علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد0%

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد مؤلف:
تصنيف: كتب متنوعة
الصفحات: 240

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: تصدر عن مجلة الحياة الطيبة
تصنيف: الصفحات: 240
المشاهدات: 23457
تحميل: 10083

توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 240 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 23457 / تحميل: 10083
الحجم الحجم الحجم
علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

علم الكلام ضرورات النهضة ودواعي التجديد

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

تعد طريقة جون ديون في الانتقال - والتي تحدَّثنا عنها أعلاه - من أكثر الطرائق شعبية وفاعلية في التواصل الديني / الاستماع إلى / والتعلُّم من التقاليد الدينية الأخرى.

يصف ديون في شكل عام ما يراه - وأنا أوافقه الرأي - فيقول:

"الانتقال إلى منطلقات بثقافة أخرى، وطريقة حياة أخرى، ودين آخر، تتبعها عملية مساوية ومعاكسة وإلى الخلف - يمكن أن نسميها "العودة" - تحمل رؤىً جديدة لثقافة المرء الخاصة، ولطريقة حياته ودينه" (1) .

ويبدو واضحاً من وصفه المفصَّل لهذه العملية، ومن كيفية تطبيقه الفعلي لها في الغوص في حيوات وثقافات وأديان أخرى، أنَّ جهد ديون يتمحور حول التخيُّل؛ إذ يدخل المرء إلى مشاعر مؤمنين آخرين عبر سماحه لرموزهم وسيرهم وتقاليدهم الدينية أن ترتسم صوراً في مخيَّلته. ثمَُّ يترك المرء نفسه مع هذه الصور، لاحقاً إيَّاها إلى حيث تأخذه. وخلال هذه التجربة الداخلية ثمَّة أمور يتعين على المرء أن يفكر بها - المعطيات التي تسمح له بالتوصُّل إلى رؤىً أو "نظريات" جديدة. ثُمَّ يعود المرء إلى تقليده الديني بهذه الرؤى الجديدة ويختبرها، بل لعله يتبناها ويدخلها في سياق حياته

الخاصة.

وهكذا فإنَّ تقنية الانتقال تقوم على الحصول على الصور التي تنتجها مشاعر المرء، ومن ثُمَّ تحويل هذه الصور إلى رؤىً، واعتماد هذه الرؤى كمرشد. وما يفعله المرء في عملية الانتقال هذه هو محاولة الدخول في شكل متعاطف إلى مشاعر شخص آخر. ومن ثُمَّ يصبح متلقِّياً للصور المعبِّرة عن

____________________

(1) Dunne, Way of All Earth

١٨١

مشاعره وتحويل هذه الصور إلى رؤىً، والعودة مغتنياً بها، بما يسمح له بفهم حياته وتطوُّرها في المستقبل (1) .

ويشير ديون إلى أنَّ إمكان الانتقال إلى التقاليد الدينية الأخرى، يقوم على الاعتراف بنسبية كل المعتقدات والمواقف والأسس التي يستند إليها المرء. فهناك مهما تعلَّم الإنسان، أو عرف الكثير ممَّا لم يعرفه بعد. ولا يمكن لأيِّ موقف أو وجهة نظر يُؤمن بهما، أن يكونا نهائيين. إلاّ أنَّ هذه النسبية - كما يقول ديون - لا تفتح الباب واسعاً للنسبية الدينية، بل على العكس؛ فإنَّ تجربة الانتقال نفسها تمنعنا من الاستنتاج: بأنَّه ما دام كل معتقَدٍ نسبيَّاً، فإنَّه لا يمكن للمرء أن يعرف شيئاً، وينبغي أن يُشكِّك في أيِّ معرفة، بما فيها المعرفة الدينية.

فالانتقال يُبرهن أنَّه رغم عدم تمكُّن المرء من الوصول إلى جواب نهائي، إلاّ أنَّه يصل دائماً إلى أجوبة جديدة، وهي أجوبة فعلية. كذلك، فإنَّه في هذه العملية التي تنضوي على تحفيز المخيَّلة وتوسيع أفق المعرفة، لا ينظر إلى الانتقال كبحث عصبي عن اليقين، بل كسعي تحريري ومثير للفهم، مثله مثل الحياة نفسها: "إذا أبقيتُ في ذهني نسبية المواقف والمعتقدات، وأنا أنتقل من موقفٍ إلى آخر، فإنَّني أنفتح بذلك على الغموض" (2) . فعلى الرغم من أنَّ الانتقال هو

____________________

(1) المرجع نفسه، ص 53. في هذا الكتاب يحاول ذلك مع حيوات غاندي و جواتما و المسيح .

