه ليس في قراءتهما فضل(٢) ، وبين كلامه أوّلاً وآخراً نوع منافرة ، لأنّ الأوّل اقتضى البطلان )(٣) بسبب اعتقاد نفي الفضل الكثير ، والثاني البطلان بمجرد نفي الفضل. وقد يناقش في البطلان على التقديرين ، إلاّ أن يقال : إنّ نفي الفضل يقتضي الخروج عن الدين ، وفيه ما فيه. ولعلّ عدم التعرض هنا للوجه أولى ممّا في التهذيب.

(وأمّا الرابع : فهو ظاهر في الجمعة ، وما ذكره الشيخ في الأخبار من الحمل على شدة الاستحباب لا يخلو من وجه بعد ملاحظة ما قدّمناه وما سنذكره )(٤) .

وأمّا ما استدل به من الخامس فقد يقال عليه : إنّ الظاهر من الرواية استحباب السورتين ، أمّا استحباب كل واحدة فلا ، ويجوز أنّ تكون سورة المنافقين واجبة ؛ إذ لا دليل على استحبابها بعد إطلاق الأخبار بوجوبها.

والسادس : إنّما يدل على جواز ترك سورة الجمعة كالسابع ، والحقّ أنّ عدم القائل بالفصل يدفع هذا ، مضافاً إلى ما سبق من العلاّمة في المختلف(٥) ، ( وفي المختلف )(٦) أيضاً أنّ الصدوق احتجّ بالثالث على‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٦ / ١٦.

(٢) التهذيب ٣ : ٧.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ما بين القوسين كان في النسخ مقدماً على قوله : وفي التهذيب. والأنسب كما أثبتناه.

(٥) في ص ٢٠٧٥.

(٦) ما بين القوسين ليس في « فض ».

٢٥

مدعاه ( ونقل المتن بلفظ : و )(١) سنّهما وتركهما(٢) ، لكن في الكتاب والتهذيب كما نقلته ، ولا يخفى أنّ الاستدلال به إن تمّ ظاهر الدلالة على أنّ مراده بالظهر الجمعة أو هما ، ونقل العلاّمة من الأدلة له الاحتياط(٣) ، والأمر فيه ما ترى.

وقد اتفق لشيخناقدس‌سره في المدارك أنّه قال بعد ذكر الخبر الأوّل : والأمر المستفاد من الجملة الخبرية محمول على الاستحباب كما تدل عليه صحيحة علي بن يقطين وذكر السادس ، وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) الآتية(٥) . وغير خفي إفادتها الجواز مع العجلة كإفادة الأولى الاختصاص بالجمعة ، فلا بدّ من ضميمة عدم الفارق ، والإجمال في مثل هذا غير لائق.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمّار ، عن عمر بن يزيد قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « من صلّى الجمعة بغير الجمعة والمنافقين أعاد الصلاة في سفر أو حضر ».

فالوجه في هذا الخبر الترغيب في أن يجعل ما صلّى بغير الجمعة والمنافقين من جملة النوافل ويستأنف الصلاة ، ليلحق فضل‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : والضمير أتى به.

(٢) المختلف ٢ : ١٧٧.

(٣) انظر المختلف ٢ : ١٧٧.

(٤) في ص : ٢٧.

(٥) مدارك الأحكام ٣ : ٣٦٧.

٢٦

هاتين السورتين ، يبيّن ما ذكرناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن يونس ، عن صباح بن صبيح : قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل أراد أن يصلّي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد ، قال : « يتمها ركعتين ثم يستأنف ».

والذي يدلّ على ما قلناه :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي الفضل ، عن صفوان بن يحيى ، عن جميل ، عن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيها(١) ؟ قال : « اقرأ فيها(٢) بقل هو الله أحد ».

فأجاز في هذا الخبر قراءة قل هو الله أحد ، وفي الخبر أنّه يعيد سواء كان في سفر أو حضر ، فلو كان المراد غير ما ذكرناه من الترغيب لما جوّز له في(٣) ذلك.

سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله ابن سنان(٤) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول في صلاة الجمعة : « لا بأس بأن تقرأ فيها بغير الجمعة والمنافقين إذا كنت مستعجلاً ».

أحمد بن محمّد ، عن معاوية بن حكيم ، عن أبان ، عن يحيى‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠ : فيهما.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠ : فيهما.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٤١٥ / ١٥٩٠.

(٤) في « رض » : مسكان.

٢٧

الأزرق بيّاع السابري قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام قلت : رجل صلّى الجمعة فقرأ سبّح اسم ربك الأعلى وقل هو الله أحد ، قال : « أجزأه » (١) .

السند :

في الأوّل : حسن على ما قدّمناه في عمر بن يزيد(٢) .

والثاني : فيه يونس ، وفيه نوع اشتراك(٣) ، وغير بعيد كونه ابن عبد الرحمن أو ابن يعقوب ، لكن الثاني يروي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى بواسطة ابن أبي عمير ، وانتفاؤها ممكن ، والأوّل قد يبعده ما نقل من قدح أحمد في يونس ، لكن قد نقل أنّه رجع عنه ، وبالجملة الجزم في المقام مشكل. أمّا صباح بن صبيح فهو ثقة.

والثالث : فيه أبو الفضل ، ولا يبعد أنّه العباس بن عامر ، وهو يروي عن صفوان في بعض الطرق ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب أنّ حاله غير معلوم ، لكن ابن بابويه أوردها في كتابه بطريق صحيح عن صفوان بن يحيى ، عن علي بن يقطين(٤) ، انتهى. وما ذكره من جهة عدم المعلومية واضح ، لقيام الاحتمال ، أمّا احتمال دعوى الظهور فممكن ، وأمّا وصف الطريق بالصحة في الفقيه ففيه : أنّ إبراهيم بن هاشم في الطريق ، إلاّ أنّ شيخناقدس‌سره مضطرب الرأي في إبراهيم ، نعم شيخنا المحقّق في كتاب‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : اقرأ.

(٢) في راجع ج ١ ص ٢٥٣ ٢٥٤.

(٣) انظر هداية المحدّثين : ١٦٥.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٨ / ١٢٢٤.

٢٨

الرجال ذكر ما يمكن استفادة تصحيح الطريق منه(١) ، وقد مضى(٢) نوع كلام في ما استخرجه في الكتاب سلّمه الله.

والرابع : صحيح.

والخامس : فيه معاوية بن حكيم وقد تكرر القول فيه(٣) . وأمّا أبان ففيه نوع اشتراك(٤) . ويحيى الأزرق بعنوان بيّاع السابري لم أقف عليه في الرجال ، نعم فيهم يحيى الأزرق من رجال الصادق والكاظمعليهما‌السلام في كتاب الشيخ(٥) ، ويحيى بن عبد الرحمن الأزرق في رجال الصادقعليه‌السلام ، وهو مهمل(٦) ، لكن النجاشي وثّق ابن عبد الرحمن(٧) ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : ما قاله الشيخ فيه لا يخلو من بعد ، لكن بعد ما تقدّم منّا القول في حقيقة الحال يظهر ما في البين من المقال. ثم إنّ ما فهمه الشيخ من جعل الصلاة نافلة قد يقال ليس بأولى من استحباب الإعادة للحوق الفضيلة ، وفيه : بُعد صحة الصلاة مع استحباب الإعادة ، ويدفعه أنّ الصحة إذا كانت تقتضي أقلية الثواب لا بعد في استحباب الإعادة ، إلاّ أن يقال : إنّ الدليل لو عيّن هذا الوجه فلا مانع منه ، إلاّ أنّ الاحتمال المذكور من الشيخ‌

__________________

(١) انظر منهج المقال : ٢٩.

