الثاقب في المناقب

الثاقب في المناقب5%

الثاقب في المناقب مؤلف:
الناشر: مؤسّسة أنصاريان
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 697

الثاقب في المناقب
  • البداية
  • السابق
  • 697 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 197200 / تحميل: 7578
الحجم الحجم الحجم
الثاقب في المناقب

الثاقب في المناقب

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة أنصاريان
العربية

١

الاهداء

إليك يا صاحب المعجزات الباهرات الباقيات.

إليك يا نبي الرحمة وخاتم النبيين.

وإلى آلك الطيبين الطاهرين المعصومين الغر الميامين.

أقدم هذا الجهد المتواضع في إحياء هذا الكتاب، وكلي أمل بالله تعالى أن ينال رضاكم، وأن يكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إنه سميع الدعاء.

نبيل رضا علوان

٢

تقريظ

تفضّل الأخ الخطيب والشاعر الحسيني الشيخ محمّد باقر الايرواني النجفي دام توفيقه وأتحفنا بأبيات من شعره تضمّنت تاريخ صدور الكتاب.

وله منّا جزيل الشكر

من هبة المولى الكريم الواهب

فزنا بنيل الخير والمواهب

نسأله التّأييد والمزيد من

توفيقه واليسر في المطالب

فالأمر موكول له جلّ اسمه

وغالب وفوق كلّ غالب

نحمده على عظيم منّه

ان قد هدانا للطّريق الصّائب

والله قد ألهمنا حبّ الولا

لآل بيت المصطفى الأطايب

هم قادة للدّين والدّنيا معا

ومن رجاهم لم يعد بخائب

والله قد شرّفهم على الورى

وخصّهم بأشرف المراتب

وأصبحت طاعتهم مقرونة

بطاعة الله كفرض واجب

لا يشفعون في غد إلاّ لمن

والاهم رغم العدوّ النّاصبي

وها هو الكتاب خير شاهد

أتحفنا به يراع كاتب

أعني النّبيل ابن الرّضا حقّقه

ببالغ الجهد وشوق جاذب

إلى الملا أرّخته: ( قل علنا

عنوانه الثّاقب في المناقب )

١٣٠ / ١٥١

١٨٢ / ٦٣٤ / ٩٠ / ٢٢٤

المجموع ١٤١١ هجري

٣

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدمة المحقق

الحمد لله الأوّل بلا ابتداء، والآخر بعد فناء الأشياء، الوليُّ الحميد، العزيز المجيد، المتفرِّد بالملك والقدرة، الفعّال لما يريد، له الخلق والأمر.

والحمد لله الذي الخلق بقدرته، وجعلهم دليلا على إلهيّته، وبعث فيهم رسلاً مبشِّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل، يأمرونهم بعبادته، وأيّد كلّ رسول بآيات ومعجزاتٍ جعلها دليلاً على صدق نبوّته.

وصلّى الله على محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين، وصاحب المعجز المبين ( القرآن العظيم ) أوّل الثقلين، كتابٌ عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد.

والصلاة والسلام على آله الطيّبين، ثاني الثقلين، والمقرونين بالكتاب المبين، الهداة المهديّين، ذوي الآيات الباهرات، والمعجزات الظاهرات، ومنهل الفضائل والمكرمات، نجوم الهدى وأعلام التُقى؛ ما غرّد طير وشدا.

٤

أمّا بعد:

فقد كان الناس يطالبون كلَّ نبيّ مرسل، أو وصيٍّ، أن يريهم بعض المعجزات وخوارق العادات شرطاً لتصديقه والايمان به فذلك أثبتُ طريق إلى معرفة صدقه واثبات صحّة نبوّته ووصايته، فما هو المعجز؟

« المعجز في اللغة: ما يجعل غيره عاجزا، ثمّ تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن الاتيان بمثله.

وفي الشرع: هو كلِّ حادثٍ، من فعل الله، أو بأمره، او تمكينه، ناقضٌ لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته، أو ما يجري مجراه »(١) .

فالمعجزة إذن هي برهان ساطع، ودليل قاطع، وعلامة صدق، يظهرها الله على يدي النبي أو الوصي عند دعائه أو ادعائه، يمكن للناس من خلالها التمييز بين الصادق والكاذب، ودفع الشكِّ والريب فيه، لئلا تبقى لهم حجّة في معصيته ومخالفته، وليهلك مَن هلك عن بيّنة ويحيا من حيِّ عن بيّنة.

