ويستمر الصراع

ويستمر الصراع16%

ويستمر الصراع مؤلف:
تصنيف: مكتبة التاريخ والتراجم
الصفحات: 226

ويستمر الصراع
  • البداية
  • السابق
  • 226 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 72297 / تحميل: 6305
الحجم الحجم الحجم
ويستمر الصراع

ويستمر الصراع

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

ويستمر الصراع

أحمد عبد الله

١

الإهداء

إلى كل الثوّار في العالم، فإنهم - علموا أم لم يعلموا - من مدرسة الحسينعليه‌السلام

٢
٣

الفصل الأول

في الطريق إلى المدينة

السنة الثامنة للهجرة، مكّة لم تعد سعيدة فخورة آمنة کما کانت؛ الناس فيها قلقون. تعلو وجوههم الحيرة والكآبة، وأسئلة لا يجدون الاجابة عليها. الإسلام يتقدّم وينتشر ويكسب في كل يوم أنصاراً جدداً وانتصارات جديدة.

مشيخة قريش لم تعد تمسك بزمام الأمور كسابق عهدها، والعبيد والمستضعفون والحلفاء يتمردون ويهربون للالتحاق بمحمدٍ. الأمور لا تبدو مطمئنة لهم. إنهم لا يعرفون الخطوة القادمة لمحمد، لكنها بكل تأكيد ستزيدهم ضعفاً وتزيد خصومهم قوة. فمحمدٌ لن يقف حيث انتهى. إنّ خطوته القادمة ستكون أخطر من كل ما تقدّمها، وقد تقضي على ما بقي لقريش من عزٍّ وسلطان.

قبائل العرب بدأت تفقد الثقة في قريش وقدرتها على مواجهة محمّد. إنّهم يسخرون الآن منها. ومن يدري فلعلّهم سينضمون قريباً إلى محمّد ويحاربونها إلى جانبه؟

حتى شباب قريش، هؤلاء الذين كانوا أشدّ أعداء محمّد، بدؤوا يلتحقون به، طامعين في الجاه والسلطة التي يفتقدونها في مكة. ماذا يجدي عليهم بقاؤهم في مكة التي أصبحت ماضياً يثير الحسرة والحزن. وقصائد الرثاء وذكريات وآلام لا تنفع حاضراً ولا تبني مستقبلاً.

لم تعد المدينة التي يستطيعون تحقيق طموحهم فيها، أمامهم (المدينة): مدينة الأمل والمستقبل، فليسرعوا إليها. هناك يستطيعون أن يحققوا ما يريدون. لقد أصبحت المدينة - منذ اتخذها محمّد مسكناً له - مركز الدعوة وحاضرة المسلمين. وإذا كان الإسلام اليوم ديناً، فإنّه سيكون غداً حكماً وسلطاناً. ها هي المدينة تعج بالحركة والنشاط، إنها دولة تتشكل، ستتجاوز عن قريب، مكة وغير مكة، لتحتكر المستقبل إلى زمن طويل قادم.

٤

وعلى الطريق الذاهب من مكة إلى المدينة وفي زاوية منه، كان اثنان من رجال قريش يتبادلان الحديث في موضوع يبدو أنه على جانب كبير من الخطورة. فقد كانت إمارات الجد والقلق واضحة عليهما وهما يتحدّثان.

قال أحدهما بلهجة حزينة، وهو يطيل النظر نحو مكة: والله يا عمرو ما أدري إلى متى سنستمر في حرب محمّد. أكثر من عشرين عاماً ونحن نحاربه فما يزداد إلا قوّة وما نزداد إلاّ ضعفاً. ماذا نفعل أكثر مما فعلنا - ولم نترك شيئاً إلا فعلناه - للقضاء عليه وعلى دينه، فلم نجني إلا الخيبة والاخفاق. وها هو دينه يعلو وأصحابه يزيدون وكأنه يملك سحراً فيجذبهم إليه. ما أدري ما سر هذا الرجل؟! لقد فتن الناس بهذا الدين الذي يزعم أنه يتلقاه من الله. أتذكر كم سخرنا منه عندما بدأ في مكة يدعو إلى دينه الجديد، مسفهاً ديننا، ولم يكن معه أحد غير زوجته خديجة وابن عمه علي وأبي بكر؟ إني لأذكره الآن وكأنه أمس القريب. أذكره ونحن نهزأ به وبدينه. أيمكن لواحد، ليس معه إلاّ اثنان أو ثلاثة، أن يواجه هبل واللات وعبد العزّى، ووراءها قريش بكل قوّتها وسطوتها وجبروتها، لولا ذلك الشيخ: أبي طالب الذي ما تزيدني الأيام إلا كرهاً له.

لقد بسط حمايته علی محمّد ومنع قريشاً من الوصول إليه ووأد فتنته، وهو بعد ضعيف لا يملك الدفاع عن نفسه. ما أظن أبا طالب إلاّ قد دخل في دين محمّد وهو يردّ قريشاً كلّها عنه. ليس هذا ظنّاً، إني لأتيقنه، وإلا فما بال أبي طالب وحده دون باقي أعمامه، يتحمل ما تحمل، لو لم يكن مؤمناً بدينه؟! لقد تحمل مقاطعة قريش له ومن معه من أهل بيته، وفيهم الأطفال والنساء والعجزة، ثلاث سنين لم يضعف ولم يتراجع. إنه الإيمان يا أبا عبد الله لا الحمية والعصبية. ثم تابع: هل تذكر يا أبا عبد الله؟ هل تذكر سُمية وياسر وبلال؟ ما أسرع ما تدور الأيام!! إني لأخشى أن نصبح يوماً موالي لهؤلاء الذين كانوا حتى وقت قريب موالي لنا. قال ذلك بصوت فيه ضعف وانكسار.

٥

قال الثاني: لكأنك تنطق بلساني يا أبا سليمان. ما رأيتك أقرب إلي منك اليوم. ماذا جنينا من حرب محمد غير الفشل يتبعه الفشل. والله لو علمت أنه سيبلغ ما بلغه لأسرعت إلى الدخول في دينه، ولما تركت الآخرين يسبقونني إليه. لكنه الغرور وقلة التبصر والكره لمحمد ودينه حال كل ذلك دون ما أنا نادم عليه اليوم. إني لأكره محمداً مثلما تكرهه أو أشد. أأكثر من أنه لعن أبي في قرآنه ولم يلعن معه إلا أبا لهب؟! إن أي مسلم يقرأ (إنّ شانئك هو الأبتر) ليعلم أنها نزلت في العاص بن وائل. لقد ركبت البحر إلى النجاشي في الحبشة طامعاً أن أجد عنده العون على هذا الذي سخر من ديننا ويوشك أن يزيلنا عن سلطاننا، فلم أظفر بشيء مما طمعت فيه، بل بدا لي أنه أقرب إلى محمد، وربما مؤمنا به. والله لو وثقت أننا نستطيع أن نفعل شيئاً في قابل الأيام للانتصار على محمد والانتهاء منه ومن دينه لما ترددت ولما ادخرت وسيلة ولا حيلة إلا لجأت إليها وتعلقت بها. إنني لا أفكر الآن في الماضي يا أبا سليمان، فليس لعودته من سبيل. أنا أفكر في المستقبل الّذي سنخسره بعد أن

خسرنا الماضي. أنا علي يقين أننا سنخسره إن بقينا على عنادنا وحمقنا، وإن لم نلحق بمحمد، لا إيماناً به وبدينه، ونحن نخوض الحرب ضده منذ عشرين عاماً، لكن رعاية لمصالحنا وصيانة لقريش أن تستذل. علينا أن نقرر، أن نسرع في القرار. إن الوقت يضيق علينا، وستذكر قولي هذا يا أبا سليمان وستندم حيث لا ينفع الندم. أمامنا تجربة السنين الطويلة التي مرت مع محمد، وهي كافية لأن ترينا الطريق.

قال الأوّل: وماذا سنفعل مع قومنا في مكة؟! ماذا سنقول لهم إذا تركناهم واتجهنا صوب محمد؟! أليس ذلك خذلانا لهم في وقت صعب، وهم في حرب مع هذا الذي نفكر في اللحاق به؟! هل يرضيك أن يقال إننا تخلينا عن قومنا ونسينا ثأرنا عند محمد، وهو من أذلنا وسلبنا عزنا وسلطاننا؟!.

٦

كيف سيواجه أهلنا واولادنا قريشاً بعد اليوم؟ هل من حل غير اللحاق بمحمد؟! أليس هناك من حل آخر؟! لا يا أبا عبدالله، لا. ابحث عن حل آخر.

قال الثاني: والله لا أجد من حل لنا ولقريش نفسها غير ما عرضت عليك، وليتني أملك غيره. أتظنه سهلاً علي أن أفارق ديني ودين آبائي لأتبدل به ديناً حاربته عشرين سنة، وعلى استعداد لأن أحاربه عشرين سنة أخرى لو وثقت بأنني ساهزمه وأستريح منه. لكن ذلك يبدو لي مستحيلاً. ماذا بيدي بعد تجربة العشرين؟!

قال الأول: والله إني لأراك محقاً يا أبا عبد الله. لا خيار أمامنا لنفاضل ونختار ونقبل ونرفض. لقد ضيق محمد الخيار علينا، لكن أفكر في قومنا كما قلت ذلك. أفكر في وقع النبأ عليهم حين يسمعون به.

قال الثاني بشيءٍ من الغضب يحاول أن يكتمه: لقد صرت معك يا أبا سليمان. ما أراك تقترب مني، حتى تعود لتبتعد! مالك؟! قومنا. قومنا!! ماذا سينفعنا أبو سفيان وقد فقدنا خيرة رجالنا وسنفقد الباقين؟! ماذا سيغني عنا عناده، غير هزائم جديدة بعد هزائم قديمة؟! إنه مجنون قتله الحقد على محمد، ما يزال يذكر أيامه الماضية ويحلم بها.

قال الأول وبدا كالمقتنع بكلام صاحبه: لقد ذكرت أبا سفيان. فهل نسيت أنه من آل عبد مناف، وحين تسد بوجهه السبل سيجري مسرعاً إلى (ابن عمه) معلناً إسلامه وتاركاً وراءه كل ما كان ينادي به من الثأر والانتقام من محمد. هل تعلم يا أبا عبد الله كم قتل من بني مخزوم، ومن آل المغيرة وحدهم؟! إن حزني لا ينقطع عليهم.