(٢) في ص : ٣٦.

(٣) راجع ج ١ ص ١٤٦ ، ج ٢ ص ٦٥ ، ج ٣ ص ١٧٧.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٦ / ١.

(٥) رجال الطوسي : ٣٣٤ / ٣٠ ، ٣٦٣ / ٢.

(٦) رجال الطوسي ٣٣٣ / ٥.

(٧) رجال النجاشي : ٤٤٤ / ١٢٠٠.

٢٩

قائم ، وفيه إمكان دعوى رجحان الاحتمال الآخر.

وقد يقال : إنّ الحديث يدلّ على إطلاق الجمعة على الظهر ؛ إذ السفر لا تقع فيه الجمعة ، وحينئذٍ يدل على ما مضى(١) في توجيه قول الصدوق ، ويمكن دفعه : بأنّ منع الجمعة في السفر مطلقاً محل كلام.

أمّا ما عساه يقال : من أنّ المعروف في مثل هذه المسألة العدول إلى السورتين ، فقد ذكرنا ما فيه مفصلاً في معاهد التنبيه. ولعلّ المراد أنّ من صلّى ففرغ من صلاته كان حكمه ما ذكر ، أو يقال بالتخيير بين العدول على تقدير العلم في الأثناء وجعلها نافلة.

فإن قلت : جعلها نافلة بعد الفراغ أو الأعم منه ومن(٢) الأثناء.

قلت : مراد الشيخ مجمل ، وكذلك الرواية بتقديره.

أمّا الثاني : فالبيان فيه أيضاً غير واضح ؛ لأنّ الظاهر الاختصاص بالعالم في الأثناء ، وصراحته في عدم العدول ينافي غيره من الأخبار.

وأمّا الثالث : فهو ظاهر في صحة الجمعة سفراً بقل هو الله أحد ، واحتمال الجمعة للظهر قد مضى(٣) ، والمنقول في المختلف عن الصدوق القول بجواز قراءة غير الجمعة والمنافقين في السفر والمرض(٤) ، وعلى تقدير الصحة ربما كان الدال على الجواز محمولاً على استحباب الإعادة ، والشيخ كما ترى ظاهره الاستدلال على جعل الأُولى نافلة.

__________________

(١) في ص : ٢٣.

(٢) في « م » : وفي.

(٣) في ص ٢٣.

(٤) المختلف ٢ : ١٧٦ ، وهو في الفقيه ١ : ٢٠١.

٣٠

ونقل في المختلف عن الشيخ وجماعة القول بالعدول عن نيّة الفرض إلى النفل للناسي ، وأنّ ابن إدريس منع من ذلك ، ثم استدل العلاّمة برواية صباح بن صبيح ، ونقل عن ابن إدريس الاحتجاج بالنهي عن إبطال العمل ، وأجاب بأنّ النقل إلى التطوّع ليس إبطالاً للعمل(١) .

ولا يخفى ما في احتجاج ( العلاّمة لضعف الرواية ، والعدول حكم شرعي.

وأمّا احتجاج ابن إدريس فله وجه ؛ لأنّ النقل )(٢) إلى النفل إبطال للفرض ، إلاّ أن يقال عليه : إنّ المتبادر من الإبطال تركه بالكلية ، والحق أنّ النقل متوقف على الدليل ، والآية(٣) مؤيّدة ؛ وإن كان فيها نوع كلام من حيث احتمال إرادة الإبطال بالكفر ، لأنّه المبطل جميع الأعمال كما ذكره البعض(٤) .

وقد يقال : إنّ عموم الأعمال بالنسبة إلى جميع الأشخاص لا إلى كل شخص ليحتاج إلى ما يبطل جميع أعماله وهو الكفر ، فليتأمّل.

والرابع : ظاهر في جواز القراءة بغيرهما مع العجلة ، لكن العجلة غير منضبطة ، فربما كان فيها من هذه الجهة دلالة على عدم اللزوم ، مضافاً إلى ما سبق.

وأمّا الخامس : فلا يخفى ما في متنه.

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٧٧ ، وهو في النهاية : ١٠٦ ، المبسوط ١ : ١٥١ ، المهذب ١ : ١٠٣ ، الجامع للشرائع : ٨١.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣٣.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٤٦.

٣١

قوله :

باب الجهر بالقراءة لمن صلّى منفرداً أو كان مسافراً.

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن القراءة يوم الجمعة ، إذا صلّيت وحدي أربعاً أجهر بالقراءة؟ فقال : « نعم ».

سعد ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عمران الحلبي قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول وسئل عن الرجل يصلّي الجمعة أربع ركعات ، يجهر فيها بالقراءة؟ فقال : « نعم ، والقنوت في الثانية ».

الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن حريز بن عبد الله ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قال لنا : « صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة ، واجهروا بالقراءة » فقلت : إنّه منكر علينا الجهر بها في السفر. فقال : « اجهروا ».

عنه ، عن فضالة ، عن الحسين بن عبد الله الأرّجاني ، عن محمّد ابن مروان قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صلاة الظهر يوم الجمعة ، كيف نصلّيها في السفر؟ فقال : « تصلّيها في السفر ركعتين ، والقراءة فيها جهر ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر ، فقال : « تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ، ولا يجهر الإمام‌

٣٢

فيها بالقراءة ، إنّما يجهر إذا كانت خطبة ».

عنه ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن صلاة الجمعة في السفر ، فقال : « تصنعون كما تصنعون في الظهر ، فلا يجهر الإمام فيها بالقراءة ، إنّما يجهر إذا كانت خطبة ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على التقية والخوف ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم ، أيصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال : « نعم إذا لم يخافوا ».

السند :

في الأوّل : حسن.

والثاني : ( ليس فيه ارتياب يوقف الصحة إلاّ اشتراك )(١) حمّاد بن عثمان على ما ظنّه بعض(٢) ، وقد قدّمنا فيه القول(٣) . والذي ينبغي أن يقال هنا : إنّ الظاهر كونه حمّاد بن عثمان الثقة بتقدير الاشتراك ؛ لأنّ الصدوق رواها عن حمّاد بن عثمان(٤) ؛ وذكر في المشيخة الطريق إليه والراوي عنه ابن أبي عمير(٥) . والشيخ ذكر في الطريق إلى حمّاد بن عثمان الثقة ابن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : فيه ارتياب توقف الصحّة لاشتراك ، وفي « م » ليس فيه ارتياب بوقت الصحة لاشتراك.

(٢) انظر حاوي الأقوال : ٣٢١ ٣٢٣ / ٢١٥.

(٣) راجع ج ٣ ص ٦٤ ٦٦.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٩ / ١٢٣١.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤٨.

٣٣

أبي عمير(١) ، وحينئذٍ يرتفع الريب.

والثالث (٢) : واضح بعد ملاحظة ما سبق في رجاله(٣) .

أمّا الرابع : ففيه الحسين بن عبد الله الأرجاني ، وهو مهمل في رجال الباقرعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) . أمّا محمّد بن مروان فهو مشترك(٥) .

والخامس : واضح كالثالث.

والسادس : مثله كالسابع.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ من صلّى وحده الظهر يوم الجمعة يجهر فيها بالقراءة.

والثاني : شامل لمن صلّى جماعة وفرادى.

والثالث : ظاهر في الجهر إذا صلّيت جماعة.

والرابع : مطلق كالثاني.