وللمعجز أحكامٌ وشروط لا بدّ من توفّرها ومعرفتها، ذكر الشيخ المصنّف أربعة منها في مقدّمة كتابه هذا(٢) .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ أعظم معجزات الأنبياء، واشرفها منزلة وأسماها رتبة، وأوضحها دلالة هي: ( القرآن الكريم ) الذي فرض اعجازه على كلّ من سمعه على تفاوت مراتبهم في البلاغة، واختلاف مشاربهم وتباين تخصصاتهم؛ أعجزهم اسلوبه ونظمه في الايجاز والإطالة معاً؛

__________________

(١) الخرائج والجرائح ٣: ٩٧٤.

(٢) راجع ص ٤٠.

٥

علومه، حكمه، كشفه عن الغيوب الماضية وأخبار الاُمم السالفة وسير الأنبياء، وإخباره عن الحوادث الآتية والغيب؛ وامتاز ببقائه وخلوده، خاصّة وأن سائر معجزات الأنبياء كانت وقتيّة ذهبت في حينها، ولم يشاهدها إلاّ من عاصرها وحضرها، لذا فهو دليل على صدق اُولئك الرسل والأنبياء، إذ هو مصدِّق لهم، ومخبرٌ عن حالهم.

وقد وصلتنا أخبار وأحاديث هي أكثر من أن تحصى، وأوسع من أن تحوى، دخل جلّها حدّ الاشتهار، إذ جاءت مرويّة بطرق وأوجه كثيرة، وبأسانيد صحيحة مصحّحة، تحكي جميعها معجزات ودلائل النبي والأئمة من أهل بيته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، باينوا بها من سواهم، وسموا بها على سائر الأنبياء والأوصياء المتقدّمين.

فكانوا يرون أصحابهم ومواليهم ومخالفيهم خوارق العادات، ويخبرونهم بما في سرائرهم وقلوبهم من الحاجات والإرادات، وبما كانوا يفعلونه في خلواتهم، كان جلّها ظاهرا لجماعة من الناس، شاهدوه بأنفسهم في أوقات كثيرة، وتناقلوه في مجالسهم، كتظليل الغمامة على رأس الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل البعثة وبعدها، وانشقاق القمر، وردّ الشمس، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتلاوة رأس الحسينعليه‌السلام آيات من القرآن بعد ذبحه، وغير ذلك ممّا يعدّ خرقا للعادة، وملحقا بالأعلام والدلائل الباهرة الدالّة على أنّهم الحجّة العظمى على الخلق.

قال الشيخ أبو عبد الله المفيد في أوائل المقالات: « فأمّا ظهور المعجزات على الأئمة والأعلام - أي العلامات - فإنّه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا، ولا ممتنع قياسا، وقد جاءت بكونها منهمعليهم‌السلام الأخبار على التظاهر والانتشار، وقطعت عليها من جهة السمع

٦

وصحيح الآثار، ومعي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة »(١) .

وقد أثرى علماء الفريقين المكتبة الاسلاميّة بمؤلّفات حوت نزرا يسيرا من معجزات ودلائل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته المنتجبينعليهم‌السلام ، ومن اولئك العلماء الأعلام شيخنا عماد الدين الطوسي.

المؤلف:

هو الشيخ الفقيه المتكلّم المحدّث عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي.

وصفه معاصره الشيخ منتجب الدين علي بن بابويه في الفهرست بـ « الشيخ الإمام فقيه، عالم، واعظ »(٢) .

ووصفه الشيخ الفقيه الحسن بن علي بن محمّد الطبري ( من علماء القرن السابع ) في كتابيه الكامل البهائي ومناقب الطاهرين بـ « الشيخ الإمام، العلاّمة الفقيه، ناصر الشريعة، حجّة الإسلام عماد الدين أبو جعفر محمّد بن على بن محمّد الطوسي المشهدي » وذكر من مصنّفاته كتاب الثاقب في المناقب(٣) .