والدراسات الأخرى التي يستخدم فيها ديون منهجيته في الانتقال أو العبور هي:

A search for God in Time and Memory (University of Notre Dame Press, 1977).

The City of the Gods (University of Notre Dame Press, 1987).

(2) Dunn, Search for God, p. 7, also p. IX.

١٨٢

أساساً عمل تخيُّلي، إلاَّ أنَّه يتطلَّب في الوقت نفسه جهداً ذهنياً كبيراً. فتحوُّل رموز وتعاليم دين آخر إلى صور، ليس بالأمر السهل كما هو متصوَّر، بل يسبقه في العادة عمل تحضيري يجعل المرء قادراً على استيعاب الديانات الغربية عنه والتأثُّر بها. وهذا العمل التحضيري هو كناية عن الدراسة التاريخية والثقافية الاجتماعية والسيميائية الضرورية لفهم أي شخص، أو عمل كلاسيكي ينتمي إلى ثقافة مختلفة، أو زمن مختلف.

فإذا كنا نتعامل مع أسطورة أو مع عقيدة، فعلينا أولاً أن نحاول فهم معناها عِبر موضعة النص، ومحاولة فهمه في إطار عمل أدبي أوسع، وفي عالمه التاريخي والثقافي. ثُمَّ نقوم بنقل رؤية هذا الفهم وصوره إلى مخيَّلتنا، وندع هذه المخيَّلة تأخذنا إلى حيث تريد - إلى رؤىً جديدة، إلى صور جديدة للعالم ولأنفسنا ولله، إلى أشكال جديدة من وجودنا في هذا العالم، وإلى مقاربات مختلفة لرموز ومعتقدات تقاليدنا الدينية نفسها.

والمسار الذي تتَّخذه هذه المغامرة هو في الحقيقة مسار ملحمي ، فهو يبدأ من موطن التقاليد الدينية للفرد ويمضي إلى أرض العجائب؛ أي إلى موطن التقاليد الدينية للآخرين، ومن ثُمَّ العودة إلى الموطن الأصلي. وإذا صحّ هذا كله، فإنَّ الكثير يعتمد على الوطن الذي تبدأ منه الرحلة وتنتهي إليه. فقد بدأ غاندي بالتقليد الهندوسي وانتهى إليه، مروراً في شكل خاص بالمسيحية وكذلك أيضاً بالإسلام، ولكنَّه كان دائماً يعود إلى التقليد الهندوسي.

١٨٣

وبحسب هذا السياق، فإنَّ المسيحي يبدأ من التقليد المسيحي، واليهودي من التقليد اليهودي، والمسلم من التقليد الإسلامي، والبوذي من التقليد البوذي. فإذا درسنا المسألة في عمقها، نجد أنَّ هناك نقطتي بداية ونهاية حتميتين، هما: حياة المرء نفسه. فعلى المرء أنْ ينتقل، وأن يُغيِّر نقطة انطلاقه - حتى ولو كان مسيحياً - لكي يدخل في حياة المسيح، ومن ثُمَّ هو في حاجة إلى أن يُغيِّر نقطة انطلاقه مجدَّداً ليعود إلى حياته.

وبالتالي من وجهة النظر هذه، فإنَّ التقاليد الدينية - حتى تلك التي ينتمي المرء إليها - تصبح جزءاً من أرض العجائب في هذه الملحمة، والوطن في هذه الحالة هو حياة المرء نفسها. والحيوات أيضاً هي جزء من أرض العجائب، وخصوصاً حيوات شخصيات كجواتما، والمسيح، ومحمد .