أمّا الخامس : فهو خاص بالجماعة في نفي الجهر كالسادس. والحمل على التقية كما ذكره الشيخ يخالفه الثالث ، ولا يدل عليه السابع في ظاهر الحال. وربما يوجّه الدلالة بأنّ الخوف لا يتحقق إلاّ إذا جهر بالقراءة ؛ إذ الصلاة جماعة من دونها لا إنكار فيها. وقد يقال : إنّ الخوف من عدم‌

__________________

(١) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.

(٢) في « فض » و « م » زيادة : صحيح.

(٣) راجع ج ١ ص ٥٦ ، ١٦٢ ، ١٩٦ ، ج ٢ ص ٢٣ ، ج ٤ ص ١٨٧ ، ٢٠٩ ، والطريق إلى الحسين بن سعيد تقدّم في ج ١ ص ٦٩ ، ٤١٤ ، ج ٣ ص ٢٤.

(٤) رجال الطوسي : ١١٥ / ٢٣.

(٥) هداية المحدثين : ٢٥٢.

٣٤

صلاة الجمعة ، فإذا صلّوا الظهر جماعة وعلم بعض أهل الخلاف بذلك فقد علم عدم فعل الجمعة. وعلى هذا لا دلالة له على مطلوب الشيخ.

أمّا منافاة الثالث للتقية فظاهرة ؛ ويمكن أن يدفع المنافاة بأنّ السفر مظنّة سقوط الجمعة ؛ والجهر بالقراءة عندهم جائز في الصلاة على ما مضى من الشيخ(١) في حمل ما تضمن التخيير بين الجهر والإخفات على التقية.

ولا يخفى بُعد التوجيه من حيث اشتراك العلّة ، إذ لم أجد في كلامهم سقوطها سفراً.

ولعلّ الحمل على رجحان الإخفات للإمام له وجه ؛ وحينئذٍ ربما يمكن رجحان الجهر للمنفرد من حيث سلامة ما دل على جهرة خصوصاً أو إطلاقاً من المعارض. وقول الصدوق بعد رواية عمران الحلبي : إنّها رخصة(٢) . ( قد ذكرت فيما مضى من باب الصلاة(٣) أنّ في الرخصة نوع إجمال ، والحال هنا كذلك ، فليراجع ما تقدم )(٤) .

فإن قلت : قولهعليه‌السلام : « إنّما يجهر إذا كانت خطبة » يدل على أنّ مع عدم الخطبة لا جهر ، وهو يتناول المنفرد وغيره.

قلت : ظاهر الكلام أنّ فاعل الجهر الإمام فلا يدل على المنفرد ، واحتمال البناء للمجهول يشكل باحتمال المعلوم ، وهو كافٍ في عدم تحقق المعارض.

أمّا ما يقال : من أنّ أدلة الإخفات في الظهر تقتضي العموم ليوم‌

__________________

(١) في ص ١٥٥٠.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٩.

(٣) في « فض » زيادة : إلى ، وفي « رض » زيادة : في.

(٤) بدل ما بين القوسين في « م » : وقد ذكرتُ في معاهد التنبيه أنّ فيه إجمالاً بالنسبة إلى معنى الرخصة.

٣٥

الجمعة.

ففيه : أنّ الذي وقفت عليه من الأدلة : الآية الشريفة ، وهي قوله تعالى( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (١) والخبر المتضمن لأنّ من جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى إلى آخره أعاد الصلاة(٢) ، والاحتياط بحصول يقين البراءة بالجهر في موضعه والإخفات في موضعه ، والشهرة.

وغير خفي حال هذه الأدلة فيما نحن فيه ، أمّا الآية : فظاهرها لا يخلو من إجمال كما يعلم من التفاسير ، وقد نقل الصدوق فيها كلاماً يقتضي أنّ المراد بها الجهر الوسط(٣) .

وأمّا الرواية : فلتوقفها على العلم بما يجهر فيه وما لا يجهر فهو أصل المدعى.

وأمّا الاحتياط : فالعامل بالأخبار قد يظن أنّ الاحتياط في الجهر للمنفرد ، بسبب عدم المعارض لما دل على الجهر ، وخلاف ابن إدريس(٤) المنقول في المختلف(٥) ( والمعتبر من قوله : يتعين الإخفات. فيه : أنّه لا يعمل بالأخبار فربما أدّاه الدليل إلى ما قاله.

والذي في المختلف )(٦) نقلاً عن السيد المرتضى في المصباح أنّه‌

__________________

(١) الإسراء : ١١٠.

(٢) التهذيب ٢ : ١٦٢ / ٦٣٥ ، الإستبصار ١ : ٣١٣ / ١١٦٣ ، الوسائل ٦ : ٨٦ أبواب القراءة ب ٢٦.

(٣) الفقيه ١ : ٢٠٢.

(٤) السرائر ١ : ٢٩٨.

(٥) المختلف ٢ : ١٧٨.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».

٣٦

قال : والمنفرد بصلاة الظهر يوم الجمعة قد روي أنّه يجهر بالقراءة استحباباً ، وروى أنّ الجهر إنّما يستحب لمن صلاّها مقصورة بخطبة أو صلاّها أربعاً في جماعة ، ولا جهر على المنفرد. وقال ابن إدريس : وهذا الثاني هو الذي يقوى في نفسي واعتقده وأُفتي به ؛ لأنّ شغل الذمّة بواجب أو ندب يحتاج إلى دليل شرعي لأصالة براءة الذمّة ، والرواية مختلفة ، فوجب الرجوع إلى الأصل ، لأنّ الاحتياط يقتضي ذلك ، لأنّ تارك الجهر تصح صلاته إجماعاً وليس كذلك الجاهر بالقراءة ؛ وما رواه ابن أبي عمير عن جميل وذكر الرواية الخامسة وما رواه محمّد بن مسلم وذكر الرواية السادسة.

وأجاب العلاّمة : بأنّ شغل الذمّة بالمندوب كما هو منافٍ للأصل كذلك شغلها بوجوب الإخفات ، بل هذا زائد في التكليف ؛ والروايتان تنافيان دعواه ؛ لاختصاصهما بالجماعة ، ومعارضتان برواية الحلبي الحسنة وذكر الاولى ورواية عمران الحلبي وذكر الثانية والثالثة والرابعة ـ(١) .

ولا يذهب عليك وجاهة كلام العلاّمة ، إلاّ أنّ قوله في معارضة الروايات محل تأمّل لاختلاف المورد.

ثم الظاهر من كلام ابن إدريس في الرجوع إلى الأصل يقتضي أنّ الأصل في الظهر الإخفات ، فإن أراد يوم الجمعة فالأصل محل تأمّل ، وغيره واضح الاندفاع. ثم قوله : إنّ تارك الجهر تصح صلاته إجماعاً. إن أراد به على وجه لزوم الإخفات فالكلام فيه له مجال ، إلاّ أنّ الشهرة في الإخفات على ما قيل فلو فعل لا على وجه اللزوم ربما كان أحوط ، وفي البين‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٧٨ ، وهو في السرائر ١ : ٢٩٨.

٣٧

شي‌ء.

وينبغي أن يعلم أنّ الخبر الثاني صريح في صدق الجمعة على الظهر ، وكذلك غيره.

ثم إنّ الأخبار ربما تدل على عدم وجوب الجهر والإخفات في الصلوات ، إلاّ أن يقال بالاختصاص. فليتأمّل.

قوله :

باب القنوت في صلاة الجمعة.

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين ، عن أبي أيوب إبراهيم بن عيسى ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . وصفوان عن أبي أيّوب قال : حدثني سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « القنوت يوم الجمعة في الركعة الأُولى ».