وذكره العلاّمة الخوانساري في روضات الجنّات فقال: « الشيخ الفقيه المتكلّم الأمين أبو جعفر الرابع عماد الدين محمّد بن علي بن محمّد الطوسي المشهدي، المشتهر بالعماد الطوسي المشهدي، والمكنّى عند فقهائنا الأجلّة بابن حمزة، صاحب الوسيلة، والواسطة، من المتون الفقهيّة المشهورة، الباقية إلى هذا الزمان، والمشار إلى فتاويه وخلافاته النادرة في

__________________

(١) أوائل المقالات: ٤٠.

(٢) الفهرست: ١٦٤.

(٣) روضات الجنّات ٦: ٢٦٢.

٧

كتب علمائنا الأعيان ويظهر أنّه كان في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة، أو تلاميذ ولده الشيخ أبي علي ».

ثمّ نقل كلام الشيخ الفقيه يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي ( من علماء القرن السابع ) في مقدّمة كتاب « نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر » قال: « قال شيخنا السعيد أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه وقال الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي الطوسي المتأخّررضي‌الله‌عنه في الوسيلة وقال الشيخ أبو يعلى سلاّر وقال الشيخ أبو الصلاح ».

قال العلاّمة الخوانساري: « قد ظهر من هذه العبارة تقدّم منزلة الرجل على منزلة مثل سلاّر وأبي الصلاح الحلبي، اللذين كانا من كبار فقهاء زمن شيخنا الطوسيرحمه‌الله ، بل قد يلوح منها مشارفته إيّاهم في الطبقة »(١) .

ابن حمزة مشترك

قال العلاّمة المتتبّع الميرزا عبد الله أفندي في رياض العلماء: « ابن حمزة يطلق على جماعة، وفي الأغلب الأشهر يراد منه الشيخ أبو جعفر الثاني الطوسي المتأخّر صاحب الوسيلة وغيرها في الفقه، أعني الشيخ الإمام عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، الفقيه المعروف؛ ويقال فيه ( محمّد بن حمزة ) أيضا من باب الاختصار ».

ثمّ ذكر جماعة ممّن يطلق عليهم كنية ابن حمزة.

__________________

(١) روضات الجنّات ٦: ٢٦٢ - ٢٦٦.

٨

آثاره العلميّة:

١ - التعميم: ذكره الأفندي في الرياض نقلا عن رسالة لتلميذ الشيخ حسين بن مفلح الصيمري المعمولة لذكر بعض مشايخ الشيعة(١) .

٢ - التنبيه: ذكره الأفندي نقلا عن الرسالة المذكورة، وعن بعض العلماء ولم يذكر اسمه، وسمّاه هذا الأخير: التنبّه(٢) .

وذكرهما الخوانساري في الروضات عن بعض الفهارس(٣) .

٣ - الثاقب في المناقب: وهو هذا الكتاب، وسيأتي الحديث عنه في فصل مستقل.

٤ - الرائع في الشرائع.

٥ - مسائل في الفقه.

٦ - المعجزات: عدّ الكتاب الثلاثة الأخيرة الشيخ منتجب الدين من مصنّفاته(٤) .

ولعل كتاب المعجزات هذا هو نفسه كتاب الثاقب في المناقب، لاتّحاد موضوعهما.

٧ - نهج العرفان إلى هداية الإيمان: نسب هذا الكتاب الشيخ زين الدين في رسالة الجمعة إلى عماد الدين الطبرسي، واستظهر الميرزا الأفندي « أنّه هو هذا الشيخ، فيكون الطبرسي من غلط النسّاخ، والصواب

__________________

(١) رياض العلماء ٥: ١٢٣.

(٢) المصدر السابق.

(٣) روضات الجنّات ٦: ٢٦٥.

(٤) فهرست منتجب الدين: ١٠٧.

٩

الطوسي، إذ لم يعهد عماد الدين الطبرسي »(١) .

ولكن الشيخ آقا بزرك الطهراني ذكره في الذريعة قائلا: « نهج العرفان إلى سبيل الايمان، في الفقه، لعماد الدين الطبري الحسن بن علي ابن محمّد، صاحب بضاعة الفردوس، وتحفة الأبرار، وكامل البهائي، ينقل عنه الشهيد الثاني في رسالة الجمعة »(٢) .