إنَّ الدخول إلى حيوات هؤلاء هو الذي يجعل المرء يدرك المعنى الحقيقي لكلماتهم. فغاندي على سبيل المثال، سمَّى مغامرته "تجارب مع الحقيقة". ولنطلق نحن على مغامرتنا الاسم نفسه، رغم أنَّنا قد نصل إلى نتائج مختلفة. وعندما ننتقل إلى حياته، سنجد أنَّ التجربة التي خاضها، قادته إلى تحويل العنف إلى قوة خلاّقة للحقيقة Satyaqraha . ولكن لكي ننتقل إلى حياة غاندي ، علينا أنْ نُدرك موقفنا الخاص من العنف. كذلك، فإنَّ حياته كانت حياة بسيطة، مثلها مثل حياة جواتما ، وكانت مكرَّسة لاستنباط الرؤى ومشاركتها مع الآخرين.

كذلك فإنَّ ما خبره جواتما في حياته ليس بالأمر غير الشائع؛ فهو عاش فترة في هذا العالم، ثُمَّ انزوى فترة في الجبال والبراري،

١٨٤

قبل أن يعود إلى المجتمع. ويكمن الجديد في تجربته في تقويمه ورؤيته لتجربته هذه؛ أي في إضاءته على هذه التجربة.

والانتقال إلى حياة جواتما يَفترض بنا أن ندرس حياتنا وعبورنا، ومن ثُمَّ عودتنا. وإذا كان ذلك حقيقياً، فإنَّه يَفترض أن يكون من الممكن أن نجد في داخلنا ما يجعلنا نفهم حيوات شديدة الغرابة بالنسبة إلينا، حياة رايموندو بانيكار - وهو أيضاً من المخضرمين في دائرة العلاقات بين الأديان - ذلك أن باطنيَّته الصعبة الفهم تجعل الرموز الصوفية هي المعطيات الرئيسية للتفاعل بين الأديان، وهي معطيات لا يمكن إدراكها والشعور بها إلاّ عبر الخيال. والطريقة الخلاّقة التي لعب بها خياله وتفاعل وتعلَّم من رموز وصور الديانات الأخرى واضحةٌ في كل أعماله، وخصوصاً في عمله الخالد "التجربة الفيداوية (منترامنجاري)" (1) .

ثَمَّة نوع آخر من الرؤية التخيُّلية في الإنجيل المسيحي. وفي المركز من هذه الرؤية مدينة مقدَّسة لا يُوجد فيها ظلام؛ لأنَّ عظمة الرب متمثِّلة في هذا النور الأزلي. وتنتفتح أبواب هذه المدينة في كل الاتجاهات، ولا تنغلق أبداً. ومن خلال هذه الأبواب يأتي الناس من كل مكان في العالم، جالبين معهم إلى هذه المدينة "عظمة الأمم وعزَّتها". إنَّ رؤية يوحنا هذه، مستمدَّة من

____________________

(1) ( Raimundo Panikkar, The Vedic Experience (Berkeley: University of California Press, 1977

أنظر أيضاً كيف تعمل مخيَّلته الخلاَّقة مع رموز الهندوس من البراهما والإيفارا في:

The Unknow Christ of Hinduism (Maryknoll, N.Y.: Orbis, 1981 ), P.P., 97-162

١٨٥

الرؤية التخيُّلية لنبي يهودي هو النبي حزقيل (47: 7 - 12)، الذي كان قد رأى المدينة والمعبد. وفي رؤية هذا النبي يتدفَّق نهر من تحت الباب الرئيسي لحرم المعبد تجاه الشرق، ويتحوَّل تدريجياً إلى نهر عظيم، مياه هي مياه الحياة، يتدفَّق هذا النهر من المعبد جالباً الحياة والوفرة والشفاء حيثما تدفَّق.

أمَّا يوحنا ، فقد رأى النهر الذي يحمل ماء الحياة، إلاّ أنَّه لم يرَ معبداً، بل الله وحده: "وأراني الملاكُ نهراً صافياً من ماء حياة، لامعاً كبلُّور، خارجاً من عرش الله والحمل، في وسط سوق المدينة، وعلى النهر - من هنا وهناك - شجرة حياة... وورق الشجر لشفاء الأمم" (1) .