عنه ، عن فضالة ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي ، عن عمر بن حنظلة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : القنوت يوم الجمعة؟ فقال : « أنت رسولي إليهم في هذا ، إذا صلّيتم في جماعة ففي الركعة الأُولى ، وإذا صلّيتم وحداناً ففي الركعة الثانية ».

عنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن أبي بصير قال : « القنوت في الركعة الأُولى قبل الركوع ».

علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن معاوية بن عمار قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « في قنوت الجمعة إذا كان إماماً قنت في الركعة الأُولى ، وإن كان يصلّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع ».

٣٨

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن عمرو قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : قنوت الجمعة في الركعة الأُولى قبل الركوع وفي الثانية بعده؟(١) فقال لي : « لا قبل ولا بعد ».

سعد بن عبد الله ، عن جعفر بن بشير ، عن داود بن الحصين قال : سمعت معمّر بن أبي رئاب يسأل أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا حاضر عن القنوت في الجمعة ، فقال : « ليس فيها قنوت ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على حال التقية ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير : قال : سأل عبد الحميد أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا عنده عن القنوت في يوم الجمعة ، فقال : « في الركعة الثانية » فقال له : قد حدّثنا بعض أصحابك (٢) أنّك قلت : في الركعة الأُولى ، فقال : « في الأخيرة » وكان عنده ناس كثير ، فلمّا رأى غفلة منهم قال : « يا أبا محمّد في الأُولى والأخيرة » قال : قلت : جعلت فداك قبل الركوع أو بعده؟ قال : « كل القنوت قبل الركوع إلاّ الجمعة ، فإنّ الركعة الأُولى القنوت فيها قبل الركوع ، والأخيرة بعد الركوع ».

السند :

في الأوّل : واضح الحال بعد ما كرّرنا في رجاله من المقال(٣) .

__________________

(١) في « فض » و « م » : بعد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١٨ / ١٦٠٦ : بعض أصحابنا.

(٣) في ص : ٤٠ ، ٢٨٩ ، ٢٧٤ ، ٢٠٧٣.

٣٩

وصفوان فيه معطوف على فضالة. وحسين فيه هو ابن عثمان ، وفيه دلالة على أنّ أبا أيوب الخزاز إبراهيم بن عيسى ، وفي الرجال قيل : ابن عثمان(١) . وقيل : ابن زياد(٢) . وقيل : ابن عيسى(٣) .

والثاني : فيه إسماعيل الجعفي ، وقد قدّمنا(٤) أنّه لا يبعد في مثله أن يكون إسماعيل بن جابر لا ابن عبد الرحمن ، لقول النجاشي : إنّه روى خبر الأذان(٥) . وخبر الأذان الراوي عنه فيه أبان بن عثمان. وفي إسماعيل كلام تقدم.

وعمر بن حنظلة : لا نعلم مأخذ توثيقه من جدّيقدس‌سره في شرح الدراية(٦) ، واعتماده على حديث الوقت لا يخلو من غرابة. وقد مضى القول فيه مستوفى(٧) .

والثالث : فيه أبو بصير.

[والخامس (٨) ] : فيه عبد الملك بن عمرو ، ولم يعلم مدحه فضلاً عن التوثيق.

[والسادس (٩) ] : فيه داود بن الحصين ، وهو ثقة في النجاشي(١٠) ؛

__________________

(١) الفهرست : ٨ / ١٣ ، رجال النجاش : ٢٠ / ٢٥.

(٢) رجال الطوسي : ١٤٦ / ٧٩.

(٣) رجال العلاّمة : ٥ / ١٣.

(٤) راجع ج ٢ ص ٤٠٠ ، ج ٣ ص ١٦٦ ، ج ٤ ص ٢٦١ ، ج ٥ ص ٢٩٧ ، ج ٦ ص ١١٤.

(٥) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.

(٦) الدراية : ٤٤.

(٧) راجع ج ٢ ص ٥٥ ، ج ٤ ص ٢٥ ، ٢٨٠.

(٨) في النسخ : والرابع ، والصحيح ما أثبتناه ، وأما الرابع فقد ترك البحث عنه هنا ، ولكن السند تقدم في ص ٩١٠ أنّه ليس فيه ارتياب.

(٩) في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(١٠) جال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢١.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

تعد طريقة جون ديون في الانتقال - والتي تحدَّثنا عنها أعلاه - من أكثر الطرائق شعبية وفاعلية في التواصل الديني / الاستماع إلى / والتعلُّم من التقاليد الدينية الأخرى.

يصف ديون في شكل عام ما يراه - وأنا أوافقه الرأي - فيقول:

"الانتقال إلى منطلقات بثقافة أخرى، وطريقة حياة أخرى، ودين آخر، تتبعها عملية مساوية ومعاكسة وإلى الخلف - يمكن أن نسميها "العودة" - تحمل رؤىً جديدة لثقافة المرء الخاصة، ولطريقة حياته ودينه" (١) .

ويبدو واضحاً من وصفه المفصَّل لهذه العملية، ومن كيفية تطبيقه الفعلي لها في الغوص في حيوات وثقافات وأديان أخرى، أنَّ جهد ديون يتمحور حول التخيُّل؛ إذ يدخل المرء إلى مشاعر مؤمنين آخرين عبر سماحه لرموزهم وسيرهم وتقاليدهم الدينية أن ترتسم صوراً في مخيَّلته. ثمَُّ يترك المرء نفسه مع هذه الصور، لاحقاً إيَّاها إلى حيث تأخذه. وخلال هذه التجربة الداخلية ثمَّة أمور يتعين على المرء أن يفكر بها - المعطيات التي تسمح له بالتوصُّل إلى رؤىً أو "نظريات" جديدة. ثُمَّ يعود المرء إلى تقليده الديني بهذه الرؤى الجديدة ويختبرها، بل لعله يتبناها ويدخلها في سياق حياته

الخاصة.

وهكذا فإنَّ تقنية الانتقال تقوم على الحصول على الصور التي تنتجها مشاعر المرء، ومن ثُمَّ تحويل هذه الصور إلى رؤىً، واعتماد هذه الرؤى كمرشد. وما يفعله المرء في عملية الانتقال هذه هو محاولة الدخول في شكل متعاطف إلى مشاعر شخص آخر. ومن ثُمَّ يصبح متلقِّياً للصور المعبِّرة عن

____________________

(١) Dunne, Way of All Earth

١٨١

مشاعره وتحويل هذه الصور إلى رؤىً، والعودة مغتنياً بها، بما يسمح له بفهم حياته وتطوُّرها في المستقبل (١) .

ويشير ديون إلى أنَّ إمكان الانتقال إلى التقاليد الدينية الأخرى، يقوم على الاعتراف بنسبية كل المعتقدات والمواقف والأسس التي يستند إليها المرء. فهناك مهما تعلَّم الإنسان، أو عرف الكثير ممَّا لم يعرفه بعد. ولا يمكن لأيِّ موقف أو وجهة نظر يُؤمن بهما، أن يكونا نهائيين. إلاّ أنَّ هذه النسبية - كما يقول ديون - لا تفتح الباب واسعاً للنسبية الدينية، بل على العكس؛ فإنَّ تجربة الانتقال نفسها تمنعنا من الاستنتاج: بأنَّه ما دام كل معتقَدٍ نسبيَّاً، فإنَّه لا يمكن للمرء أن يعرف شيئاً، وينبغي أن يُشكِّك في أيِّ معرفة، بما فيها المعرفة الدينية.