٧

قال الثاني وهو يتهيأ للنهوض: اسمع يا أبا سليمان. سأختصر الحديث معك لألحق بمحمد في المدينة. لقد حاربنا محمداً سنين طوالاً، لم نقصر في حربه. لم ندخر جهداً فيه، حاربناه في بدر وفي أحد، وفي حنين والأحزاب، حرضنا القبائل عليه. ذهبنا إلى الحبشه طلباً لنصرة النجاشي هناك. لم نترك أحداً نرجو منه أن ينصرنا على حربه إلاّ اتصلنا به والتمسنا عونه. فماذا كانت نتيجة كل ذاك؟! سلطان يقوى ويتسع في جانب، وهزائم تتوالى في جانب؟! هل ترى يثرب؟! يثرب التي صار اسمها الآن المدينة. لم تعد يثرب التي نعرف. إنها اليوم عاصمة المسلمين وحاضرة الحكم. وكأني بها في يوم قريب، عاصمة لدولة كبرى، لن تكون مكة وأهل مكة إلا تبعاً لها. ونحن الآن في ساعة القرار: إما أن نفقد مستقلبنا كما فقدنا ماضينا، وإما أن نتدارك خطأ طويلاً لنا فنلحق بمحمد، نحاول أن نجد - رغم فوات الأوان - مكاناً لنا نضمن به مستقبلنا.

وربما مستقبل قريش معنا، ولنا بين قومنا من المهاجرين السابقين أهل وأصحاب لن يتنكروا لنا ولن يجفونا، وسيساعدوننا فيما جئنا له. فإن وافقتني فتعال معي، وإلا فإني ذاهب وحدي الى المدينة ومعلن إسلامي فيها. هذا رأيي الذي لا عدول عنه؟ وابق أنت إن شئت مع مجموعة الحمقى في مكة.

ونهض الاثنان وأخذا الطريق إلى المدينة. كان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص أعلنا إسلامهما هناك في عام الثامنه للهجرة، قبل وقت قصير من فتح مكة.

وعمرو بن العاص هو أحد الذين أفسدوا الحياة السياسية والدينية للمسلمين. كان من أشد الناس على عثمان. هو الذي كان يقول (والله إني لأحرض الراعي عليه - يقصد عثمان) و(أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة أدميتها).

٨

وحين كان عثمان محاصراً في المدينة، تركه عمرو وذهب إلى أرض له في فلسطين يترقب الأخبار.

وقبل أن تنشب حرب صفين، كان عمرو يساوم معاوية على مصر. يريدها طعمة له ما بقي حياً، فهو يعرف أن المسلمين لا يمكن أن يعدلوه بعلي، وأن لا سبيل أمام معاوية إلا الخداع والرشوة وشراء الذمم والضمائر. وهو قد تنازل عن ذمته وضميره.

قال لمعاوية وهو يساومه ليكون في صفّه ضد علي (... إن في النفس منها ما فيها حيث تقاتل مَن تعلم سابقته وفضله وقرابته. ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا).

وقبل معاوية شرط عمرو. وكانت مصر أول بلد في التاريخ يعطى رشوة.

٩

الفصل الثاني

البدايات

الركض إلى السقيفة

مرت الأيام التي سبقت موت النبي حزينة ثقيلة على المسلمين كانوا يمنون أنفسهم بأن يبرأ النبي من المرض الذي أصابه، وأن يعود إليهم يلقاهم كما اعتاد في المسجد، أو يستقبلهم في بيته إن منعه شيء من لقائهم في المسجد. لكن الأخبار تتوالى، عن تراجع صحته. المرض يشتد عليه ليشتد القلق بالمسلمين. لم يعد يستطيع الخروج إلى الصلاة في المسجد. الناس يتحسسون الأخبار في كل مكان. يسأل بعضهم بعضاً. دون انتظار الجواب، فليس فيهم من يملك الجواب. لم يعد هناك أمل في شفائه. إنه ميت بين ساعة وأخرى.

ويعلن خبر موت النبي. ويفزع الناس مذهولين من هذا الخبر إلى الشوارع، يحركهم الحزن على نبيهم والوفاء له، يريدون أن يودعوه قبل أن يفارقهم إلى الأبد.

وفي الطريق الذاهب إلى دور الأنصار، كان ثلاثة من أصحابه القريبين يسرعون الخطى معجلين، ورابع يسبقهم بخطى أسرع. الأربعة معجلون، والحديث همس. وبين لحظة وأخرى يلتفت الرابع إليهم طالباً أن يسرعوا أكثر. إن نفسهم يكاد ينقطع من شدة العدو. يسقط أحدهم فينهضه صاحباه وهو يلعن الأنصار وبني ساعدة والاجتماع.

 قال واحد من أهل المدينة لصاحبه: أليس هذا أبا بكر ومعه عمر وأبو عبيدة؟ والرابع الذي يسبقهم، أليس هو عويم بن ساعدة؟ لكن إلى أين يقصدون في هذه الساعة؟ إنهم يأخذون الطريق إلى بيوت الأنصار، وبني ساعدة خصوصاً. أيكونون قد نسوا بيت النبي من شدة الصدمة فأخذوا طريق بني ساعدة وهم يريدون بيت النبي؟ إن الصدمة شديدة على المسلمين جميعاً، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أصحاب النبي المقربين إليه.

١٠

قال الآخر: لكن رأيت عمر على باب بيت النبي كأنه ينتظر شيئاً. كان بادي الاضطراب، يتلفت يميناً وشمالاً، يفرك يديه حيناً ويقبض على لحيته حيناً، وعيناه مصوبتان إلى ناحية من الطريق. وكان يقف إلى جانبه عويم بن ساعدة، يساره بشيء يبدو أنه خطير، وهو في مثل حالته من الترقب والاضطراب. وفجأة ظهر أبو بكر الذي كان قد سبقه قبل قليل ابو عبيدة بن الجراح، وما أن اقترب من الثلاثة حتى أسرعوا إليه. لم يدخل بيت النبي كما توقعت، بل مضوا جميعاً في اتجاه بني ساعدة.

قال الأول: وما الّذي منع الثلاثة أو الأربعة من دخول بيت النبي وإلقاء نظرة الوداع عليه؟! أهناك أهم من النبي عندهم، فتركوه وذهبوا للأهم؟! أم أن النبي أصبح ماضياً وذكريات. لم يعد يضر وينفع. لم يعد يخافه الناس ويرجونه ويطمعون في رضاه كما كانوا يفعلون.

قال الآخر: والله لا أعلم أكثر مما قلت. لقد رأيتهم يتجهون إلى بني ساعدة حيث يجتمع الأنصار هناك كما سمعت. هذا كل ما رأيته وسمعته.

وكان الأنصار ينظرون بقلق إلى ما يخبئه لهم المستقبل بعد رحيل النبي. فهم يعرفون قريشاً ومكرهم، وقد عاشوا معهم في مدينتهم مهاجرين. ويعرفونهم قبل أن يهاجروا إليهم حين كانوا بعد في مكة. سيحاولون أن يستأثروا بالحكم دونهم ودون باقي المسلمين. والحكم عند قريش يعني استعباد الآخرين واستذلالهم ومصادرة حقوقهم، ولهذا فقد قرروا أن يتركوا خلافاتهم ويتوحدوا في مواجهة قريش؛ ليمنعوها من الوصول إلى ما تريد. ولم يكن ذلك ممكنا إلا بالاتفاق على رجل يبايعونه ويولونه أمورهم. وكان هذا الرجل هو سعد بن عبادة، أحد زعماء الخزرج المعروفين، والذي تم ترشيحه بعد مشاورات طويلة استغرقت المدة التي مرض فيها النبي، وربما قبلها أيضاً. ولم يبق إلا إعلان بيعته في اجتماع حددوا مكانه.

١١

ولكن كيف سيواجهون النبي لو بايعوا سعداً دون استئذانه وموافقته، وهو في تلك الحالة من المرض؟ أليس في ذلك ما يؤذيه ويزيد من مرضه، وهم الذين سعوا دائماً، منذ دخلوا الإسلام، إلى رضاه وتجنب ما يسؤوه ويؤذيه، حتى لو كان فيه ما يسؤوهم ويؤذيهم؟ ماذا سيقول عنهم المسلمون عندما يرونهم يبرمون أمراً في مثل هذه الخطورة دون الرجوع إلى النبي وهو بينهم لم يمت بعد؟!

ما الذي يعجلهم، وكانوا يستطيعون أن ينتظروا حتى تتبين حالة النبي ثم يتخذون ما يشاؤون بعد ذلك؟ بل ماذا سيقول بعضهم لبعض، وماذا سيقولون لأنفسهم وذويهم إذا تذكروا يوماً أنهم أخطأوا مع النبي وأساؤوا إليه في أواخر أيام حياته.

هذا ما كان يفكر فيه الأنصار وهم يواجهون قضية مستقبلهم، ومرض النبي، وقريشاً، ولكل في تفكيرهم مكان. وانتهوا إلى إرجاء الاجتماع الذي حددوا مكانه عند بني ساعدة إلى أن تتضح حالة النبي.

أما كتلة قريش فقد زاد مرض النبي من حدّة نشاطها وتحركها لتسلّم الحكم الذي كانت تخطط له من زمن بعيد، لولا وجود النبي الذي حال دونه. لكن النبي قد جاوز الكهولة أو قارب أن يتجاوزها، ولن يلبث طويلاً أن يموت. وحينذاك قد يفلت الأمر منها، فلا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل ولا أحد يعرف ما يحمله لهم ولغيرهم. ربما لم يكن في صالحهم ما يحمله المستقبل. إذن عليهم أن يحكموا أمرهم من الآن، ويسرعوا فيه ولا يتركوا للمفاجات منفذاً إلا أغلقوه.

وكان أمام قريش عقبتان عليها أن تفكر فيهما، وهي تفكر في الحكم.

١٢

كان أمامها علي يلتف حوله بنو هاشم وأنصارهم، ويختلفون مع قريش أكثر مما يتفقون. ولعلي أنصار وأتباع ومؤيدون، ثم هو ابن عم النبي وزوج ابنته وابو سبطيه. وسابقة علي وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام ليس لأحد من قريش. لكن قريشاً لا تريده أو تكرهه.