إلى ذلك، فإنَّ مياه الحياة مجانية، يمكن لكل مَن يُريد أن يأخذ ماء الحياة كهدية... إنَّها صورة جميلة: لا يوجد معبد، بل نهر ماء الحياة والشفاء المتدفِّق من وجود الله نفسه. وما له دلالته أنَّ ديانا إيك تعترف بأنَّها بعدما عبرت من بيتها في بوزمان، مونتانا، إلى بنارس الهندوسية، فإنَّها لا تستطيع أن تقرأ الفصول الأخيرة من رؤية يوحنا التخيُّلية من دون أن ترى نهر Ganga Mai "الأم - الغانج" في عقلها. فهو بالنسبة غلى الأخوات والأخوة الهندوس نهر السماء المحيط بمدينة براهما المقدَّسة، المتدفِّق من قدم فيشنو Vishnu غاسلاً مدار القمر، والمندفعة مياهه إلى رأس الإله شيفا Shiva ، وتلمس الأرض في أعلى قممها جبل ميرو Meru ، وتنقسم بعد ذلك بكرم إلى

____________________

(1) رؤيا يوحنا اللاهوتي، 21 - 22.

١٨٦

أربع أقنية، تتدفَّق في الجهات وتسقي جميع أنحاء الأرض بأنهار البركة. تقول إيك : ويمضي نهر السماء الذي أعرفه جيداً جنوباً إلى الهند، وهو لا يزال إلى اليوم يعانق مدينة بنارس المقدَّسة حيث يأتي الحجاج ليستحمُّوا في الفجر. والأكيد أنَّ نهر الأردن هو أحد جداول نهر السماء - وكذلك نهر "جيلاتن" (1) .

____________________

(1) Dinan Eck Encountering God: A spiritual Journey from Bozeman to Benares Boston: Beacon Press, 1992, P. 231 Bozeman.

١٨٧

١٨٨

الفصل الثالث

التقييم الكلامي للحداثة..................................................... بي هورستن

حوار الإسلام والحداثة..................................................... كليم صديقي

١٨٩

١٩٠

التقييم الكلامي للحداثة

بي هورستن (*)

إنَّ محاولة دراسة النطاق الواسع للبحوث الكلامية المعاصرة قياساً إلى الحداثة ( Modernity سيكون ادعاءً مبالغاً فيه، إنْ لم يكن مستحيلاً. ومع هذا الدفاع عن جدوى هذه المفردة، ذلك أنَّ اللاهوت بأسره تقريباً - بشكل مباشر أو غير مباشر - يتَّخذ موقفاً من الحداثة، ولا مفر من اتخاذ الموقف هذا. وفي الحقيقة، فإنَّ الحداثة تترسَّخ عملياً في جميع أرجاء عالمنا على اختلاف في الدرجات. ومع هذا، فإنَّ مفهومها ليس بالشكل الذي يمكن تحليله بسهولة، وتحديد خصوصياته وقوانينه. فالحداثة نتاج ظاهرةٍ ما، ظاهرة تحديث ( Modernization ) العالم الناجمة عن معطيات العلم والإبداع في القرون الأخيرة. والنتيجة المترتِّبة على ظاهرة التغيير هذه، هي نظرة جديدة تماماً للعالم والمجتمع والإنسان. وإنَّ أبرز سمات الحداثة - كما يُحتمل - هو الاطلاع على التحوُّلات والارتباط بها وتقييمها الإيجابي، وهذا ليس مجرد

____________________

* (الهامش غير موجود في الأصل)

١٩١

تحوُّل نسبي محدَّد ومؤقَّت، بل هو تحوُّل جذري وشامل بشكل لا يقبل التراجع عنه، ويترك أثره في جميع جوانب حياة الأفراد والمجتمعات.

وبطبيعة الحال، فإنَّ كل فترة من فترات التاريخ كان لها تقليديُّوها ومجدِّدوها. لقد كان فكر القرون الوسطى على معرفة بالطريق الجديد ( modernorum Via وكان ذلك الطريق الجديد في صِدام مع القضايا الفكرية الكلاسيكية. وخلال تلك الفترة كان للمعرفة تركيب ذو مراتب، وكانت العلوم بأسرها تابعة، وكان أسلوب القياس يُستخدم في كل الحالات؛ حيث كان يُخطط على أساس سلسلة من علاقات العلة والمعلول. وقد جعل هذا الأسلوبُ الدمجَ الواقعي للمعرفة ممكناً.