٨ - الواسطة: ذكره الشيخ منتجب الدين، والشيخ الطهراني في الذريعة، وقال: « من أجلّ المتون الفقهيّة المعوّل عليها »(٣) .

٩ - الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ذكره الشيخ منتجب الدين وغيره، وقال عنه الشيخ الطهراني في الذريعة: « من المتون الفقهيّة المعوّل عليها والمنقول عنها في الكتاب الفقهيّة »(٤) .

١٠ - كتاب في قضاء الصلاة: نسبه إليه السيّد ابن طاوس في كتابه « غياث سلطان الورى » ونقل عنه(٥) .

أساتذته وشيوخه:

استظهر العلاّمة الخوانساري في روضات الجنّات من خلال كتابي الشيخ الحسن بن علي الطبرسي « مناقب الطاهرين » و « الكامل البهائي » ومن سائر ما يوجد من النقل عنه في كتب الفتاوى والاستدلال، أنّه كان

__________________

(١) رياض العلماء ٦: ١٢٣.

(٢) الذريعة ٢٤: ٤٢١.

(٣) الفهرست: ١٠٧، الذريعة ٢٥: ١١.

(٤) الفهرست: ١٠٧، الذريعة ٢٥: ٧٥، وطبع أخيرا ضمن منشورات مكتبة أية الله العظمى المرعشي - ( قده ) قم المقدّسة، بتحقيق الشيخ محمّد حسون.

(٥) انظر روضات الجنّات ٦: ٢٦٦.

١٠

في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي، أو من تلاميذ ولده الشيخ أبي علي(١)

واستظهر أيضا(٢) ممّا في مقدّمة « نزهة الناظر » الذي ذكرنا نصّ عبارته، أنّه كان في طبقة الشيخ تقي الدين أبي الصلاح الحلبي ( ٣٧٤ - ٤٤٧ ه‍ ) تلميذ الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى علم الهدى(٣) ؛ وفي طبقة الشيخ أبي يعلى سلاّر بن عبد العزيز الديلمي الذي هو من شيوخ ابن الشيخ الطوسي، والمتوفّى سنة ٤٤٨ أو ٤٦٣ ه‍(٤) .

رغم أنّه شكّك في ذلك فقال: « مع أنّه خلاف ما يظهر من الاجازة وكتب الرجال والأخبار »(٥) .

وقال الشيخ الأفندي في رياض العلماء: « وقد قال بعض العلماء في كتابه أنّهرحمه‌الله تلميذ الشيخ الطوسي وفي كونه تلميذا للشيخ الطوسي محل نظر »(٦) .

وقال في موضع آخر: « وقد يقال إنّه يروي عن الشيخ بلا واسطة، أو بواسطة، وهو الذي ينقل قوله في صلاة الجمعة بالحرمة، لا الآتي - أي أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري - الذي كان خليفة الشيخ المفيد، كما قد يظن »(٧) .

__________________

(١) روضات الجنّات ٦: ٢٦٣.

(٢) المصدر السابق: ٢٦٦.

(٣) رجال الشيخ الطوسي: ٤٥٧.

(٤) أمل الآمل ٢: ١٢٧.

(٥) روضات الجنّات ٦: ٢٦٦.

(٦) رياض العلماء ٥: ١٢٣ و ٦: ١٧.

(٧) المصدر السابق ٦: ١٦.

١١

ولعل منشأ هذا الخلط هو اشتراك الشيخ عماد الدين وأبي يعلى بكنية « ابن حمزة »، وفي اسميهما « محمّد »، وكونهما من كبار فقهاء عصرهما، حتى أنّ بعض العلماء نسبوا كتاب « الوسيلة إلى نيل الفضيلة » إلى الشيخ أبي يعلى، رغم أنّ الشيخ عماد الدين قد نقل قول أبي يعلى في الرمي، في كتاب الحج من الوسيلة: « والرمي واجب عند أبي يعلى »(١) .

والواقع أنّه بعيد الطبقة عن هؤلاء الأعلام، لأنّه ممّن نبغ في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، كما سيأتي بيانه.

والثابت أنّه تلميذ الشيخ الفقيه الجليل محمّد بن الحسين - أو الحسن - الشوهاني.