فالانتقال يُبرهن أنَّه رغم عدم تمكُّن المرء من الوصول إلى جواب نهائي، إلاّ أنَّه يصل دائماً إلى أجوبة جديدة، وهي أجوبة فعلية. كذلك، فإنَّه في هذه العملية التي تنضوي على تحفيز المخيَّلة وتوسيع أفق المعرفة، لا ينظر إلى الانتقال كبحث عصبي عن اليقين، بل كسعي تحريري ومثير للفهم، مثله مثل الحياة نفسها: "إذا أبقيتُ في ذهني نسبية المواقف والمعتقدات، وأنا أنتقل من موقفٍ إلى آخر، فإنَّني أنفتح بذلك على الغموض" (٢) . فعلى الرغم من أنَّ الانتقال هو

____________________

(١) المرجع نفسه، ص ٥٣. في هذا الكتاب يحاول ذلك مع حيوات غاندي و جواتما و المسيح .

والدراسات الأخرى التي يستخدم فيها ديون منهجيته في الانتقال أو العبور هي:

A search for God in Time and Memory (University of Notre Dame Press, ١٩٧٧).

The City of the Gods (University of Notre Dame Press, ١٩٨٧).

(٢) Dunn, Search for God, p. ٧, also p. IX.

١٨٢

أساساً عمل تخيُّلي، إلاَّ أنَّه يتطلَّب في الوقت نفسه جهداً ذهنياً كبيراً. فتحوُّل رموز وتعاليم دين آخر إلى صور، ليس بالأمر السهل كما هو متصوَّر، بل يسبقه في العادة عمل تحضيري يجعل المرء قادراً على استيعاب الديانات الغربية عنه والتأثُّر بها. وهذا العمل التحضيري هو كناية عن الدراسة التاريخية والثقافية الاجتماعية والسيميائية الضرورية لفهم أي شخص، أو عمل كلاسيكي ينتمي إلى ثقافة مختلفة، أو زمن مختلف.

فإذا كنا نتعامل مع أسطورة أو مع عقيدة، فعلينا أولاً أن نحاول فهم معناها عِبر موضعة النص، ومحاولة فهمه في إطار عمل أدبي أوسع، وفي عالمه التاريخي والثقافي. ثُمَّ نقوم بنقل رؤية هذا الفهم وصوره إلى مخيَّلتنا، وندع هذه المخيَّلة تأخذنا إلى حيث تريد - إلى رؤىً جديدة، إلى صور جديدة للعالم ولأنفسنا ولله، إلى أشكال جديدة من وجودنا في هذا العالم، وإلى مقاربات مختلفة لرموز ومعتقدات تقاليدنا الدينية نفسها.

والمسار الذي تتَّخذه هذه المغامرة هو في الحقيقة مسار ملحمي ، فهو يبدأ من موطن التقاليد الدينية للفرد ويمضي إلى أرض العجائب؛ أي إلى موطن التقاليد الدينية للآخرين، ومن ثُمَّ العودة إلى الموطن الأصلي. وإذا صحّ هذا كله، فإنَّ الكثير يعتمد على الوطن الذي تبدأ منه الرحلة وتنتهي إليه. فقد بدأ غاندي بالتقليد الهندوسي وانتهى إليه، مروراً في شكل خاص بالمسيحية وكذلك أيضاً بالإسلام، ولكنَّه كان دائماً يعود إلى التقليد الهندوسي.

١٨٣

وبحسب هذا السياق، فإنَّ المسيحي يبدأ من التقليد المسيحي، واليهودي من التقليد اليهودي، والمسلم من التقليد الإسلامي، والبوذي من التقليد البوذي. فإذا درسنا المسألة في عمقها، نجد أنَّ هناك نقطتي بداية ونهاية حتميتين، هما: حياة المرء نفسه. فعلى المرء أنْ ينتقل، وأن يُغيِّر نقطة انطلاقه - حتى ولو كان مسيحياً - لكي يدخل في حياة المسيح، ومن ثُمَّ هو في حاجة إلى أن يُغيِّر نقطة انطلاقه مجدَّداً ليعود إلى حياته.

وبالتالي من وجهة النظر هذه، فإنَّ التقاليد الدينية - حتى تلك التي ينتمي المرء إليها - تصبح جزءاً من أرض العجائب في هذه الملحمة، والوطن في هذه الحالة هو حياة المرء نفسها. والحيوات أيضاً هي جزء من أرض العجائب، وخصوصاً حيوات شخصيات كجواتما، والمسيح، ومحمد .

إنَّ الدخول إلى حيوات هؤلاء هو الذي يجعل المرء يدرك المعنى الحقيقي لكلماتهم. فغاندي على سبيل المثال، سمَّى مغامرته "تجارب مع الحقيقة". ولنطلق نحن على مغامرتنا الاسم نفسه، رغم أنَّنا قد نصل إلى نتائج مختلفة. وعندما ننتقل إلى حياته، سنجد أنَّ التجربة التي خاضها، قادته إلى تحويل العنف إلى قوة خلاّقة للحقيقة Satyaqraha . ولكن لكي ننتقل إلى حياة غاندي ، علينا أنْ نُدرك موقفنا الخاص من العنف. كذلك، فإنَّ حياته كانت حياة بسيطة، مثلها مثل حياة جواتما ، وكانت مكرَّسة لاستنباط الرؤى ومشاركتها مع الآخرين.

كذلك فإنَّ ما خبره جواتما في حياته ليس بالأمر غير الشائع؛ فهو عاش فترة في هذا العالم، ثُمَّ انزوى فترة في الجبال والبراري،

١٨٤

قبل أن يعود إلى المجتمع. ويكمن الجديد في تجربته في تقويمه ورؤيته لتجربته هذه؛ أي في إضاءته على هذه التجربة.

والانتقال إلى حياة جواتما يَفترض بنا أن ندرس حياتنا وعبورنا، ومن ثُمَّ عودتنا. وإذا كان ذلك حقيقياً، فإنَّه يَفترض أن يكون من الممكن أن نجد في داخلنا ما يجعلنا نفهم حيوات شديدة الغرابة بالنسبة إلينا، حياة رايموندو بانيكار - وهو أيضاً من المخضرمين في دائرة العلاقات بين الأديان - ذلك أن باطنيَّته الصعبة الفهم تجعل الرموز الصوفية هي المعطيات الرئيسية للتفاعل بين الأديان، وهي معطيات لا يمكن إدراكها والشعور بها إلاّ عبر الخيال. والطريقة الخلاّقة التي لعب بها خياله وتفاعل وتعلَّم من رموز وصور الديانات الأخرى واضحةٌ في كل أعماله، وخصوصاً في عمله الخالد "التجربة الفيداوية (منترامنجاري)" (١) .

ثَمَّة نوع آخر من الرؤية التخيُّلية في الإنجيل المسيحي. وفي المركز من هذه الرؤية مدينة مقدَّسة لا يُوجد فيها ظلام؛ لأنَّ عظمة الرب متمثِّلة في هذا النور الأزلي. وتنتفتح أبواب هذه المدينة في كل الاتجاهات، ولا تنغلق أبداً. ومن خلال هذه الأبواب يأتي الناس من كل مكان في العالم، جالبين معهم إلى هذه المدينة "عظمة الأمم وعزَّتها". إنَّ رؤية يوحنا هذه، مستمدَّة من

____________________

(١) ( Raimundo Panikkar, The Vedic Experience (Berkeley: University of California Press, ١٩٧٧

أنظر أيضاً كيف تعمل مخيَّلته الخلاَّقة مع رموز الهندوس من البراهما والإيفارا في:

The Unknow Christ of Hinduism (Maryknoll, N.Y.: Orbis, ١٩٨١ ), P.P., ٩٧-١٦٢

١٨٥

الرؤية التخيُّلية لنبي يهودي هو النبي حزقيل (٤٧: ٧ - ١٢)، الذي كان قد رأى المدينة والمعبد. وفي رؤية هذا النبي يتدفَّق نهر من تحت الباب الرئيسي لحرم المعبد تجاه الشرق، ويتحوَّل تدريجياً إلى نهر عظيم، مياه هي مياه الحياة، يتدفَّق هذا النهر من المعبد جالباً الحياة والوفرة والشفاء حيثما تدفَّق.