كان التركيب ( Synthesis ) يُفسِّر جميع المعرفة بالمفاهيم الكلية والثابتة، وكان مضمونه هو أنَّ العقل البشري له في جميع الأزمنة والأمكنة مفاهيم متساوية. وهنا ينبغي الانتباه إلى أنَّ علم اللاهوت المدرسي (العنوان الذي يُعرف به لاهوت القرون الوسطى في الغرب) كان يسعى لأجل تحقق الموضوعية قدر المستطاع، والانعتاق بشكل أكبر من قيود الزمان بالشكل الذي طرح قبل قليل باختصار، وطالما أنَّه أصبح مُعاداً، وربَّما غير منسجم، بل أكثر تنافراً كما يقال هذه الأيام.

والحداثة التي ارتبطت بمفهوم التطوُّر، تشتمل على نفي ذلك الاعتقاد الذي يعتبر أنَّ بلوغ الفهم الكامل مرةً واحدة هو أمر ممكن وإلى الأبد. وفي السعي لبلوغ حقيقة أكمل قدر المستطاع، تستدعي كل المعرفة للمنازلة بشكل مستمر.

١٩٢

بدأت هذه النهضة مصحوبة بالتحوُّلات العلمية والفنية والسياسية في القرن السادس عشر، وأصبح العلم تخصُّصياً بشكل متزايد، واعتبر شيئاً ذا حياة؛ بمعنى أنَّه لم يعد تكراراً وجزءاً من تركيب متناسق وشامل، وكانت هذه هي لحظة ظهور العلوم الاستقرائية التي تستند إلى الأدلة التجريبية. وفي هذا الوقت بالذات تكوَّن تدريجياً طريق جديد في تركيب الفلسفة، كانت فيه الذاتية ( Subjectivity ) و الفكر المنطقي ( Rational ) يقعان موقع تأكيد متزايد. كما نضج الاتجاه الحركي نحو الجبرية التاريخية لكل العقائد.

إلاّ أنَّ هذا الأمر أدى - عاجلاً أم آجلاً - إلى طرح قضية العلائقية ( Relativism ) و التطوُّرية ( Evolutionism ) على بساط البحث، كما كان ينبغي أن تُؤخذ هذه القضية بنظر الاعتبار من خلال قياسها إلى المعتقدات. وقد اصطحب الدور الأكثر فاعلية للفرد مفهوم الحرية معه. ونتيجةً لذلك، كان بالإمكان اختيار المستقبل المحدَّد بالحدود التي تعيَّن من قبل الأوضاع التاريخية. ولقد قلَّ الاتجاه إلى دراسة الظواهر الطبيعية والاعتماد على التفاسير السامية ( Transeendent ) لمصلحة التفاسير الباطنية ( Immanent ) التي تقود إلى وجهات نظر دنيوية.

وإنَّ انعدام المعيار الكامل الذي جرى تعريفه والثابت في سبيل التحكيم، يدعم الكثرة من الطرق المؤدِّية إلى الحل، وقد خلف من بعده التعدُّدية ( Pluralism ). وشيئاً فشيئاً بدأت البشرية بقبول هذا الافتراض المبدئي؛ من أن تقرير مصيرها ومصير العالم هو أمر بيدها حقاً.

١٩٣

القضية الأساسية هي قضية الحقيقة وكيفية تحقيقها ، التي حظيت مع ظهور الحداثة بأهمية خاصة، وكان العامل الحائز على أهمية فائقة والمرتبط بهذه القضية هو عامل اللغة. وإنَّ الباحثين في مجال العلوم الإنسانية ( Humanists ) على علم بحقيقة أنَّ الكلمات وحدها لا تُشكِّل الغلاف الخارجي

للعقائد. فكلام الإنسان دائماً مقيَّد بالحالات والأوضاع، ومرتبط إلى حدٍ ما باللغة التي هي بمثابة القالب له، ولا تُعتبر لغة اللاهوت والدين بدورها استثناء من هذه القاعدة.

وفي القرن السادس عشر الميلادي واجهت الكنيسة الكاثوليكية بروما، حركة الإصلاح الديني البروتستانتية ( Protestant Reformation هذه الحركة التي أولت اهتماماً للمسائل الكلامية. لكنَّها تزامنت مع ظهور تيار بعض الآراء الحديثة التي كان مقرَّراً لها أن تُشكِّل السمات المميَّزة للحداثة: قيمة الفرد ، عنصر الاختيار ، العلاقة باللغات ، سواء أكانت لغات الكتاب المقدَّس أم اللغات القومية، شكل جديد من المجتمع والتعدُّدية.