روى عنه في كتابه هذا قائلا: « حدّثنا شيخي أبو جعفر محمّد بن الحسين بن جعفر الشوهانيرحمه‌الله في داره بمشهد الرضاعليه‌السلام »(٢) .

وفي موضع آخر قال: « وقد سمعت شيخي أبا جعفر محمّد بن الحسن الشوهانيرضي‌الله‌عنه ، بمشهد الرضا عليه الصلاة والسلام، في داره، وهو يقرأ من كتابه، وقد ذهب عنّي اسم الراوي »(٣) .

وروى عنه أيضا في كتابه في قضاء الصلاة على ما في « غياث سلطان الورى » للسيّد ابن طاوس، قال:

« حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسين الشوهاني أنّه كان يجوّز الاستيجار عن الميت »(٤) .

__________________

(١) سلسلة الينابيع الفقهيّة ٨: ٤٤٢.

(٢) الثاقب في المناقب: ١٢٧ ح ٤.

(٣) المصدر السابق: ٣٦٩ ح ٢.

(٤) روضات الجنّات ٦: ٢٦٦.

١٢

ويستفاد من قوله في الثاقبرحمه‌الله أنّه لم يكن حيّا حين تأليف الكتاب، والله أعلم.

ترجم له الشيخ منتجب الدين في الفهرست قائلا: « الشيخ العفيف أبو جعفر محمد بن الحسين الشوهاني، نزيل مشهد الرضا عليه وعلى آبائه الطاهرين السلام، فقيه، صالح، ثقة »(١) .

وهو يروي عن الشيخين المفيدين: أبي علي الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسي، وأبي الوفاء عبد الجبّار بن علي المقرئ الرازي، عن الشيخ الطوسي، كما ذكر ذلك تلميذه ابن شهرآشوب ( المتوفّى سنة ٥٨٨ ه‍ ) في كتابه « مناقب آل أبي طالب »(٢) .

من هذا أيضا يستفاد أنّ الشيخ عماد الدين يروي عن الشيخ الطوسي بواسطتين، وأنّه من طبقة الشيخ ابن شهرآشوب السروي.

تلاميذه والراوون عنه:

يروي عنه السيّد النسّابة جلال الدين عبد الحميد بن السيّد شمس الدين فخار بن معد الحسيني.

صرّح بذلك المحقّق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى، عند ذكره ابن حمزة صاحب الوسيلة، حيث قال:

« وقد رويت جميع مصنّفاته ومرويّاته بالأسانيد الكثيرة والطرق المتعدّدة؛ فمنها الطرق المتعدّدة إلى الشيخ السعيد جمال الدين أحمد بن

__________________

(١) فهرست منتجب الدين: ١٦٥ رقم ٣٩١.

(٢) المناقب ١: ١١، وراجع أيضا أمل الآمل ٢: ٢٥٩، رياض العلماء ٥: ٦١، أعيان الشيعة ٩: ٢٣٣، وقد ورد فيها اسم أبيه مكبّرا ( الحسن ) ومصغّرا ( الحسين ) موافقا لما في الثاقب

١٣

فهد، عن السيّد السعيد العالم النسّابة تاج الدين محمّد بن معيّة العلوي الحسني، عن شيخه السيّد العالم الفاضل علي بن عبد الحميد بن فخار العلوي الحسيني الموسوي، عن والده السيّد عبد الحميد، عن ابن حمزة »(١) .

من هذا يعلم أنّ ابن حمزة هو في طبقة السيّد فخّار بن معد ( المتوفّى سنة ٦٣٠ ه‍ ) ومؤلّف كتاب « الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ».

عصره:

ممّا يؤسف له أنّ كثيرا من أعلام الفكر الإسلامي لم يسجّل لهم تاريخ الميلاد أو الوفاة، ومن اولئك الذين لم يهتد لتاريخ ميلادهم ووفاتهم الشيخ عماد الدين ابن حمزة، فأهملهما من ترجم له، بل أهملوا ذكر كثير من أساتذته وشيوخه وتلامذته والراوين عنه، حيث لم نعرف الكثير منهم.

ولكن، ممّا تقدّم في فصول هذه المقدّمة تبيّن لنا أنّه عاش في القرن السادس الهجري، وألّف كتابه هذا في النصف الثاني منه.