أمَّا يوحنا ، فقد رأى النهر الذي يحمل ماء الحياة، إلاّ أنَّه لم يرَ معبداً، بل الله وحده: "وأراني الملاكُ نهراً صافياً من ماء حياة، لامعاً كبلُّور، خارجاً من عرش الله والحمل، في وسط سوق المدينة، وعلى النهر - من هنا وهناك - شجرة حياة... وورق الشجر لشفاء الأمم" (١) .

إلى ذلك، فإنَّ مياه الحياة مجانية، يمكن لكل مَن يُريد أن يأخذ ماء الحياة كهدية... إنَّها صورة جميلة: لا يوجد معبد، بل نهر ماء الحياة والشفاء المتدفِّق من وجود الله نفسه. وما له دلالته أنَّ ديانا إيك تعترف بأنَّها بعدما عبرت من بيتها في بوزمان، مونتانا، إلى بنارس الهندوسية، فإنَّها لا تستطيع أن تقرأ الفصول الأخيرة من رؤية يوحنا التخيُّلية من دون أن ترى نهر Ganga Mai "الأم - الغانج" في عقلها. فهو بالنسبة غلى الأخوات والأخوة الهندوس نهر السماء المحيط بمدينة براهما المقدَّسة، المتدفِّق من قدم فيشنو Vishnu غاسلاً مدار القمر، والمندفعة مياهه إلى رأس الإله شيفا Shiva ، وتلمس الأرض في أعلى قممها جبل ميرو Meru ، وتنقسم بعد ذلك بكرم إلى

____________________

(١) رؤيا يوحنا اللاهوتي، ٢١ - ٢٢.

١٨٦

أربع أقنية، تتدفَّق في الجهات وتسقي جميع أنحاء الأرض بأنهار البركة. تقول إيك : ويمضي نهر السماء الذي أعرفه جيداً جنوباً إلى الهند، وهو لا يزال إلى اليوم يعانق مدينة بنارس المقدَّسة حيث يأتي الحجاج ليستحمُّوا في الفجر. والأكيد أنَّ نهر الأردن هو أحد جداول نهر السماء - وكذلك نهر "جيلاتن" (١) .

____________________

(١) Dinan Eck Encountering God: A spiritual Journey from Bozeman to Benares Boston: Beacon Press, ١٩٩٢, P. ٢٣١ Bozeman.

١٨٧

١٨٨

الفصل الثالث

التقييم الكلامي للحداثة..................................................... بي هورستن

حوار الإسلام والحداثة..................................................... كليم صديقي

١٨٩

١٩٠

التقييم الكلامي للحداثة

بي هورستن (*)

إنَّ محاولة دراسة النطاق الواسع للبحوث الكلامية المعاصرة قياساً إلى الحداثة ( Modernity سيكون ادعاءً مبالغاً فيه، إنْ لم يكن مستحيلاً. ومع هذا الدفاع عن جدوى هذه المفردة، ذلك أنَّ اللاهوت بأسره تقريباً - بشكل مباشر أو غير مباشر - يتَّخذ موقفاً من الحداثة، ولا مفر من اتخاذ الموقف هذا. وفي الحقيقة، فإنَّ الحداثة تترسَّخ عملياً في جميع أرجاء عالمنا على اختلاف في الدرجات. ومع هذا، فإنَّ مفهومها ليس بالشكل الذي يمكن تحليله بسهولة، وتحديد خصوصياته وقوانينه. فالحداثة نتاج ظاهرةٍ ما، ظاهرة تحديث ( Modernization ) العالم الناجمة عن معطيات العلم والإبداع في القرون الأخيرة. والنتيجة المترتِّبة على ظاهرة التغيير هذه، هي نظرة جديدة تماماً للعالم والمجتمع والإنسان. وإنَّ أبرز سمات الحداثة - كما يُحتمل - هو الاطلاع على التحوُّلات والارتباط بها وتقييمها الإيجابي، وهذا ليس مجرد

____________________

* (الهامش غير موجود في الأصل)

١٩١

تحوُّل نسبي محدَّد ومؤقَّت، بل هو تحوُّل جذري وشامل بشكل لا يقبل التراجع عنه، ويترك أثره في جميع جوانب حياة الأفراد والمجتمعات.

وبطبيعة الحال، فإنَّ كل فترة من فترات التاريخ كان لها تقليديُّوها ومجدِّدوها. لقد كان فكر القرون الوسطى على معرفة بالطريق الجديد ( modernorum Via وكان ذلك الطريق الجديد في صِدام مع القضايا الفكرية الكلاسيكية. وخلال تلك الفترة كان للمعرفة تركيب ذو مراتب، وكانت العلوم بأسرها تابعة، وكان أسلوب القياس يُستخدم في كل الحالات؛ حيث كان يُخطط على أساس سلسلة من علاقات العلة والمعلول. وقد جعل هذا الأسلوبُ الدمجَ الواقعي للمعرفة ممكناً.

كان التركيب ( Synthesis ) يُفسِّر جميع المعرفة بالمفاهيم الكلية والثابتة، وكان مضمونه هو أنَّ العقل البشري له في جميع الأزمنة والأمكنة مفاهيم متساوية. وهنا ينبغي الانتباه إلى أنَّ علم اللاهوت المدرسي (العنوان الذي يُعرف به لاهوت القرون الوسطى في الغرب) كان يسعى لأجل تحقق الموضوعية قدر المستطاع، والانعتاق بشكل أكبر من قيود الزمان بالشكل الذي طرح قبل قليل باختصار، وطالما أنَّه أصبح مُعاداً، وربَّما غير منسجم، بل أكثر تنافراً كما يقال هذه الأيام.

والحداثة التي ارتبطت بمفهوم التطوُّر، تشتمل على نفي ذلك الاعتقاد الذي يعتبر أنَّ بلوغ الفهم الكامل مرةً واحدة هو أمر ممكن وإلى الأبد. وفي السعي لبلوغ حقيقة أكمل قدر المستطاع، تستدعي كل المعرفة للمنازلة بشكل مستمر.

١٩٢

بدأت هذه النهضة مصحوبة بالتحوُّلات العلمية والفنية والسياسية في القرن السادس عشر، وأصبح العلم تخصُّصياً بشكل متزايد، واعتبر شيئاً ذا حياة؛ بمعنى أنَّه لم يعد تكراراً وجزءاً من تركيب متناسق وشامل، وكانت هذه هي لحظة ظهور العلوم الاستقرائية التي تستند إلى الأدلة التجريبية. وفي هذا الوقت بالذات تكوَّن تدريجياً طريق جديد في تركيب الفلسفة، كانت فيه الذاتية ( Subjectivity ) و الفكر المنطقي ( Rational ) يقعان موقع تأكيد متزايد. كما نضج الاتجاه الحركي نحو الجبرية التاريخية لكل العقائد.