وفي ردِّ فعل منها على القضايا الكلامية لحركة الإصلاح الديني، بادرت الكنيسة الكاثوليكية في الحقيقة إلى إغلاق الباب أمام أيِّة مواجهة مع الآراء الجديدة الأخرى. وقد أدَّى هذا الأمر إلى أنْ يبتعد كل من الكنيسة والعالم المتجدِّد بشكل متزايد عن بعضهما، إلى الحد الذي اتضح معه أنَّ تصوُّر إمكانية هيمنة الجانب المادي للعالم على أساس هذه الحداثة، وفي الوقت نفسه المحافظة على المواقع الكلامية التي هي استمرار لمعطيات أسلوب ما قبل الحداثة في ميدان

١٩٤

الحياة والأعمال الدينية، إنَّما هو حلم طوباوي ( Utopian ) . وخلال ذلك أقدم المجمع الفاتيكاني الثاني على خطوة جريئة لمواجهة هذا التحدِّي، رغم أنَّ التعيير لم يكن اتجاهاً غير متوقع بشكل كامل، وقد كان كثير من المتكلِّمين ومفسِّري الكتاب المقدَّس قد مهَّدوا الطريق لذلك.

إنَّني هنا لا أريد تفسير النصوص ذات العلاقة بالمجمع الفاتيكاني الثاني ونقدها، ومع الآخذ بنظر الاعتبار ما قيل آنفاً، فإنَّني أريد فقط محاولة شرح بعض النقاط ذات الصلة.

كنتُ قد أشرت - في مجالٍ آخر - إلى التحوُّل؛ أي البعد التاريخي للبحث عن الحقيقة ، وسأسعى في هذه المقالة إلى إيضاح طريق جديد في ما يتعلَّق بالإلهيات ما اشتهر بعلم التأويل ( Hermeneutics ). وإلى جانب هذه المسألة المنهجية ( Methodological )، فسأتناول باختصار، الحديث عن موضوعين تمَّت الإشارة إليهما، سأذكِّر بـ: العلمنة ( Secularization ) و التعددية، وكيف أنَّ لاهوت اليوم يسعى للتعايش مع هذا الشكل من جوانب الحياة العصرية.

كما أنَّ إضافة موضوع آخر سيكون نافعاً؛ ألا وهو أنَّ هذه المقالة تنبري لبحوث اللاهوت المعاصر. وهذا يعني أنَّ بعض النقاط المطروحة على بساط البحث ما تزال في حال التجربة ومؤقَّتة، أو أنَّها لم تكتمل بعد. وربَّما لم يحن بعدُ الزمن الذي تُقدَّم فيه الحلول النهائية للقضايا التي طرحتها

الحداثة. وكما

١٩٥

سنرى، فإنَّ واحدة من القضايا المطروحة، والتي هي في الحقيقة "إلى أي حدٍّ" و "بأيِّ معنىً"، ما يزال بإمكانها أن تتوقَّع أجوبة حاسمة.

علم التأويل واللاهوت

إنَّ البعد التاريخي للمعرفة الإنسانية، وكذلك تنوُّع الطُّرق الموصِلة إليها ضمن الأطر اللغوية وأمثالها، قد أوضح لكثير من الناس أنَّ المعرفة الحقَّة والعلمية تستدعي المواجهة الناقدة والتأويلية للموضوع المطروح للبحث.

ولفنِّ التأويل تاريخ عريق وبعيد في ثقافة أوروبا الغربية، بدأ بتأويل آثار هوميروس ( Homer ). ومنذ البدء ظهر اتجاهان:

الأول: التأويل النحوي ( Grammatical ) الذي هو مفتاح المعنى؛ أي أن يتم البحث عن المعنى الظاهري في باطن النص نفسه.

و الثاني: التأويل المجازي ( allegorical ) الذي يبحث عن مفتاح كهذا في موضع آخر. إلاّ أنَّ تصوُّر كلا الفرضين يرى وجود ثغرة بين النص والقارئ، وفي سبيل سد هذه الثغرة فنحن بحاجة إلى توجيه علم التأويل .