وكان هناك الأنصار في المدينة: الخصم القوي الذي لابد أن تواجهه قريش مستقبلاً، وهو ما يقلقها ويفزعها كلما فكرت في الحكم. فالمدينة مدينة الأنصار الذين لاتجهل قوتهم وبأسهم. هم أعداء المستقبل والعائق الوحيد أو شبه الوحيد أمام طموحهم.

والأنصار قبيلتان يمانيتان من الأزد، هما الأوس والخزرج، يجمعهما أب واحد. وكانت بينهم في الجاهلية حروب وقتل ودماء أخرها يوم (بُعاث) الذي لم يمض عليه زمن طويل حين جاءت الدعوة الإسلامية.

وحروب الأقارب الذين يعيشون على أرض واحدة أقسى وأشد من حروب غيرهم ممّن لا يلتقون إلا في ساحة الحرب، فإذا انتهت عاد كل إلى أرضه وشأنه.

وليس بعيداً عن الذاكرة حرب البسوس بين بكر وتغلب ابني وائل. وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض من غطفان، وهما أطول حربين عرفهما تأريخ العرب.

هذه هي الحال بين الأوس والخزرج. حروب وقتلى ودماء، لا يتصالحون إلا ليعودوا للاقتتال، ولا ينتهون من حرب إلا ليتهيؤوا لأخرى. وجاء الإسلام، ودخل الأوس والخزرج فيه، لكنه لم يستطع أن يزيل أحقادهما القديمة. وإن خفّف منها.

هكذا إذن بدا المشهد في المدينة:

١ - قريش، وهي كتلة تضم إلى جانب المهاجرين القدماء منها، هؤلاء الذين أسلموا حديثاً في فتح مكة أو قبله بقليل بعد اليأس من الانتصار على الإسلام، وهاجروا إلى المدينة ليلتحقوا بمن سبقهم من قريش إليها، ثم عدو من حلفائهم واتباعهم.

وقد برزت هذه الكتلة كقوة متماسكة تربطها القرشية، ويوحدها هدف مشترك هو الحكم الذي لا تريد أن يشاركها فيه أحد من المسلمين، بعد وفاة النبي، التي باتت قريبة.

١٣

٢ - كتلة بني هاشم وانصارهم وهم يقفون خلف علي بن أبي طالب، ويتألفون من ذوي السابقة بين المسلمين وأهل الدين والفضل فهم، مع نفوذ أدبي وعاطفي، لا نفوذ عدوي.

٣ - الأنصار من الأوس والخزرج، ومعهم حلفاؤهم الذين يسري عليهم نفس التوزيع. وهم أهل المدينة والقوة الضاربة فيها. لكنهم كانوا مختلفين أو - على الأقل - لم يكونوا متفقين: الأوس تحذر الخزرج وتراقبها، والخزرج تحذر الأوس وتراقبها، وكل غير آمن من صاحبه. وإلى الخلافات القديمة جاءت لتضاف، خلافات أخرى أفرزها الواقع الجديد.

ها نحن في أواخر العقد الأول للهجرة، وقد انتهت مرحلة الخوف والقلق، وانتهت بعدها مرحلة الغزو والغزو المقابل، وبدر وأحد وغير بدر وأحد.

وها هو الإسلام ينتصر أخيراً ويبسط سلطانه على الجزيرة العربية، ويخف أو ينتهي الحديث عن الغزو والقتال، ليبدأ حديث آخر عن النظام والحكم والتطلّع إلى المستقبل والنظر إلى ما وراء الجزيرة.

وتتهيأ كتلة قريش، تفكر وتخطط لتضمن الحكم وتأمن المستقبل.

لكن هذه الكتلة، وهي تفكر وتخطط، لا يمكن ان تنسى خصمها القوي الذي ستصطدم به يوماً في معركة الحكم، وهي تعلم أن وحدة هذا الخصم - الأنصار - سوف تحول دون نجاح مشروعها لتحقيقه. وتعلم أيضاً ما كان بين طرفي الأنصار - الأوس والخزرج - من عداء طويل وجروح لم تلتئم.

إذن هذه هي نقطة الضعف لدى الخصم، وهذا هو المدخل الذي ستعمل من خلاله قريش لبلوغ هدفها.

١٤

وبدأت قريش العمل، وانطلق دعاتها وعملاؤها في نشاط كبير ينفذون مخططها في ضرب وحدة الأنصار وإضعاف صفّهم؛ فكانوا يحرضون الأنصار على بعضهم، الأوس على الخزرج والخزرج على الأوس، ويثيرون المخاوف والشكوك بينهما، وبين أبناء الفرع الواحد منهما. كما لم يفتهم أن يؤكدوا على حق قريش في تولي الأمر بعد وفاة النبي، وأن الأنصار ليس لهم أن ينازعوها فيه، وأنهم سيفشلون لو نازعوها ولن يجنوا إلا الخيبة والفشل وعداء قريش التي سترد على موقفهم بأشد منه حين تتولى الحكم، وهي ستتولاه حتماً.

هذا ما كان يبثه عملاء قريش وعيونها لكسر شوكة الأنصار، والتأثير فيهم وإضعاف روح المقاومة والثبات لديهم.

وكانت قريش من خلال أولئك العيون، ترصد نشاط الأنصار وتتابع تحركاتهم واجتماعاتهم، لا يفوتها شيء مما يجري فيها.

ثم لم تكتف، فالتفتت إلى بعض زعماء الأنصار تستميلهم وتجذبهم إلى صفها.

كان أسيد بن حضير من زعماء الأوس البارزين؛ وهو يخاف الخزرج ويخاف سعد بن عبادة من الخزرج، وبشير بن سعد، من كبار رجال الخزرج وسعد بن عبادة المنافس له على زعامة الخزرج.

والتقى الاثنان عند الخوف من سعد، كل له حسابه.

هذه هي صورة المدينة والقوى النافذة فيها آنذاك.

ويعلن موت النبي ليهز المدينة وكل البقاع التي يسكنها المسلمون من بلاد العرب.

ويتهيأ الأنصار لعقد اجتماعهم الذي أرجؤوه حياءً من النبي وهو حي.

ولكن قبل أن يجتمعوا، كان اثنان من عيون قريش وجواسيسها هما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، يهرولان نحو المدينة. يتجه عويم إلى بيت النبي حيث ينتظره عمر بن الخطاب على بابه، ويذهب الثاني إلى بيت أبي عبيدة بن الجراح يعلمه بخبر الاجتماع وضرورة اللحاق بأبي بكر وعمر.

١٥

ويأخذ الثلاثة طريقهم إلى بني ساعدة، مسرعين...

لكم هو طويل هذا الطريق اللعين: طريق بني ساعدة، لم يكن يوماً بهذا الطول! متى سنصل؟! قال ذلك أحد الثلاثة لصاحبيه وهم يحثون الخطى نحو بني ساعدة.

وما أن بدأ الاجتماع حتى فوجیء الجميع بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة في وسطهم.

ووجم الحاضرون وسط صمت غريب. وتلاقت عيونهم وهي تحمل سؤالاً واحداً: كيف وصل هؤلاء؟! من الذي أخبرهم بالاجتماع وموعده ومكانه؟! لِم جاؤوا؟! ماذا يريدون؟!

وبعد بضع كلمات من أبي بكر، وأقل منها من عمر، كان الأنصار يبايعون أبا بكر، هاهو زعيم الأوس، أسيد بن حضير يخرج من الجمع ويتقدّم نحو أبي بكر لمبايعته. وحين رآه بشير بن سعد، ترك هو الآخر مكانه واتجه إلى حيث يقف أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة.

لقد رفض أن يكون زعيم الأوس أول المبايعين فيكون له الفضل وأعداؤه على الحكم الجديد، ويحرمه من منزلة كان يريدها لنفسه.

وصاح الحباب بن المنذر، وهو يرى ما يفعل بشير، بصوت مليء باللوم والمرارة: بئس ما تصنع يا ابن سعد! أنفت على ابن عمك الإمارة؟! أين ما اجتمعنا واتفقنا عليه؟! أين العهود والمواثيق؟! أنسيت فأذكرك؟

ماذا ستجدي عليك قريش؟! هلا رجعت وجنبت قومك عار اليوم وذل الغد. والله لن يبعد الندم عنك حيث لا ينفع الندم.

والحباب هو أحد فرسان الخزرج ورجالهم المعدودين ومن ذوي النجدة والبأس فيهم، وكان إلى جانب سعد ابن عبادة المزمل بملابسه لوعكة ألمّت به ذلك اليوم.

لكن ابن سعد مضى مسرعاً وكأنّه يخاف من نفسه أن يكسره الصوت ويتراجع فيسبقه أسيد.

١٦

لقد هزم الأنصار من الداخل وهم يرون اثنين من كبار رجالهم يتسابقون لكسر الاتفاق. وخسروا المعركة بفعل المؤامرات التي تتقنها قريش، والمنافسة بين الزعماء في ظرف لا يحتمل المنافسة.

وكسبت قريش المعركة ضد الأنصار: القوة الكبيرة في المدينة والتي كان من المنتظر أن تقلب الموازين بين الأطراف في موضوع الخلافة.

وخرج الموكب المنتصر من سقيفة بني ساعدة يجوبون شوارع المدينة وسيوفهم مجردة يلوحون بها، وهم يدكون الأرض بقوة والأعلام ترفرف فوقهم والطبول تضرب أمامهم احتفالا بالنصر وتخويفاً لهم للناس حتى يسارعوا إلى البيعة.

وكان أبو بكر يتقدم الموكب وعلى يمينه عمر وعلى يساره أبو عبيدة، وخرج الناس من بيوتهم على صوت الطبول ليروا الثلاثة المنتصرين وهم يرفعون أيديهم، سعداء بالنصر الذي حققوه، وابتسامة عريضة تعلو وجوههم.

قال أحد هؤلاء وهو يكلّم جاره الذي خرج هو أيضاً لمشاهدة الموكب: ترى إلى أين يتجهون الآن؟ لقد طافوا المدينة كلها. لم يتركوا سكة ولا طريقاً إلا مروا به ورآهم أهله. ألم يتعبوا من طول السير؟!