ويؤكّد ذلك ما ذكره هو في كتابه هذا، قال بعد أن أورد حديثا: « وقد نقلت ذلك من النسخة التي انتسخها جعفر الدوريستي بخطّه، ونقلها إلى الفارسية في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ونحن نقلناها إلى العربيّة من الفارسية ثانيا ببلدة كاشان، والله الموفّق، في مثل هذه السنة: سنة ستين وخمسمائة »(٢) .

وأورد في هذا الكتاب بعض مشاهداته، منها قصّة أنو شروان

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠٨: ٧٦.

(٢) الثاقب في المناقب: ٢٣٩.

١٤

المجوسي الأصفهاني الذي بعثه خوارزمشاه ( المتوفّى سنة ٥٥١ ه‍ ) رسولا إلى السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي المتوفّى سنة ( ٥٥٢ ه‍ )(١) .

مدفنه:

قال السيّد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام:

« لا أعرف تاريخ وفاته، غير أنّه توفّى في كربلاء، ودفن في بستان خارج البلد، وقبره اليوم معروف خارج باب النجف، رضي الله تعالى عنه »(٢) .

وأكّد ذلك الشيخ الطهراني في الثقات العيون(٣) ، وعند ذكره لمصنّفاته في الذريعة.

وقال سلمان هادي طعمة، بعد أن أثنى عليه: « ومرقده في الطريق العالم المؤدّي إلى مدينة الهنديّة - طويريج - »(٤) .

الثاقب في المناقب:

وقد ذكره في عداد مصنّفاته جلّ من ترجم له، كما ذكروا له كتابا في المعجزات، ولعله هذا.

وهو في خمسة عشر بابا، وحوى كلّ باب عدّة فصول، فالباب الأوّل في معجزات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه خمسة عشر فصلا.

__________________

(١) المصدر السابق: ٢٠٦.

(٢) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام: ٣٠٤.

(٣) الثقات العيون في سادس القرون: ٢٧٣.

(٤) تراث كربلاء: ١١٦.

١٥

والباب الثاني في بيان معجزات الأنبياء التي ذكرها الله تعالى في القرآن وبيان فضائلهم، وما جعله الله تعالى لأهل بيت نبيّنا عليه وعليهم السلام ممّا يضاهيها ويشاكلها ويدانيها، وفيه أحد عشر فصلا.

وقد ألّف معاصره الفقيه المحدّث المفسّر قطب الدين الراوندي ( المتوفّى سنة ٥٧٣ ه‍ ) كتابا في موضوع هذا الباب بالخصوص، سمّاه « الموازاة بين معجزات نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعجزات أوصيائهعليهم‌السلام ، ومعجزات الأنبياءعليهم‌السلام » حوى أربعة وأربعين فصلا، ثمّ إنّه ألحقه بكتابه « الخرائج والجرائح » وجعله الباب السابع عشر منه.

أمّا الأبواب الثلاثة عشر الاخرى فهي في معجزات فاطمةعليها‌السلام والأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام .

وأمّا الباعث له على تأليف هذا الكتاب فقد ذكره هو في المقدّمة، فقال:

« ثمّ إنّي ذكرت ذات يوم من خصائهم نتفا، ومن فضائلهم طرفا، بحضرة من هو شعبة من تلك الدوحة الغرّاء، وزهرة من تلك الروضة الغنّاء، فاستحسن واردها، واستطرف شاردها، واستحلّى مذاقها، واستوسع نطاقها، وأشار بتصنيف أمثالها، وتزويق ظلالها، وجمع ما بذّ من فوائدها، وشذّ عن فرائدها ».

فتأليفه لهذا « الثاقب » كان استجابة لرغبة ذاك السيّد الشريف، الذي لم يصرّح باسمه.

مصادر الكتاب:

استقى أحاديث وروايات كتابه هذا من طرق عديدة، منها:

- عن شيخه أبي جعفر الشوهاني، كما تقدّم.

١٦

- مشاهداته الشخصيّة لكرامات حدثت في زمانه، كحكاية أنو شروان المتقدّمة، وحكاية محمّد بن علي النيسابوري(١) .

- نقلا عن كتب ومؤلفات، كما أشار لذلك في المقدّمة: « إنّ أصحابنا رضي الله عنهم قد صنّفوا في هذا المعنى كتبا وصحفا ضخمة، وأنا ألتقط منها ما هو أروع إلى السمع، وأوقع في القلب، وأملأ للصدر »(٢) .