إلاّ أنَّ هذا الأمر أدى - عاجلاً أم آجلاً - إلى طرح قضية العلائقية ( Relativism ) و التطوُّرية ( Evolutionism ) على بساط البحث، كما كان ينبغي أن تُؤخذ هذه القضية بنظر الاعتبار من خلال قياسها إلى المعتقدات. وقد اصطحب الدور الأكثر فاعلية للفرد مفهوم الحرية معه. ونتيجةً لذلك، كان بالإمكان اختيار المستقبل المحدَّد بالحدود التي تعيَّن من قبل الأوضاع التاريخية. ولقد قلَّ الاتجاه إلى دراسة الظواهر الطبيعية والاعتماد على التفاسير السامية ( Transeendent ) لمصلحة التفاسير الباطنية ( Immanent ) التي تقود إلى وجهات نظر دنيوية.

وإنَّ انعدام المعيار الكامل الذي جرى تعريفه والثابت في سبيل التحكيم، يدعم الكثرة من الطرق المؤدِّية إلى الحل، وقد خلف من بعده التعدُّدية ( Pluralism ). وشيئاً فشيئاً بدأت البشرية بقبول هذا الافتراض المبدئي؛ من أن تقرير مصيرها ومصير العالم هو أمر بيدها حقاً.

١٩٣

القضية الأساسية هي قضية الحقيقة وكيفية تحقيقها ، التي حظيت مع ظهور الحداثة بأهمية خاصة، وكان العامل الحائز على أهمية فائقة والمرتبط بهذه القضية هو عامل اللغة. وإنَّ الباحثين في مجال العلوم الإنسانية ( Humanists ) على علم بحقيقة أنَّ الكلمات وحدها لا تُشكِّل الغلاف الخارجي

للعقائد. فكلام الإنسان دائماً مقيَّد بالحالات والأوضاع، ومرتبط إلى حدٍ ما باللغة التي هي بمثابة القالب له، ولا تُعتبر لغة اللاهوت والدين بدورها استثناء من هذه القاعدة.

وفي القرن السادس عشر الميلادي واجهت الكنيسة الكاثوليكية بروما، حركة الإصلاح الديني البروتستانتية ( Protestant Reformation هذه الحركة التي أولت اهتماماً للمسائل الكلامية. لكنَّها تزامنت مع ظهور تيار بعض الآراء الحديثة التي كان مقرَّراً لها أن تُشكِّل السمات المميَّزة للحداثة: قيمة الفرد ، عنصر الاختيار ، العلاقة باللغات ، سواء أكانت لغات الكتاب المقدَّس أم اللغات القومية، شكل جديد من المجتمع والتعدُّدية.

وفي ردِّ فعل منها على القضايا الكلامية لحركة الإصلاح الديني، بادرت الكنيسة الكاثوليكية في الحقيقة إلى إغلاق الباب أمام أيِّة مواجهة مع الآراء الجديدة الأخرى. وقد أدَّى هذا الأمر إلى أنْ يبتعد كل من الكنيسة والعالم المتجدِّد بشكل متزايد عن بعضهما، إلى الحد الذي اتضح معه أنَّ تصوُّر إمكانية هيمنة الجانب المادي للعالم على أساس هذه الحداثة، وفي الوقت نفسه المحافظة على المواقع الكلامية التي هي استمرار لمعطيات أسلوب ما قبل الحداثة في ميدان

١٩٤

الحياة والأعمال الدينية، إنَّما هو حلم طوباوي ( Utopian ) . وخلال ذلك أقدم المجمع الفاتيكاني الثاني على خطوة جريئة لمواجهة هذا التحدِّي، رغم أنَّ التعيير لم يكن اتجاهاً غير متوقع بشكل كامل، وقد كان كثير من المتكلِّمين ومفسِّري الكتاب المقدَّس قد مهَّدوا الطريق لذلك.

إنَّني هنا لا أريد تفسير النصوص ذات العلاقة بالمجمع الفاتيكاني الثاني ونقدها، ومع الآخذ بنظر الاعتبار ما قيل آنفاً، فإنَّني أريد فقط محاولة شرح بعض النقاط ذات الصلة.

كنتُ قد أشرت - في مجالٍ آخر - إلى التحوُّل؛ أي البعد التاريخي للبحث عن الحقيقة ، وسأسعى في هذه المقالة إلى إيضاح طريق جديد في ما يتعلَّق بالإلهيات ما اشتهر بعلم التأويل ( Hermeneutics ). وإلى جانب هذه المسألة المنهجية ( Methodological )، فسأتناول باختصار، الحديث عن موضوعين تمَّت الإشارة إليهما، سأذكِّر بـ: العلمنة ( Secularization ) و التعددية، وكيف أنَّ لاهوت اليوم يسعى للتعايش مع هذا الشكل من جوانب الحياة العصرية.

كما أنَّ إضافة موضوع آخر سيكون نافعاً؛ ألا وهو أنَّ هذه المقالة تنبري لبحوث اللاهوت المعاصر. وهذا يعني أنَّ بعض النقاط المطروحة على بساط البحث ما تزال في حال التجربة ومؤقَّتة، أو أنَّها لم تكتمل بعد. وربَّما لم يحن بعدُ الزمن الذي تُقدَّم فيه الحلول النهائية للقضايا التي طرحتها

الحداثة. وكما

١٩٥

سنرى، فإنَّ واحدة من القضايا المطروحة، والتي هي في الحقيقة "إلى أي حدٍّ" و "بأيِّ معنىً"، ما يزال بإمكانها أن تتوقَّع أجوبة حاسمة.

علم التأويل واللاهوت

إنَّ البعد التاريخي للمعرفة الإنسانية، وكذلك تنوُّع الطُّرق الموصِلة إليها ضمن الأطر اللغوية وأمثالها، قد أوضح لكثير من الناس أنَّ المعرفة الحقَّة والعلمية تستدعي المواجهة الناقدة والتأويلية للموضوع المطروح للبحث.

ولفنِّ التأويل تاريخ عريق وبعيد في ثقافة أوروبا الغربية، بدأ بتأويل آثار هوميروس ( Homer ). ومنذ البدء ظهر اتجاهان:

الأول: التأويل النحوي ( Grammatical ) الذي هو مفتاح المعنى؛ أي أن يتم البحث عن المعنى الظاهري في باطن النص نفسه.

و الثاني: التأويل المجازي ( allegorical ) الذي يبحث عن مفتاح كهذا في موضع آخر. إلاّ أنَّ تصوُّر كلا الفرضين يرى وجود ثغرة بين النص والقارئ، وفي سبيل سد هذه الثغرة فنحن بحاجة إلى توجيه علم التأويل .

وقد اضطر الكتاب المقدَّس إلى أن يصبح موضوعاً للتأويل، ويتمتَّع التأويل هنا بشفافية خاصة؛ ذلك أنَّ هذا النص اعتبر "كلام الله". وقبل ظهور المسيحية فإنَّ العهد القديم تم تأويله استناداً إلى مبدأين:

الأول: الهروب من المعنى الظاهري للنص واللجوء إلى قصر فهم النص ضمن إطار المعايير الكلامية.

١٩٦

الثاني: كتابة القواعد التي ينبغي أن تجعل للتأويلات الممكنة حدوداً معينة بشكل لا تُؤدِّي معه إلى تهديد أصالة إيمان المؤمنين بالمخاطر. وكانت المسيحية مجبرة على خوض مجابهة بتحدٍّ مضاعف في التأويل. وللوهلة الأولى، فقد كان ينبغي لنص العهد القديم أن يُقرأ من جديد في ضوء تجارب المسيحية وعقائدها.

كل هذا مع الإحساس بضرورة تدوين فهرست موثوق به لكتبه المقدَّسة، أي العهد الجديد ( The New Testament )، ووضع معايير وأُطر للتأويل السليم في مواجهة بدع المتقدِّمين.