قال جاره: أظنهم يتجهون الآن إلى بيت علي وفاطمة. ما أعجب الأيام: لقد أصبح علي وفاطمة، العدوين اللذين يجب التخلص، منهما: بنت محمد وبطل الإسلام! من منهم مثل علي؟! من منهم له بعض ما لعلي الذي لم يقم الإسلام إلا بسيفه وبلائه؟! أين كانوا يوم بدر وأحد والخندق وأيام الاسلام الكبيرة الأخرى؟! أين كانت شجاعتهم التي تظهرالآن، بعد ما أمنوا واطمأنوا وزال الخوف وانتهت الحروب وشجع الجبان؟! لِم الخوف من علي؟! ألأنّ خيار المسلمين وصالحهم لا يعدلون به أحداً؟! ألأنه لم يترك النبي دون غسل وتكفين ودفن، كما تركوه؟! ألأنه أبو سبطي النبي الذي لا ذرية له إلا منه؟! ألأنهم لا يملكون أباً وجداً كأبي طالب وعبد المطلب في الجاهلية، فهم يغارون منه جاهلية، ويغارون منه إسلاماً؟!

١٧

قال الأول: أليس في بعض ما تقوله سبب كافٍ للغيرة والحسد وطلب الثأر، من هذا الذي لا يستطيعون أن يجاروه جاهلية ولا إسلاماً؟!

قال الثاني: ألم يكفهم أن الأنصار وقريشاً قد بايعوا؟! أكانت بيعة هؤلاء كلهم لا تعدل بيعة علي فهم يطلبونها ويلحون في طلبها؟! أكان علي عندهم يعدل كل المسلمين الذين بايعوا؟! فلِم إذن تجاوزوه ولم يولوه؟! إن حكماً لا يقوم إلا بالخداع والتضليل، لبئس الحكم هو.

قال ثالث وهو يصغي إلى حوار جاريه: ما أراكما يا صاحبي إلا كمن يدور حول نفسه. تسألان وأنتما تجيبان على الأسئلة. إنه الحكم، يقاتل كل من يظن انه يقف في طريقه. وليس مثل علي من يخشونه، حتى لو لم يحمل سلاحاً، حتى لو لم ينطق بكلمة، حتى لو كان في اقصی الأرض. إنهم يريدونه أن يبايع. لن يزول قلقهم بغير بيعته بأي ثمن، بأي ثمن، مشدداً على الكلمة. قال ذلك ثم أغلق بابه، والموكب لم يترك الطريق بعد.

١٨

الفصل الثالث

البدايات

ماذا جری في السقيفة؟

انتهى اجتماع السقيفة بانتصار حاسم لقريش التي خرجت منه وقد ضمنت الحكم لزمن طويل قادم. لن ينازعها بعد اليوم أحد، وقد بايع الأنصار بأوسهم وخزرجهم.

أما بالنسبة للأنصار أنفسهم، فقد كان هزيمة موجعة ما أسرع ما ندموا عليها. عادوا يتساءلون، وكأنهم أفاقوا من حلم مرعب. ما الذي جرى في السقيفة؟ كيف استدرجوا لإعطاء البيعة؟ أين ذهبت العهود والمواثيق؟ من الملوم في ذلك؟ أسيد بن حضير؟ نعم! بشير بن سعد؟ نعم! هما اللذان كسرا الأنصار وهدما كل ما بنوه. كان العداء لسعد بن عبادة وراء فعلهما. ليس ذنب الآخرين. رأوا الكبار يسرعون إلى البيعة فتبعوهم. كل يسأل ويطلب الجواب من الآخر. وكل يلقي باللوم على الآخر ويتهمه محاولاً تبرئة نفسه ممّا حصل في ذلك الاجتماع.

هذه كانت حال الأنصار بعد البيعة: ندم ولوم واتهام يلقيه كل طرف على الآخر، وهزيمة لحقت بكل الأطراف.

وذلك ما يعكسه لنا حوار دار بين اثنين من الخزرج بعدما انتهى الاجتماع بالنتائج التي انتهى بها.

قال أحدهما: ما الذي جرى في الاجتماع، إني أكاد لا أصدق أذني! لقد كنت في سفر، كما تعلمه، فلم أحضره. أحق هذا الذي أسمعه هنا وهناك؟ لقد كنت بين من حضروا الاجتماع وأريد أن أسمع منك. كيف نسيتم كل ما اتفقتم عليه وكل ما أعطيتموه من عهود ومواثيق لبعضكم ولسعدٍ! كيف تركتم سعداً حتى كاد المجتمعون، وهم الأنصار، أن يطؤوه بأقدامهم؟! سعد؟!

١٩

سعد بن عبادة، رجل الأنصار وصاحب الجفان التي كانت تتبع رسول الله في أي بيت كان من بيوت زوجاته. ألم تفكروا قبل أن تجتمعوا بما ستفعله قريش لشق صفكم وتفريق كلمتكم؟! هل غابت عنكم، وأنتم أعرف الناس بها وبمكرها؟ ألم يكن فيكم من فكر في قريش، وجواسيسها وعيونها بينكم. والله لقد كنت أخوف ما أكون عليكم منها. كان واضحاً عندي، على البعد، أنها ستكيدكم ببعضكم، وقد فعلت. هل رضي الأنصار أن يكونوا تبعاً لقريش، وما كانت، حتى في الجاهلية، لتطمع فيما هو دون ذلك منهم. والله إني لشديد الحزن لو كان الحزن مما ينفع. قال ذلك بصوت مختنق يزداد ضعفاً كلما مضى في الحديث أكثر.

قال الآخر: لا تذكرني، إنه حلم مرعب لا أريد أن أتذكرة ولا أن أفكر فيه. أريد أن أبعده عن خاطري.

قال الأول: لكم تمنيت أن يكون حلماً. ليس حلماً يا صاحبي، هذا الذي لا تريد أن تفكر فيه. إنه الواقع الذي نعيشه، أنت وأنا وأجيال طويلة من بعدنا. لكنك لم تجبني على سؤالي. كيف حصل هذا الذي حصل في السقيفة ذلك اليوم؟ هذا ما أريد أن أسمعه منك.

   قال الثاني: لقد أبيت إلاّ أن تنكأ جرحاً لم يندمل. سأوجز لك الأمر. لم يبدأ اجتماعنا في سقيفة بني ساعدة ذلك اليوم، ونحن نتهيأ لمبايعة سعد كما اتفقنا، حتى فوجئنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتوسطوننا. كان أمراً غير متوقع، لم يحسب له أحد حساباً. ما الذي جاء بهم؟ ماذا يريدون؟ من الذي أخبرهم باجتماعنا؟ كيف عرفوا مكانه وزمانه؟ ليس غير عويم بن ساعدة لقد رأوه معهم وهم يخرجون من المدينة متجهين إلينا. كان يقدمهم، وحين وصلوا أول بيوت بني ساعدة فارقهم. فدخلوا وحدهم حتى يبعد التهمة عنه. كنا نعرفه عينا لقريش، لم يكن وحده. كان معه معن بن عدي وآخرون غيرهما من عيون قريش وجواسيسها، ينقلون إليها كل ما كان يدور بيننا. ولكن ماذا كان يستطيع ان يفعل لو كنا محصنين من داخل نفوسنا؟! كان العيب فينا، وعلينا يقع اللوم لا عليه.

٢٠

قال الأوّل: وماذا بعد؟ فما بعد هو المهم، هو ما أريد معرفته.

ما الذي قالوه مما لم تعرفوه قبلاً حتی أسرعتم إلى بيعة لم نتفق عليها ونقض بيعة اتفقنا عليها؟!

قال الثاني: وقبل أن يتكلم أحد منا. وقبل أن تتم مبايعتنا لسعد، أخذ أبو بكر الكلام فقال. (... فهم - يعني قريشاً - أول من عبد الله في هذه الأرض وآمن بالله وبالرسول...).

قال الأوّل: أكان صعباً على الأنصار أن يردوا على أبي بكر وهو يدل بسبق قريش إلى عبادة الله والإيمان به، قائلين (إن الدخول في الإسلام فضل من الله على من دخله. سيكون ثوابه الجنة في الآخرة والصلاح في الدنيا، وهو لا يعني الحق في الحكم، وليس أحدهما ملازماً للآخر ولا سبباً له. لقد دخلنا الإسلام، والله يعبد على خوف والإسلام بعد ضعيف تحيط به المخاطر من كل جانب، والمسلمون معدودون يتخطفهم قريش وتعذبهم كما تريد، لا يستطيعون حماية لأنفسهم، فقوي بنا الاسلام وعز، وقويتم بنا وعززتم. هاجرتم إلينا هاربين خائفين، فآويناكم وحميناكم، وقاسمناكم الأرض والمال، وقاتلنا وقتلنا دفاعاً عن الإسلام والمسلمين. وكان قتلى الأنصار في حروب الإسلام أضعاف أضعاف قتلى المهاجرين من قريش وغير قريش. فإن كان لكم فضل، فلنا مثله أو أكثر منه. وأنت يا أبا بكر، ما كنا لننكر فضلك وسابقتك. ولكن أكان دخولك الإسلام بقصد الحكم؟! أكنت تفكر في الحكم منذ دخلت الإسلام فجئت الآن تطالب به؟! وما شأن هذين اللذين معك، وهما لم يدخلا الإسلام الا بعد ما دخله الكثيرون، ولم يعرف لهما موقف في كل حروب الإسلام؟ أهما معك لتتقوى بهما؟! أترانا نرفضك وحدك ونقبلك مع هذين؟! ما الذي منعكم من الجواب؟!

قال الثاني: كان سعد موعوكاً قد تزمل بملابسه ولا يستطيع الكلام، وإلى جانبه يقف الحباب بن المنذر بن الجموح.

٢١

قال الأول: وأسيد بن حضير وبشير بن سعد! ماذا فعلا؟ لِم لم يردا؟!

قال الثاني: هما والله أصل الفشل ووراء كل ما جرى في ذلك اليوم، كنت أراقبهما جيداً. كانت علائم الرضا والسرور تعلو وجههما وهما ينصتان لأبي بكر. ينصتان باهتمام مثير وكأنهما يطلبان من الآخرين أن ينصتوا إليه ليقتنعوا بما يقول. وإذا حاول أحد أن يبدي رأياً أو معارضة طلباً إليه عدم المقاطعة والسكوت ليمضي أبو بكر في كلامه الذي هيأه لهذا الاجتماع، كنت أشعر وأنا أراهما، إنهما يبيتان أمراً ما، كانت عيونهما تستعرض الوجوه ولا تکفان عن الدوران. كان كل شيء يشير إلى ذلك، لكن لم أتصور أنهما سيذهبان إلى حد خيانة الأنصار ونقض ما تمّ الاتفاق عليه. لماذا؟! إنهما من سادة الأنصار وكانا بين الموافقين على تولية سعد. أية مصلحة لهما في نقض الاتفاق. الوحيد الذي كان صوته يرعد في الجمع هو أبو عمرو الحباب بن المنذر الذي لم يدخر جهداً في تذكير الأنصار بما اتفقوا عليه وحثهم على الوفاء به. كان ناصحاً للأنصار لو سمعوا. لقد حذرهم فلم ينفع التحذير.