ومن الكتاب التي صرّح بأسمائها:

١ - كتاب بستان الكرام: للشيخ المحدّث أبي الحسن محمّد بن أحمد ابن شاذان القمّي، من أعلام القرن الرابع والخامس، نقل حديثين من جزئه السادس والثمانين(٣) .

٢ - مفاخر الرضا: للحاكم النيسابوري أبي عبد الله محمّد بن عبد الله ابن البيع الشافعي ( ٣٢١ - ٤٠٥ ه‍ ) صاحب « المستدرك على الصحيحين »(٤) .

٣ - حلية الأولياء: للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني ( ٣٣٦ - ٤٣٠ ه‍ )(٥) .

٤ - فضائل البتول: لأبي موسى(٦) .

٥ - سير الأئمة: للموليني(٧) .

__________________

(١) الثاقب: ٢٠٦.

(٢) المصدر نفسه: ٣٦.

(٣) المصدر نفسه: ٣٢٨.

(٤) المصدر نفسه: ٤٨٣ ح ١، ٤٩٦ ح ٢، ٥٤٦ ح ٦.

(٥) المصدر نفسه: ٣٥٤.

(٦) المصدر نفسه: ٥٥ ح ٤.

(٧) المصدر نفسه: ١٤٩ ح ٢.

١٧

وعلى ما أعلم فانّه لم يصلنا في هذا العصر من هذه الكتاب الخمسة إلاّ كتاب « حلية الأولياء ».

ومن أجل هذا وغيره فقد تفرّد كتابنا هذا بأحاديث نادرة كان هو المصدر لها في عصرنا الحاضر، لذا كانت مهمّة تخريج أحاديثه كلّها عسيرة جدّا، فبقيت فيه أحاديث لم نعثر لها على مصدر آخر.

النسخ المعتمدة في التحقيق:

١ - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة سماحة البحاثة المحقق العلامة السيد محمد علي الروضاتي الأصفهاني دام مؤيدا فقد تفضل مشكورا وسمح لنا بالمخطوطة نفسها فقابلنا عليها من أولها إلى آخرها وتحتوي المخطوطة على ٢٢٩ ورقة، وكانت أصح النسخ لأن عليها تصحيح صاحب روضات الجنات ( قدس ) ومع ذلك لم أجعلها الأصل بل عملت على التلفيق بين النسخ مع تثبيت الاختلاف بين النسخ في الهامش وكانت النسخة بخط واحد وذكر في آخر صفحاتها أنه تم بعون الله تعالى وتوفيقه على يد أفقر عباد الله الغني محمد بن محمد الحراري الأتريجي كان الله له ولوالديه والمؤمنين غفورا رحيما. وقد رمزت لها بالحرف « ر ».

٢ - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مسجد گوهرشاد في مشهد الإمام الرضا (ع) تحت رقم ٥٤٦ العناوين مكتوبة بالقلم الأحمر، يتكون الكتاب من ١٥٢ ورقة طولها * عرضها ١٥ * ٥، ٢١ سطرا من النسخ الجيد وبخط واحد مع ختم الحاج السيد سعيد النائيني مؤسس المكتبة. وقد رمزت لها بالحرف: ك.

٣ - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة ملك في طهران تحت

١٨

رقم ٣٧٥٦ كتبت بخط الناسخ محمد بن قسط، والعناوين مكتوبة بالقلم الأحمر من مخطوطات القرن الثاني عشر الهجري تقع النسخة في ٢٤٤ ورقة عدد الأسطر ١٥ سطرا في كل صفحة بحجم واحد ١٤ ٣٠ وقد رمزت لها بالحرف: « م ».

٤ - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفيرحمه‌الله العامة في مدينة قم المقدسة تحت رقم (٢٨٢٣) كتبها بخط النسخ الشيخ علي الزاهد القمي، وكتب عناوينها بالخط الأسود وفي حاشيتها تصحيح وعلامات بلاغ ومقابلة بخط الناسخ وفي بدايتها ونهايتها ختم بيضوي « حسين الطباطبائي » تقع النسخة في ٢٧٢ ورقة في كل ورقة ١٥ سطرا بحجم ٢١ ١٥ سم وكانت كثيرة السقط والأغلاط وقد رمزت لها بالحرف: « ش ».