ومع مرور القرون، تحوَّل الاهتمام بهدوء ممَّا اصطلح على تسميته بمادة النص إلى القلق الأرثوذكسي ( Orthodoxy )، الذي وافقت عليه الكنيسة الرسمية في التعاليم الشهيرة لفنسن اللوريني ( Vincent ) (تُوفِّي بعد ٤٥٠ للميلاد): حول ضرورة بذل اهتمام خاص للتمسُّك - في كل مكان وزمان، ومن قبل الجميع - بكل ما هو ذو علاقة بالعقيدة.

وفي القرن السادس عشر قدَّمت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، عن طريق قراءة اللغات الأصلية للكتاب المقدَّس وترجمته إلى اللغات القومية، عناصر جديدة، فضلاً عن إعدادها ميداناً أكثر اتساعاً للأحكام الشخصية، رغم أنَّه مع مرور الزمان، قلَّت أهمية آخر سمات حركة الإصلاح الديني هذه.

وكان ردُّ فعل الكنيسة الكاثوليكية في روما على موقف البروتستانتيين هو التأكيد على نظرية أخذت مصدرين بنظر الاعتبار: الإيمان الأصيل الذي

١٩٧

يرى في الكتاب المقدَّس - وكذلك في تقاليد الكنيسة - مصدرين له.

ومرة أخرى نواجه رواية من شكلين اثنين جذريين في التأويل: أحدهما يبحث عن مفتاح الفهم في داخل النص، والآخر يبحث عنه في مكان آخر.

وخلال ذلك انبرى معتنقو الأديان الكتابية (١) ( Religions of the Book ) إلى التوسع المبدئي في التأويل الخاص بهم، وكان ينبغي لذلك أن يُؤدِّي إلى تفاعل واسع. وفي الوقت نفسه - وقبل قرن من هذا التاريخ - لم يكن هناك منهج منتظم للتأويل له مبادئ واضحة ويستخدم في اللاهوت. إنَّ واضع أساس علم التأويل العام هو فردريك شلاير ماخر (١٧٦٨ - ١٨٣٤م)، وأدخله ويليم ديلثي (١٨٣٣ - ١٩١١م) في نطاق الموضوعات العلمية.

وكان هدف شلاير ماخر هو تأسيس نظرية فلسفية عامة في علم التأويل، بينما كان هدف ديلتاي بلوغ فهم أفضل لحياة الإنسان التي تبدو في صور معقدَّة، فقد كان يعتقد بأهمية فائقة للماهية المجازية ( Analogical ) للفهم الإنساني، مّا أدَّى إلى أن يستخلص كل مفسِّر، من كل أمر، معنىً مختلفاً عمَّا يفهمه الآخرون تقريباً؛ وقد أدى ذلك إلى ظهور التعدُّدية. إلاّ أنَّ الأساس النهائي لفلسفة التأويل في القرن العشرين وُضع بواسطة آثار مارتن هايدغر (١٨٨٩ - ١٩٧٦م). وإنَّ جميع علماء الكلام المسيحيين الذين سعوا إلى أعمال التأويل في بحوثهم، بدءوا هذا العمل - عملياً - استناداً إلى الآراء والمبادئ التي كان هايدغر قد دوَّنها.

١٩٨

وقبل أنْ أنهمك في بحث الاتجاه الكلامي نحو علم التأويل، أودُّ أن أتحدَّث باختصار عن الدور الذي لعبته مبادئ علم التأويل في دراسات الكتاب المقدَّس. واستمراراً للمنهج العام في الاهتمام بالاتجاه التاريخي، شاع أسلوب جديد في القرن التاسع عشر لدراسة الكتاب المقدَّس، وما زال متواصلاً حتى اليوم، ذلك هو المنهج المعروف بالنقد التاريخي .

وقد وصف هذا المنهج بالتاريخي ليس لكونه يتعامل فقط مع النصوص القديمة (مثل الكتاب المقدَّس) باحثاً عن أهميتها التاريخية، بل فضلاً عن ذلك، وبشكل أساسي، لسعيه إلى إيضاح المعطيات التاريخية التي كانت سبب تبلور تلك النصوص.

كما أنَّ وصف "النقد" على هذا المنهج؛ فهو لأنَّه كان يريد من خلال استخدام المعايير العلمية تحقيق أقصى قدر ممكن من الموضوعية. وهذا الأسلوب التحليلي الذي يدرس الكتاب المقدَّس كما يدرس أي نصٍّ قديم آخر، يُفسره كواحد من الوثائق الخاصة بلغة الإنسان.

وبطبيعة الحال، فإنَّه على الرغم الانطلاق من هذه النقطة، كان هدفه الدائم هو بلوغ فهم أفضل لمضمون الوحي الإلهي. وفي الحقيقة، فالاتجاه الذي كان ينبغي أن يقصر نفسه على الوقائع التاريخية والقادر فقط على بلوغ الرؤية التاريخية، نجده لا يثير اهتمامنا بالتاريخ فحسب، بل بتاريخ الخلاص ( Salvation ) أيضاً. ولأجل أن نفهم التاريخ من جديد بوصفه تاريخ خلاص، ينبغي لنا أن نشاهده من خلال نسبته إلى الله والكتاب المقدَّس كما هو مستفاد من

١٩٩

التاريخ، التاريخ الذي ورد بشكل تجارب في علاقة الله بنا، الحوار المستمر بين الله والإنسان.

وعلى هذا، فإنَّ ما حدث في التاريخ يجد له معنىً أعمق؛ ولذا فإنَّ الكتاب المقدَّس وبدلاً من الحديث استناداً إلى الحقائق الثابتة، يُقدِّم عهد الله بوصفه الضمانة للاستمرارية من خلال كل تحوُّلات التاريخ، بمعنى أنَّنا ربَّما نستطيع القول: "إنَّ الحقيقة تحدث"، بدلاً من القول: "إنَّ الحقيقة لها وجود". ذلك أنَّ الله الصادق مع ذاته وبحسب وعده للإنسان وعهده معه، له حضور دائم خلال التاريخ. والعهد القديم والعهد الجديد هما النتاج المدوَّن لتأمُّلات كلامية مؤمنة، وتجارب التاريخ هنا هي بمثابة تاريخ للخلاص.

لا شك في أنَّ النقد التاريخي منهج ممتاز لبلوغ معرفة عميقة، وأكثر دقة ورصانة للمعنى الظاهري لنصوص الكتاب المقدَّس، وهذا المعنى هو نفسه الذي فُهم منه في الظروف التاريخية لتدوين نصوص الكتاب المقدَّس، لكن هذا المنهج لا يتناول المعاني الأخرى الكامنة التي كُشِفت طوال الفترات التاريخية اللاحقة لوحي الكتاب المقدَّس أو تاريخ الكنيسة، بينما الكتاب المقدَّس هو كلام الله ويُغطِّي جميع المراحل.

وينتج عن ذلك أنَّه توجد حاجة دائمة إلى إزالة الحاجز بين كتَّاب النصوص والمخاطبين بها من جهة، وبين القرَّاء اللاحقين من جهة أخرى. وهذا يعني أنَّ التفاسير التي تمَّت استناداً لمنهج النقد التاريخي مضطرة - وينبغي لها أن تكون كذلك - أن تكمل باتجاه تأويلي، إلى تفسير لعالم اليوم. وبطبيعة الحال، فإنَّ تفاسير كهذه يجب عليها إماطة اللثام عن المعنى الخاص لتاريخ الخلاص، وتكشف عن الغنى الكامن فيه.

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240