قال الأول: ثم ماذا قال بعد ذاك؟ إني لأظنه تكلم طويلاً في الاجتماع. لم يدخر جهداً ولا طاقة ولم يترك شيئاً مما يخاله نافعاً له إلا ذكره وأفاض فيه. إنه الحكم يا صاحبي يستحق منه ذاك وأكثر من ذاك. لكن اللوم، كل اللوم على من يسمع ولا يرد، وهو يستطيع الرد وقطع الحجة بأيسر الكلام وأقلّه.

قال الثاني: أكنت معنا في الاجتماع؟ أراك تتكلّم عن معرفة ودراية وكأنك حضرته.

قال الأول: لا عليك. ماذا قال أبو بكر بعد ذاك؟ وبماذا أجبتم؟

قال الثاني: ثم قال: (... ونحن أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده...).

٢٢

قال الأول: وسكتم؟! أأعياكم أن تقولوا في الجواب: (ومن يجهل أنكم من قريش عشيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن كنتم من الأبعدين عنه، وهناك من هو أقرب إليه منكم وأمس رحماً، ونحسبكم تعرفونه. ولكن بم تطالبون؟ ما هذا (الأمر) الذي أنتم أحق به؟ الحكم؟! أكان الحكم ممّا يورث؟! ألا تعلم يا أبا بكر أن الأنبياء لا يورثون، حتى ما كان قابلاً للإرث؟ أنسيت حديث النبي إليك وحدك دون جميع المسلمين: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)؟! أليس ما تطالبون به الآن، هو الإرث نفسه بعدما مات المورث؟! فهل تريد أن تخالف ما أوصى به النبي إليك، إلا أن يكون عهد، عهد به إليكم بعد ذلك؟ فهاتوه، وإن كنتم رفضتم ما أراد أن يكتبه ويعهد به قبل وفاته. أليس ذلك صحيحاً يا عمر...؟! هل نسيت قولك تلك الليلة يا ابن الخطاب: (إن النبي ليهجر؟!!) ما كان ما أجرأك على الله وعلى رسوله!! وبعد، أليس المسلمون كلهم أولياءه؟! هل جعلتم رابطة النسب بديلاً عن رابطة الإسلام؟! والله إن أبا سفيان لأقرب نسباً منکم. کيف تطلبون هذا (الأمر) بالنسب وهناك علي، ابن عمّه وزوج ابنته وأبو سبطيه، المشغول الآن بتجهيزه؟ هلا استحييتم، وأنتم تطالبون بارث من تركتموه دون أن تلقوا نظرة وداع عليه!! والله ما رأينا أصحاباً أعق لنبيهم منكم). ثم ماذا قال؟

قال الثاني (... ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم...).

قال الأول: وسكتم أيضاً؟! ماذا دهاكم؟! أكنتم خرساً فتعذر عليكم الكلام؟! أين الشجاعة والبلاغة والبصيرة؟! أهناك أبسط من أن تردوا: (وهل أظلم ممن يدعي ما ليس له؟! أليس الأمر أمر المسلمين، جميع المسلمين؟! فلم يكون ظالماً من يريده ويطلبه منهم، كما تريدونه وتطلبونه؟! أليس المسلمون كلهم سواء، يسعى بذمتهم أدناهم؟! فما امتيازكم عنهم، ولم اختصصتم بالأمر دونهم، حتى يكون ظالماً مَن ينازعكم فيه؟!

ثم باسم مَن تتكلمون، ومن تمثّلون؟!

٢٣

إن كنتم تتكلمون باسم قريش، فليست قريش بأحق من غيرها ولا بأولى، وإن كنا نشك بأنكم تمثّلون كل قريش. ثم، أكان النبي يوصي بقبيلة كاملة، فيها المؤمن والفاسق والفاجر، ويترك ابن عمه وزوج ابنته ومن لا يعدل ببلائه في الإسلام، بلاء أي واحد منكم؟! وإن لم يوص فما امتياز قريش، و(الامر) أمر المسلمين، يولون من يريدون ويختارون؟! وربما لن تكونوا منهم؟

وإن كنتم تتكلمون باسم المهاجرين، فلم لا نرى بينكم، أحداً منهم:

عماراً أو أبا ذر أو عبد الله بن مسعود أو سواهم ممن نعرف من أهل الدين والسابقة والجهاد؟! لم أنتم الثلاثة وحدكم، وكلكم من قريش؟!

هذا ما كان على الأنصار أن يردوا به، وأكثر من هذا وأشد من هذا. أكان صعباً عليكم أم غائباً عنكم، أم كنتم تخشون هؤلاء الثلاثة لو واجهتموهم بما يليق بكم، ولستم الأقل ولا الأذل، جاهلية ولا إسلاماً؟!

ثم ما هذا الاستخفاف بكم وبعقولكم، وأبو بكر يعرض البيعة على صاحبيه، وهما يردانها عليه، وكأن كلا منهم زاهد فيها راغب عنها؟! ما الذي جاء بهم إذن، غيرها؟! تركوا نبيهم وجاؤوا يطلبونها. وها هم يخدعونكم بتنازل كل منهم عنها وإظهار الزهد فيها، وكأنها عبء لا يريد أن يتحمله. ألم يفكر أحد فيكم؟! ألم يسأل نفسه؟! أم ذهب بعقولكم الحسد والغيرة من بعضكم؟!

قال الثاني: والله لا أدري ما أقول.هذا ماجرى ذلك اليوم أنقله لك كما رأيته، لا حديثاً ولا روايه عن آخرين.

٢٤

قال الأول: وأنا ما قصدت بسؤالي أن ألومك أو أحملك مشروعية ماجرى، لكنني أفكر فيما سنواجهه في قابل الأيام. والله إنه الذل والمرارة نتجرعها عن رضا أو عن كره. لقد صنعناها بأيدينا. وسترى عاقبة الأمور. سترى قريشاً كما هي، عند ما تسيطر وتحكم. والله ليكون ندم الكبار قبل ندم الصغار. أببعض كلمات لا تقنع طفلاً ولا تخدع صبياً سلمتم أموركم لهم واسترحتم؟! أبمثل هذه السهولة؟! كأنكم كنتم تحملون حملاً أتعبكم فاسرعتم لإلقائه حتى تتخلصوا منه ومن تعبه!!

ثم أطرق برأسه طويلاً وهو يقول بصوت خافت: لعن الله من فعلها، لعن الله من فعلها.

٢٥

الفصل الرابع

البدايات

قريش الحاكمة

العباس، أبو سفيان

الحزن يلف المدينة، والليل يبدو أشد ظلاماً مما هو، والناس لا يتكلمون إلا بالدموع تجري فلا يمسحونها. إنها أول ليلة للمدينة، وقد وارت النبي التراب وودعته إلى الأبد. أهل المدينة يؤوون إلى مضاجعهم مبكرين، ليس لأنّ المجلس الذي اعتادوا السهر فيه قد فقد عميده والمتكلم فيه، ومن اعتادوا رؤيته وسماعه، أخاً ومرشداً وهادياً. ليس لكل ذاك فقط، بل لأنهم يحاولون أن ينسوا همومهم بالنوم إن استطاعوا أن يناموا. فهناك غير وفاة النبي وفراقه، وهو حزن سيلازمهم ما بقوا، هناك الخوف من الفتنة والخلاف. إن قريشاً تريد أن تستأثر بكل شيء بعد وفاة النبي، وهي تعد لذلك منذ زمن. لقد كسبت معركة السقيفة وأزاحت من طريقها سعد بن عبادة ومن يقف معه ويناصره. وبقي أمامها علي بن أبي طالب، الخصم الآخر أو الأخير الذي تريد التخلص منة. عليها أن تجرده من كل عناصر القوة التي يعتمد عليها، وتبعد عنه كل من تستطيع إبعاده من أهله وأصحابه وأنصاره. في صباح تلك الليلة. كان يعقد في بيت أبي بكر اجتماع ضم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة والمغيرة بن شعبة.

قال المغيرة بعد أن استقر به المجلس إلى جانب أبي عبيدة: إني لأرجو أن يكون خيراً ما جمعتنا له يا أبا بكر.

قال عمر: إنه الخليفة الآن وليس أبا بكر يا أبا مطرف. أنسيت كم تعبناً حتى يكون الخليفة؟

قال المغيرة: ليس معنا غريب نحشمه يا عمر، والعهد قريب بالخلافة، لم يعتدها اللسان بعد.

قال ابوبكر: دعونا من هذا الآن لقد جمعتكم لأمر مقلق أريد أن أشاوركم فيه.

٢٦

بلغني أن عدداً من المهاجرين والأنصار ندموا على مبايعتي بالأمس، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المسلمين.

وسيتبعهم آخرون. وهذا يعني لو حصل، أن علياً هو المرشح لأن يتولاها، ويذهب عبثاً كل ما سعينا له وجهدنا فيه وما سنبقی نواجه بسببه اللوم والانكار من المسلمين حين تركنا النبي لم نشارك ولم نحضر غسله ودفنه. هذا ما رأيت أن أسمع رأيكم فيه. أنتركها لابن أبي طالب بعد طول ما تعبنا فيه لشق صف الأنصار وضمان بيعتهم. لم يكن الامر سهلاً معهم كما تعرفون. واعلموا أن العباس بن عبد المطلب لم يبايع بعد، وهو شيخ بني هاشم وعم النبي، وإذا مال إلى جانب ابن أخيه علي فسيكون الأمر في منتهى الصعوبة ولا آمن أن يفلت منا.

وأمر آخر أريد مشاورتكم فيه: هذا الذي سيطرقنا غداً أو بعد غد: أبو سفيان وأنا أخشى أن يثير لنا مشاكل جديدة ونحن لم ننته بعد من المشاكل السابقة.

قال أبو عبيدة: وماذا يرى خليفتنا؟ لابد أنه فكر طويلاً في الأمر، ولابد أن يكون قد وصل إلى رأي فيه، لا عدمنا رأيه.