وقد اضطر الكتاب المقدَّس إلى أن يصبح موضوعاً للتأويل، ويتمتَّع التأويل هنا بشفافية خاصة؛ ذلك أنَّ هذا النص اعتبر "كلام الله". وقبل ظهور المسيحية فإنَّ العهد القديم تم تأويله استناداً إلى مبدأين:

الأول: الهروب من المعنى الظاهري للنص واللجوء إلى قصر فهم النص ضمن إطار المعايير الكلامية.

١٩٦

الثاني: كتابة القواعد التي ينبغي أن تجعل للتأويلات الممكنة حدوداً معينة بشكل لا تُؤدِّي معه إلى تهديد أصالة إيمان المؤمنين بالمخاطر. وكانت المسيحية مجبرة على خوض مجابهة بتحدٍّ مضاعف في التأويل. وللوهلة الأولى، فقد كان ينبغي لنص العهد القديم أن يُقرأ من جديد في ضوء تجارب المسيحية وعقائدها.

كل هذا مع الإحساس بضرورة تدوين فهرست موثوق به لكتبه المقدَّسة، أي العهد الجديد ( The New Testament )، ووضع معايير وأُطر للتأويل السليم في مواجهة بدع المتقدِّمين.

ومع مرور القرون، تحوَّل الاهتمام بهدوء ممَّا اصطلح على تسميته بمادة النص إلى القلق الأرثوذكسي ( Orthodoxy )، الذي وافقت عليه الكنيسة الرسمية في التعاليم الشهيرة لفنسن اللوريني ( Vincent ) (تُوفِّي بعد 450 للميلاد): حول ضرورة بذل اهتمام خاص للتمسُّك - في كل مكان وزمان، ومن قبل الجميع - بكل ما هو ذو علاقة بالعقيدة.

وفي القرن السادس عشر قدَّمت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، عن طريق قراءة اللغات الأصلية للكتاب المقدَّس وترجمته إلى اللغات القومية، عناصر جديدة، فضلاً عن إعدادها ميداناً أكثر اتساعاً للأحكام الشخصية، رغم أنَّه مع مرور الزمان، قلَّت أهمية آخر سمات حركة الإصلاح الديني هذه.

وكان ردُّ فعل الكنيسة الكاثوليكية في روما على موقف البروتستانتيين هو التأكيد على نظرية أخذت مصدرين بنظر الاعتبار: الإيمان الأصيل الذي

١٩٧

يرى في الكتاب المقدَّس - وكذلك في تقاليد الكنيسة - مصدرين له.

ومرة أخرى نواجه رواية من شكلين اثنين جذريين في التأويل: أحدهما يبحث عن مفتاح الفهم في داخل النص، والآخر يبحث عنه في مكان آخر.

وخلال ذلك انبرى معتنقو الأديان الكتابية (1) ( Religions of the Book ) إلى التوسع المبدئي في التأويل الخاص بهم، وكان ينبغي لذلك أن يُؤدِّي إلى تفاعل واسع. وفي الوقت نفسه - وقبل قرن من هذا التاريخ - لم يكن هناك منهج منتظم للتأويل له مبادئ واضحة ويستخدم في اللاهوت. إنَّ واضع أساس علم التأويل العام هو فردريك شلاير ماخر (1768 - 1834م)، وأدخله ويليم ديلثي (1833 - 1911م) في نطاق الموضوعات العلمية.

وكان هدف شلاير ماخر هو تأسيس نظرية فلسفية عامة في علم التأويل، بينما كان هدف ديلتاي بلوغ فهم أفضل لحياة الإنسان التي تبدو في صور معقدَّة، فقد كان يعتقد بأهمية فائقة للماهية المجازية ( Analogical ) للفهم الإنساني، مّا أدَّى إلى أن يستخلص كل مفسِّر، من كل أمر، معنىً مختلفاً عمَّا يفهمه الآخرون تقريباً؛ وقد أدى ذلك إلى ظهور التعدُّدية. إلاّ أنَّ الأساس النهائي لفلسفة التأويل في القرن العشرين وُضع بواسطة آثار مارتن هايدغر (1889 - 1976م). وإنَّ جميع علماء الكلام المسيحيين الذين سعوا إلى أعمال التأويل في بحوثهم، بدءوا هذا العمل - عملياً - استناداً إلى الآراء والمبادئ التي كان هايدغر قد دوَّنها.