قال أبو بكر: أريد أن أعرف رأيكم أولاً في هذا الأمر، فلعل فيه خيراً مما رأيت، نتفق عليه ونمضيه. ولن يبعد عليكم رأيي بعد ذاك.

قال الثلاثة: معاذ الله أن يكون فيما نرى خير مما يرى الخليفة. لقد كنت دائماً المدبر لنا، صاحب الرأي السديد. أكنا نستطيع خداع الأنصار والانتصار عليهم لولاك؟!

قال أبو بكر: ليس محل ذلك الآن، فهاتوا ما عندكم. وسنستمع إلى رأي عمر. فماذا عندك يا ابن الخطاب؟

وأبدى عمر رأيه - لكن الثلاثة سخروا منه. لم يكن فيه ما يقنع.

قال أبو بكر: وأنت يا عامر، يا ابن الجراح. ماذا عندك؟

قال أبو عبيدة: والله لم أنته بعد إلى رأي أرضاه، فلعل الخليفة يمنحنا من الوقت ما نقلب فيه الأمر على وجوهه لنصل إلى رأي واحد نرضاه ونذهب به إلى العباس.

٢٧

قال أبو بكر: أقول لك إن الأمر يكاد يفلت منا، وتقول: أمهلنا وقتاً نفكر فيه! أكنت سأدعوكم إلى هذا الاجتماع، في ثاني يوم من خلافتي، لو كان في الأمر متسع. ثم التفت إلى المغيرة قائلاً: وأنت يا مغيرة! ماذا ترى؟ هات ما عندك، أم أنّك كصاحبيك: بين من لا رأي له، وبين من لم يأت بالرأي المصيب.

قال المغيرة: أرى أن نذهب إلى العباس ونجعل له في الحكم نصيباً، ولعقبه من بعده. فإن رفض هو ما سنعرضه عليه، دفعه أبناؤه إلى القبول به، وهم شباب، يستهويهم أن يشاركوا في الحكم، كغيرهم من الشباب، خصوصاً شباب قريش. ونكون بذلك قد قطعنا جانب علي وأضعفناه، وأضعفنا حجته أمام المسلمين، وهم يرون عم النبي وشيخ بني هاشم قد بايع غيره وتركه.

قال أبو بكر: هذا هو الرأي. لكأنك كنت يا مغيرة في داخلي، وأنا أفكر في هذا الأمر. هذا هو الرأي الذي كنت سأبسطه لكم، لقد وافقتني يا مغيرة فيه، ولطالما كنت توافقني فيما أرى.

أما أبو سفيان فأرى أن تتنازل له عن أموال الزكاة التي يحملها معه، وأن نولي أحد أبنائه عملاً من أعمالنا. فأبو سفيان كما تعرفونه، رجل يحب المال والاسم، وبذلك نكون قد أرضيناه واسترحنا منه ومن طول لسانه وعبد مناف وابن أبي قحافة، والجاهلية والإسلام، وأعز حي وأذل حي من قريش.

ولم يكمل أبو بكر كلامه حتى صاح الثلاثة بصوت واحد: والله لقد ألهمت الصواب الذي كأنه الوحي، إنه الرأي الذي لا معدل عنه، ما أحسن ما رأيت! لقد أحكمت التدبير. ماذا كنا نصنع لولاك ولولا حكمتك. ليس عبثاً أننا اخترناك لها.

وعند حلول الظلام كان أربعة يتسللون نحو بيت العباس، الواحد بعد الآخر، وهم ملثمون لا يطؤون الأرض إلا بأطراف أصابعهم.

وطرق أحدهم الباب طرقاً خفيفاً.

٢٨

وصاح العباس من داخل البيت وهو يتهيأ للنوم: من الطارق وليست ساعة زيارة. ثم تابع بصوت خافت: نعوذ بالله من طوارق الليل.

وجاء صوت ضعيف من وراء الباب: أنا يا أبا الفضل. هلا فتحت لنا الباب.

وعرف العباس الصوت ومشي إلى الباب يفتحه. قال وهو يرى ثلاثة لم يميزهم كانوا يقفون ناحية من أبي بكر: ومن هؤلاء الذين معك يا أبا بكر.

  قال أبو بكر: ستعرفهم. دعنا ندخل أولاً. لا نريد أن يعلم بمجئينا أحد. ورفع الثلاثة اللثام عن وجوههم.

قال العباس وقد عرفهم: مرحباً بفرسان السقيفة يوم أمس. هيا ادخلوا على الرحب. ادخلوا لقد كنت على وشك أن أنام. منذ صباح الأمس، وأنا لم أذق النوم بعد فراق نبي الله.

ودخل الرجال الأربعة وأبصارهم زائفة تدور في كل اتجاه. وعاد العباس للترحيب بأبي بكر وصاحبيه قائلاً بلهجة فيها سخريه وتقريع وغضب: كيف كانت معرکتكم أمس؟ ما أظنكم إلا سعداء بما حققتموه فيها. لقد أجدتم تمثيل الأدوار وكل منكم يرد الخلافة على صاحبه، وكأنه زاهد فيها.

لماذا لا أرى معكم أسيد بن حضير وبشير بن سعد وعويم بن ساعدة؟! لماذا لم تأتوا بهم؟ ألم يكونوا حلفاءكم وشركاءكم في المؤامرة؟! والله لم يكن صعباً علينا ما أسرعتم إليه لولا الخوف من الله والوفاء لنبيه والرعاية للمسلمين. والله لن يفلح المسلمون بعدها أبداً وأول حكم لهم يقوم على الخداع والتضليل والمكيدة. لقد ركبتم بالمسلمين مركباً صعباً لن ينتهى بهم إلى خير. وسيرى من عاش منكم، الدم يخوضون فيه حتی الركب. والله لن يصلحوا بعدها ولن ينتفعوا. هذا هو الثمن الذي سيدفعه المسلمون. لقد زرعتم بينهم الفتنة والحقد والشقاق ما عاشوا، وسهلتم لهم الجريمه، يرتكبها من قدر عليها منهم.

٢٩

وخيم على الحاضرين سكون طويل قال أبو بكر بعده مخاطباً العباس بصوت مرتعش والكلمات تتقطع على لسانه: لقد جئناك يا أبا الفضل احتراماً لك واعترافاً بمقامك. فأنت عم النبي وشيخ بني هاشم ومن لا يجهل مكانه ولا يدانى في فضله. ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك. هذا ما جئناك به، فليس أحب إلينا من رضاك ومشاركتنا في تولينا.

قال العباس وهو يطيل النظر في أبي بكر: ومؤامرة جديدة يا أبا بكر بعد مؤامرة السقيفة؟! ألم تجدوا غير العباس تحاولون خداعه؟!

أظننتم اللعب سهلاً مع العباس؟! هل احترمتم النبي لتحترموا عمه وليس هو بأفضل المسلمين ولا من ذوي سابقتهم؟! لقد فعلتم مع النبي ما لا يفعله أحد مع أي من أهله وعشيرته، لا مع نبيه: قلتم إنه مات ولم يعد يضر ولا ينفع. بئس ما ودعتم به نبيكم!!

اسمع يا أبا بكر ولك الخطاب وحدك: هذا الذي تريد أن تجعله لي ولعقبي من بعدي. هل هو حق لنا أم حقك أم حق المسلمين؟ فإن يكن حقنا، لم نرض ببعضه دون بعض. وإن يكن حقك، فاحتفظ به لك ولا حاجة لنا فيه. وإن يكن حق المسلمين، فليس لك أن تتصرف فيه.

والله إن هي إلا رشوة أردتم بها إضعاف علي وفض المسلمين من حوله. ستصعد المنبر غداً لتقول: ها هو العباس عم النبي وشيخ بني هاشم قد بايع فما لعلي لا يبايع ويأبی إلا الخلاف.

أليس هذا ما كان يدور في رأسك ورؤوس أصحابك، وأنتم تقصدونني في مثل هذه الساعة من الليل؟! أترونني غافلاً عما تبيتون؟!

ونظر بعضهم إلى بعض دون أن يردوا بشيء، ونهضوا متجهين إلى الباب بعد أن أعادوا اللثام على وجوههم، والعباس يتبعهم بضحكة فيها أكثر من معنى.

في اليوم الثاني وصل أبو سفيان المدينة، وهو يحمل أموالاً كبيرة من زكاة المسلمين.

وكان أول ما سأل عنه:

٣٠

- من الذي تولى الحكم بعد محمد؟

قال عمر: لقد ولي المسلمون أبا بكر خليفة لهم. ألست سعيداً يا أبا سفيان بأن يتولى الخلافة مثل أبي بكر؟!

قال أبو سفيان وقد بدا عليه الغضب: وما لابن أبي قحافة والخلافة؟!

منذ متى كانت تميم تمد عنقها نحوها؟! مالي أرى الأمر في أذل حي من قريش؟! وماذا فعل آل عبد مناف؟! أرضوا بأن يخرج الأمر منهم ليستقر في تيم؟! إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم. والله لأملانها على أبي فصيل - يعني أبا بكر - خيلاً ورجالاً.

سيعرف أخو تيم قدره حين يجيش مرجل آل عبد مناف. قال ذلك وهو يلوّح بيديه مهدداً.

قال عمر: مهلاً يا أبا سفيان! مالك تزبد وترعد قبل أن تعرف ما ادخرنا لك ولا بنائك؟! أتروننا ننكر فضلك؟! أتروننا نستغني عنك؟!

وهدأ أبو سفيان قليلاً وزال منه الغضب وهو يسمع كلام عمر، ويريد أن يعرف ما فعله أبو بكر.

وتابع عمر: أما يرضيك يا أبا سفيان أن الخليفة ولى ابنك يزيد عملاً له في الشام؟

قال أبو سفيان وهو يمسح شاربين غليظين: وصلة رحم. ما أكرمه وأكرم فعله وإن كان من تيم!

قال عمر: وتنازل لك عما تحمل من أموال الزكاة. كل ما تحمل منها لك.

قال أبو سفيان: هذا والله الخليفة الأمين. نعم من اخترتم لخلافة المسلمين!

ثم قال وكأنه يحدث نفسه: والله ما فعلتم ذلك حباً بأبي سفيان ولكن خوفاً منه. رشوتموه وقبل الرشوة. كلانا سواء فيها، لا أحد أفضل من أحد. لن تكون آخر رشوة منكم. أعرف كيف أخوفكم وأستزيدكم منها.

وكانت رشوة أبي سفيان بتنازل أبي بكر عن أموال الزكاة التي حملها معه، سابقة متبعه فيها عثمان حين تنازل هو أيضاً عن أموال الزکاة التی حملها  كعب بن مالك، ثم حين تنازل لعمه الحكم بن أبي العاص عن صدقات قضاعة البالغة ثلاثمئة ألف.

٣١

الفصل الخامس

البدايات

قريش الحاكمة

حروب (الردّة)

لم يصدق أهل المدينة الأنباء التي تحدثت عن قرب تسيير أبي بكر الجيوش إلى بعض ديار المسلمين.

لماذا؟! ماذا فعلوا ليستحقوا ذلك من أبي بكر؟! إن دموعهم لم تجف بعد على نبيهم! أيام فقط!! ما الذي ينتظرهم إذن في قابل الأيام؟! أهذا هو أول ما يبدأ به خليفتهم بعد ما اطمأن واستثبت له الأمور، ببيعة الأنصار واستبعاد علي وسيطرة قريش؟! إن السؤال يرتسم على كل الوجوه وقد علاها الحزن والقلق والحيرة، وكأنها تتذكر يوم موت النبي.

قال كعب بن عمير للربيع بن حنظلة، وهو يراه خارجاً من بيت أبي بكر:

مالك يا أبا حنظلة مهموماً كئيباً؟! إني لأرى الحزن واضحاً في وجهك. أهناك ما يحزن بعد موت رسول الله، وقد أخذ الحزن معه؟!

قال الربيع: والله كان يعزيني عن فقد رسول الله، أن يكون لنا من أصحابه خلف يخففون وجدنا عليه، وإن كان وجدنا لا يخففه شيء.

قال كعب: وماذا حصل؟ أظنك كنت عند أبي بكر، وهو من أقرب أصحابه إليه وخليفة المسلمين.

قال الربيع: وهو سبب ما ترى من حزني. لم أكن أصدق ما يتردد من أنباء عن إرسال أبي بكر الجيوش لقتال المسلمين ممن تأخر في دفع الزكاة، فأردت أن أستطلع الأمر من مصدره، لعلّ الأنباء لا تصدق، وهي ليست صادقة دائماً. أو لعلها تبالغ فيما تنقل. وربما كان الرجل بريئاً مما نسب إليه ولا علم له به.

٣٢

قال كعب: وماذا وجدت مما أردت معرفته؟ هل كان الأمر كما سمعت، أم إن الرجل مكذوب عليه؟!

قال الربيع: ليت الأمر كان كما سمعت. لقد كانت الأنباء دون ما رأيته عند أبي بكر. كان متحاملاً عليهم كأشد ما يتحامل المرء على عدوه. يتحدث عنهم ولا يعوزه إلا أن يلبس عدة القتال، وإن لم يلبسها يوماً، ولم يعرف القتال في أي من معارك المسلمين.

أهذا هو الوفاء لرسول الله في امته يا عمير؟! لقد كان أبوبكر كمن يفتش عن سبب لقتالهم. كمن يحمل حقداً طويلا عليهم. لماذا؟! لماذا يا كعب؟! ماذا فعلوا؟! انها والله فجيعة اخرى، ولم ننس بعد فجيعتنا برسول الله.

قال كعب: وما هي الأسباب التي استوجبت قتالهم في رأيه؟ ألم تسأله، وقد كنت عنده؟ وان كان من نوى قتالاً، لا يحتاج إلى سبب أو اسباب.

قال الربيع وهو يحاول أن يتذكر كلمات أبي بكر: يقول إنهم حبسوا أموال الزكاة ولم يرسلوها إلى المدينة.

وإنه سيقاتلهم، حتى لو تخلفوا عن دفع عقال بعير - كما قال - مما كانوا يدفعونه لرسول الله. هل تعرف ما يعني بـ (عقال بعير)؟ يعني أنه سيقاتلهم حتى لو تخلفوا عن دفع ما لا قيمة له ولا ثمن ولا حساب.

هذا ما قاله لي، مؤكداً عليه كلما حاولت أن أثنيه عن عزمه. هذا هو سبب قتالهم: تأخرهم في إرسال الزكاة. بهذا استحل أبو بكر دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم. أهذا سبب لقتال المسلمين؟! ألا يمكن أن يكونوا معذورين؟! ألا يمكن أن يكون قد حال حائل دون إرسالهم أموال الزكاة، والمؤمن يحمل أخاه على خير المحملين ما لم يتيقن. ولقد كان رسول الله يلتمس العذر، حتى لمن أذنب، إذا رأى موضعاً للعذر عنده. والله نفسه يمهل عباده ويرخص لهم في الكثير من الأحوال.

قال كعب: وهل غاب ذلك عن أبي بكر وهو يقرر إرسال الجيوش إلى هؤلاء المساكين؟!

٣٣

قال الربيع: لم يغب عنه ذلك، لقد أراده. أراده عن تفكير وعزم سابقين. أترى تأخير الزكاة سبباً لقتل المسلمين وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، وأبو بكر نفسه هو من تنازل عن أموال الزكاة ووهبها لأبي سفيان عند ما جاء المدينة حاملاً معه تلك الأموال؟!

أكان أبو سفيان أولى بأموال الزكاة من هؤلاء الفقراء، وهي أموالهم؟! ولم يكن أبو سفيان إلا جابياً لها، جمعها منهم. لم تكن أموال زكاته ولا زكاة قومه، ولم أسمع أنهم دفعوا زكاة، ولم أسمع أن أبا بكر طالبهم بها.

قال كعب: لكنهم لم ينكروا الزكاة، وانّما تأخروا في تسليمها، مفضلين توزيعها على فقرائهم، وما أكثرهم، وهم أحوج إليها من مسلمي قريش الجدد يتقاسمونها فيما بينهم، وينفقونها من غير حق على ذويهم وأقاربهم. وهل فات أبا بكر قول النبي لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن. لقد قال له: (إن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم...) ماذا يعني النبي في قوله: (وترد على فقرائهم)؟ لقد وزعوها في فقرائهم. فهل في هذا كفر؟! هل في اتباع قول رسول الله كفر؟! أيستحل أبو بكر قتل المسلمين لأنهم امتثلوا أمر رسول الله وأطاعوه؟! أكان عليهم أن يعصوه لينجوا من القتل؟!

قال الربيع وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامة ساخرة: ولماذا الزكاة وحدها من فروض الإسلام، هي التي أثارت نقمة أبي بكر وغضبه وغيرته؟! لماذا الزكاة، لا الصلاة مثلاً، وهي مقدمة على الزكاة، وبها يتعارف المسلمون؟!

ألأن الصلاة لا مال فيها، والزكاة فيها المال، تشترى به الذمم ويستمال الأقوياء وتقام سوق الصفقات والمساومات، وأعط وخذ؟!

قال كعب: ألم أقل لك إنها قريش، ما تملك الحكم حتى تستعبد الناس. أنسيت يا أبا حنظلة؟

قال الربيع: معاذ الله! وهل ذلك مما ينسى؟! ولكن قل لي: أكنت تعلم الغيب أم تقرأ دخائل النفوس؟!

٣٤

قال كعب: لا هذا ولا ذاك، لكن أعرف قريشاً، أعرفها جيداً. إن الكثيرين منهم لم يدخلوا الإسلام إلا من أجل الحكم، بعد أن حاربوه طويلاً وفشلوا. إنهم يمثلون القوة التي ستحتكر الحكم وحدها دون باقي المسلمين، أو بالرغم منهم.

قال الربيع وهو يمسك بيد عمير: كفاني حزناً ألا يكون حديثي مع من لقيت إلا عن قتال المسلمين للمسلمين. أحس التعب يا عمير، علي أن أعود إلى البيت، أستودعك الله. قالها الربيع بصوت حزين ثم مضى.

وكانت حروب ما يسمی بالردة نكسة للإسلام وتشويهاً له، وعملية تضليل كبرى تعرّض لها المسلمون في أول حكم لهم بعد النبي مباشرة.

كانت رسالة واضحة شديدة بالغة العنف والشدة إلى جميع العرب بأن يذعنوا لقريش ويستسلموا لحكمها ولا يعارضوا أو يعترضوا على شيء مما تريده. ليس عليهم إلا الخضوع والطاعة، أو القتل والسبي والنهب والثكل واليتم.

هذه هي حروب الردة في حقيقتها. وهذا هو ما قصدته قريش منها وسعت إليه. وأي وصف آخر لها لن يكون إلا تبريراً للظلم ومشاركة فيه والتماس الأعذار لقريش في فرض سيطرتها على المسلمين واحتكار حكمهم وانتهاك حرماتهم في نفوسهم وأموالهم وإعراضهم. وهذا ما كان فعلاً، وما لا يقدر أحد على نكرانه، إلا أن ينسف التأريخ كله، وهذا ما حصل.

ما الذي فعله هؤلاء (المرتدون) كما سماهم الحكم وهو يحاربهم، وكما يصر المؤرخون حتى اليوم على وصفهم به؟!

هل أعلنوا العصيان؟! هل قطعوا الطريق؟! هل هاجموا المسلمين، أو اعتدوا على أحد منهم؟! هل كفروا بالله وخرجوا من الإسلام؟! هل عادوا إلى عبادة الأوثان واللاة ومناة وهبل؟!

لم يكن شيء من ذاك.

ماذا فعلوا إذن؟!

٣٥

إنهم ابطؤوا في إرسال الزكاة. هذا هو الذنب الكبير الذي لم يستطع أبو بكر أن يغفره لهم، وأقسم أنه سيقاتلهم، وبادر لإرسال الجيوش إليهم، وكأنه يريد أن يسد عليهم الطريق لتلافي هذا الخطأ، قبل أن يتلافوه وتسقط حجّته.

ما لأبي بكر معجلاً على المال، لا يتمهل ولا ينتظر؟! أكانت جباية الأموال يتنعم بها شباب قريش المترفون، أهم في نظره من دماء المسلمين؟! ولم تكن دماؤهم وحدها التي ستستباح، بل أموالهم وأعراضهم، وبيوت تنهب وذراري تسبى ونساء تثكل، وأطفال سيواجهون اليتم والعوز والتشرد.