١٩٨

وقبل أنْ أنهمك في بحث الاتجاه الكلامي نحو علم التأويل، أودُّ أن أتحدَّث باختصار عن الدور الذي لعبته مبادئ علم التأويل في دراسات الكتاب المقدَّس. واستمراراً للمنهج العام في الاهتمام بالاتجاه التاريخي، شاع أسلوب جديد في القرن التاسع عشر لدراسة الكتاب المقدَّس، وما زال متواصلاً حتى اليوم، ذلك هو المنهج المعروف بالنقد التاريخي .

وقد وصف هذا المنهج بالتاريخي ليس لكونه يتعامل فقط مع النصوص القديمة (مثل الكتاب المقدَّس) باحثاً عن أهميتها التاريخية، بل فضلاً عن ذلك، وبشكل أساسي، لسعيه إلى إيضاح المعطيات التاريخية التي كانت سبب تبلور تلك النصوص.

كما أنَّ وصف "النقد" على هذا المنهج؛ فهو لأنَّه كان يريد من خلال استخدام المعايير العلمية تحقيق أقصى قدر ممكن من الموضوعية. وهذا الأسلوب التحليلي الذي يدرس الكتاب المقدَّس كما يدرس أي نصٍّ قديم آخر، يُفسره كواحد من الوثائق الخاصة بلغة الإنسان.

وبطبيعة الحال، فإنَّه على الرغم الانطلاق من هذه النقطة، كان هدفه الدائم هو بلوغ فهم أفضل لمضمون الوحي الإلهي. وفي الحقيقة، فالاتجاه الذي كان ينبغي أن يقصر نفسه على الوقائع التاريخية والقادر فقط على بلوغ الرؤية التاريخية، نجده لا يثير اهتمامنا بالتاريخ فحسب، بل بتاريخ الخلاص ( Salvation ) أيضاً. ولأجل أن نفهم التاريخ من جديد بوصفه تاريخ خلاص، ينبغي لنا أن نشاهده من خلال نسبته إلى الله والكتاب المقدَّس كما هو مستفاد من

١٩٩

التاريخ، التاريخ الذي ورد بشكل تجارب في علاقة الله بنا، الحوار المستمر بين الله والإنسان.

وعلى هذا، فإنَّ ما حدث في التاريخ يجد له معنىً أعمق؛ ولذا فإنَّ الكتاب المقدَّس وبدلاً من الحديث استناداً إلى الحقائق الثابتة، يُقدِّم عهد الله بوصفه الضمانة للاستمرارية من خلال كل تحوُّلات التاريخ، بمعنى أنَّنا ربَّما نستطيع القول: "إنَّ الحقيقة تحدث"، بدلاً من القول: "إنَّ الحقيقة لها وجود". ذلك أنَّ الله الصادق مع ذاته وبحسب وعده للإنسان وعهده معه، له حضور دائم خلال التاريخ. والعهد القديم والعهد الجديد هما النتاج المدوَّن لتأمُّلات كلامية مؤمنة، وتجارب التاريخ هنا هي بمثابة تاريخ للخلاص.

لا شك في أنَّ النقد التاريخي منهج ممتاز لبلوغ معرفة عميقة، وأكثر دقة ورصانة للمعنى الظاهري لنصوص الكتاب المقدَّس، وهذا المعنى هو نفسه الذي فُهم منه في الظروف التاريخية لتدوين نصوص الكتاب المقدَّس، لكن هذا المنهج لا يتناول المعاني الأخرى الكامنة التي كُشِفت طوال الفترات التاريخية اللاحقة لوحي الكتاب المقدَّس أو تاريخ الكنيسة، بينما الكتاب المقدَّس هو كلام الله ويُغطِّي جميع المراحل.

وينتج عن ذلك أنَّه توجد حاجة دائمة إلى إزالة الحاجز بين كتَّاب النصوص والمخاطبين بها من جهة، وبين القرَّاء اللاحقين من جهة أخرى. وهذا يعني أنَّ التفاسير التي تمَّت استناداً لمنهج النقد التاريخي مضطرة - وينبغي لها أن تكون كذلك - أن تكمل باتجاه تأويلي، إلى تفسير لعالم اليوم. وبطبيعة الحال، فإنَّ تفاسير كهذه يجب عليها إماطة اللثام عن المعنى الخاص لتاريخ الخلاص، وتكشف عن الغنى الكامن فيه.

٢٠٠