ألم يستطع أبو بكر أن يجد بين أفاضل المسلمين وذوي الدين والسابقة منهم، من يبعثه إلى هؤلاء (المرتدين) يستطلع رأيهم ويعرف عذرهم، ثم هو بالخيار بعد ذاك، إن شاء، قبل العذر إن كان فيه موضع للقبول، وإن شاء رفضه. وسيكون معذوراً بعد ذاك في حربهم؟! أليس هذا هو ما يفعله من يبتغي الخير والإصلاح، ويستبعد جهده عن الحرب والقتل ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

ما له لجأ ابتداء إلى الخيار الأخير، فعقد الألوية وعيّن الأمراء وسيّر الجيوش: أحد عشر جيشاً، وأحد عشر أميراً!! ماذا جرى؟! هل كان يريد أن يحارب الفرس أو الروم؟!

ما له يسرع إلى أصعب الخيارات، تاركاً كل الخيارات الأخرى؟! لماذا؟

لأنه يريد أن يوجّه هذه الرسالة أو هذا الإنذار إلى جميع العرب، بأنّ عليهم الطاعة التامة والخضوع المطلق لحكم قريش: ذلك كل ما هو مطلوب منهم وكل ما يستطيعون فعله. ليس لهم أن يراقبوا أو يحاسبوا، أو ينطقوا بلفظ أو يوجهوا كلمة نقد. وهم أحرار فيما سوى ذاك!!!

وتمر بضعة أسابيع قبل أن يلتقي كعب والربيع في نفس المكان الذي كان فيه لقاؤهما السابق.

قال كعب وهو يرى الربيع: آه! أبا حنظلة! ما أشوقني وأحوجني إليك! لقد مضى زمن لم أرك فيه. كنت متعباً في لقائنا السابق. أرجو أن تكون اليوم في حال أفضل يا أبا حنظلة.

٣٦

قال الربيع: كما ترى. لست أفضل. لقد تحقق ما خشيت منه وتخوفت. كيف يكون المسلم أفضل، وهو لا يرى ولا يسمع إلا دماً وبكاءً أين توجه، حروب الرده.

قال كعب: وعن هذا طليحة، أريد أن أسألك. ما الذي حصل، وكيف حصل؟! ولأبدأ بطلحة. كيف وصلت الأمور معه إلى ما وصلت إليه؟ ماذا فعل؟ ما حقيقة أمره؟ إني لا أعرف الرجل، وأنت تعرفه خيراً مني فهل ارتد عن الإسلام؟ هل صحيح ما يدعيه عليه أبو بكر ويتهمه به؟

كان ذلك أول الأسئلة التي طرحها كعب بن عمير على صاحبه الربيع ابن حنظلة.

قال الربيع وهو ينظر إلى كعب باستغراب: كنت أظنك أعقل من ذاك يا عمير! ألم تقل إنك تعرفه؟! فهل عرفت فيه ردة أو خروجاً عن الإسلام؟! لقد جاء وفده إلى المدينة، ونزلوا على وجوه المسلمين فيها. لم يطلبوا إلا اعفاءهم من الزكاة.

وقد أجمع المسلمون الذين أنزلوهم عندهم، على قبول ذلك منهم. وسعوا في مطلبهم عند أبي بكر، مؤكدين أن رأي المسلمين هو قبوله. لكن أبا بكر رفض ذلك وأبى إلا القتال.

أكان طليحة - الذي صغّر أعداؤه اسمه من طلحة إلی طليحة - سيبعث بوفده إلى المدينة، لو كان مرتداً؟! ماذا سيبحث فيها؟! ماذا سيقول الوفد حين يواجه المسلمين هناك، وقد ارتدوا عن دينهم؟! بل لماذا يأتون إلى المدينة وقد أصبحوا أعداء للمسلمين، وأصبح المسلمون أعداء لهم؟! أأمنوا أن يأخذهم المسلمون بتهمة الردة وينفذوا حكمها فيهم؟!

والمسلمون أنفسهم؟! أكانوا سيستقبلون وفد طلحة، وينزلونهم في بيوتهم، وبين المسلمين كبار الصحابة وأهل الدين والسابقة، ثم لا يكتفون بكل ذلك فيصحبونهم إلى أبي بكر دعماً لمطلبهم وتأييداً له واعترافاً بعدم تعارضه مع الإسلام؟!

أكان المسلمون قد ارتدوا هم أيضاً فانضموا إلى المرتدين من وفد طليحة؟! والله يا كعب لقد رأيت هؤلاء، وليس فيهم إلا من يرفع الصوت بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). وماذا يطلب من المسلم أكثر من هذا، إلا أن يكون الإسلام عند قريش، إسلاماً آخر لا نعرفه، ولم يخبرنا به رسول الله.

قال كعب: وماذا بعد؟

٣٧

قال الربيع: ورجع الوفد دون أن يستطيع ثني أبي بكر عما اعتزمه في شأنهم.

وما هي إلا أيام حتى كانت الأشلاء تتناثر في بزاخة والدماء تصبغ أرضها. واختلطت أشلاء باشلاء ودماء بدماء.

وأحسبك تعرف الباقي.

قال كعب: أعرفه: ثكل ويتم وسبي. لقد أرحتني من هم طويل وحيرة بين هؤلاء وهؤلاء. إنه الحق نطق به لسانك.

قال الربيع وابتسامة خفيفة ارتسمت في وجهه: وقلبي مع لساني أو قبله.

قال كعب بعد لحظة صمت: هل لي أن أسألك يا أبا حنظلة عن مالك بن نويرة وبني يربوع وما يشاع عن ردتهم؟! لقد كان مالك من خيار المسلمين وعاملاً للنبي على صدقات قومه، وامرأ فضل ومعروف وعقل، فهل ارتد، وارتد قومه معه؟ هل تستطيع أن  تخبرني يا أبا حنظله، وليس مثلك من أتوجه إليه بالسؤال. واعذرني إذا أثقلت عليك اليوم، فأنا لا أراك إلا نادراً في هذه الأيام.

٣٨

الفصل السادس

البدايات

حروب الردّة

مالك بن نويرة وبنو يربوع

قال الربيع: إن لذلك حديثاً آخر، حديثاً طويلاً، فاعذرني واکتف بماسمعت، فلن يختلف حديث مالك وبني يربوع، وحديث مسيلمة وبني حنيفة، وحديث كندة وغيرهم، عن حديث طليحة. إنه الظلم نفسه، الظلم الذي لا يحسنه أحد کما تحسنه قريش. فدعني يرحمك الله. ذلك حديث ما ذكرته إلا أخذتني الرعشة من صورة أولئك الرجال، والسيوف تحز رقابهم، والنساء لا يملكن غير النحيب، يلقين بأنفسهن على رجالهن فتدفعهن أيد خشنة وكلام أخشن. وهؤلاء الصغار، قد بلل الدمع خدودهم، ساكتين لا يعرفون شيئاً مما يجري، تدور أعينهم بين آبائهم وأمهاتهم... ثم توقف وقد اختنق صوته.

قال كعب وكأنه غير مصدق ما يسمع: أكل ذلك كان؟!

قال الربيع: وأكثر منه. فاترك هذا الحديث يرحمك الله، ويرحمني منه ومن ذكره.

قال كعب: لا والله. أبعد أن سمعت ما سمعت، تريدني أن أترکك؟! لا، لن أتركك دون أن أسمع بقية الحديث. لكني سأكتفي منك ومنه، بالأقل الذي تستطيعه. لن أثقل عليك. إن في حديثك إنصافاً لهؤلاء المظلومين وانتصاراً لهم. لقد كنت أنا بين الظالمين المهتمين لهم، العاذرين لأبي بكر فيما فعله بهم. ألا تريد أن تكون ممن ينصر المظلوم ويدافع عن الحق ويرد الباطل بلسانه، إن لم يستطع ردّه بيده؟! أليس هذا هو الحديث الذي نحفظه ونردده دائماً؟!

قال الربيع وهو يرى إصرار صاحبه ويسمع حجته: سأقبل ما عرضت، على شرط الاختصار. فلدي موعد لا أريد أن يفوتني. قال كعب: لك ذاك، لن يفوتك موعدك.

٣٩

قال الربيع: كنت قد بدأت الحديث، أول ما بدأته، بطليحة وسأبدؤه الآن بمالك بن نويرة وبني يربوع. فيا لهما، اتجه جيش أبي بكر بعد ما قتل (المرتدين) من أصحاب طليحة. إنها مأساة، لا أريد هذا الحديث. لا أريد أن أتذكر. لقد اتجه (سيف الله) مع سيوف أخرى مجردة حادة، إلى البطاح، حيث منازل بني يربوع. وذهبت سرية من الجيش إلى ناحية هناك، كان فيها مالك وعدد قليل من قومه. وجاء وقت الصلاة، فقام مالك ومن معه من بني يربوع لأدائها. كان سلاحهم عليهم، احتراساً منهم وحذراً أن تدهمهم السرية وهم في الصلاة.

قال قائد السرية، وهو يرى السلاح عليهم: ألستم مسلمين؟!

قالوا: بلى. نحن مسلمون وقد حان وقت الصلاة.

قال قائد السرية: ونحن مسلمون مثلكم ونريد الصلاة أيضاً. ولكن مالي أرى السلاح عليكم، وليس وقت سلاح؟

قالوا: نخشى الغدر، وقد تعلمنا أن نحترس. وأنتم ما لكم لا تنزعون سلاحكم؟!

قال قائد السرية: ضعوا سلاحكم ونضع سلاحنا، ولكم ذمة الله وذمة رسوله ألا نغدر بكم ولا نقطع عليكم صلاتكم ولا نتعرض لكم بسوء حتى تكملوها، ثم لا يكون إلا الخير لنا ولكم، وأنتم إخواننا في الدين. وقد حرم الله علينا دماءكم وأموالكم.

وصدق مالك وبنو يربوع، ولم يكونوا ملومين إذا صدقوا وأمنوا بعد ما أعطو ذمة الله وذمة رسوله. لم يعرفوا ماذا خبأ لهم سيف الله!

وحين كانوا في الصلاة، عاجلهم الجند فقتلوا من قتلوا وجاؤوا بالباقين منهم إلى خالد وقد شدوهم وضيقوا وثاقهم، وبينهم مالك بن نويرة.

لم يدر مالك أن ابن الوليد قد أجمع على قتله، فهو لم يفعل شيئاً يستحق به القتل، بل على العكس، لقد طلب من قومه أن يتفرقوا حتى لا يظن بهم السوء ويحتج عليهم بما لم يريدوا.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226