٥ - النسخة الثانية المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي «رحمه‌الله » العامة في قم المقدسة رقم المجموعة (١٢٥١) عدد الأوراق ٨٣ الموجود منها إلى نهاية حياة السيدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام والباقي ساقط من النسخة، والنسخة من القرن الثامن أو التاسع، وقد رمزت لها بالحرف: « ع ».

٦ - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة روضة خيري بمصر مخطوطة سنة ١٠٦٤ ه‍ تحت رقم ٥٤٥ عدد الأوراق ١٩٧، مصورة في معهد المخطوطات العربية في الكويت تحت رقم (١٣٩٧) وقد رمزت لها بالحرف: « ص ».

١٩

شكر وتقدير:

أتقدم بالشكر الجزيل الوافر لسماحة حجة الإسلام والمسلمين أستاذنا المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي « دام ظله » لما ألقاه من تشجيع في الاستمرار في تحقيق هذا الكتاب وإرشادي إلى إمكان وجود نسخ خطية جيدة آخرها نسخة صاحب الروضات في أصفهان فقد تجشم الذهاب معنا إلى أصفهان وتفضل علينا سماحة البحاثة المحقق العلامة السيد محمد علي الروضاتي الأصفهاني دام مؤيدا باعطائها ومقابلتها من أولها إلى آخرها وله منا جزيل الشكر، وكذلك أشكر الأخ عزيز الحاج رحيم الخفاف لما بذل من مشاركة في إخراج هذا السفر الجليل إلى الوجود كما أشكر الاخوة في مؤسسة بعثت لما قدموه لي من ملاحظات قيمة راجيا من الله العلي القدير أن يوفقهم لخير الدارين وخدمة الدين الحنيف.

قم المقدسة - شهر ذي الحجة - ١٤١١ ه‍.

نبيل رضا علوان

٢٠

٢١

٢٢

٢٣

٢٤

٢٥

٢٦

٢٧

٢٨

٢٩

٣٠

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله العلي مجده(١) ، الغالب جنده، الفائض فضله، الدائم طوله، الذي له الخلق والأمر(٢) ، وبيده الخذلان(٣) والنصر، وإليه المرجع والمصير، وهو العليم القدير، لا معقّب لحكمه، ولا عازب(٤) عن علمه، ولا محيص عن قدره، ولا رادّ لقضائه، أحاط بكلّ شيء علما، وأحصى كلّ شيء عددا.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، شهادة قائدها التوفيق، وسائقها التحقيق، وباعثها(٥) الإيقان، وراعيها(٦) البيان.

وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ( انتجبه من أفضل أرومة(٧)

__________________

(١) في ص العزيز، وفي هامشها: العلي بحمده.

(٢) ليس في ر، ك‍، ص.

(٣) في ش، م: الخذل.

(٤) في ر، ك‍: ولا غاية لآخره. وفي ع: ولا غائب.

(٥) وفي ر: وباغيها.

(٦) في ر: وداعيها.

(٧) الأرومة: الأصل الذي ينتسب إليه. « مجمع البحرين - أرم - ٦: ٧ ».

٣١

وأكرم جرثومة، وأفضل قبيلة، ومعدن فضيلة )(١) ، تناسخته كرائم الأصلاب إلى شرائف الأرحام، لم تدنّسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلحقه الضلالة بعنادها، ولم يكنفه إلاّ من ذكا شهابه، وزكا نصابه، وطاب مولده، وكرم محتده، فأظهره من بيت العرب، ومعدن الحسب، من هاشم وعبد المطلب، ( فربّاه بالعلم، وغذّاه بالحلم )(٢) وعلّمه البيان، وأنزل عليه القرآن.

بعثه(٣) ومعالم الدين دارسة، ومناهج الحقّ طامسة، والناس حيارى في سكرة، سكارى في حيرة، فدعا إلى الحقّ، وهدى إلى الصدق، ونصح الخلق، وأمر بالقصد(٤) ، وبعث على الرشد، واحتمل العناء(٥) ، ويظلّ نهاره مجاهداً، ويبيت ليله مكابداً، حتّى أقام عمود الدين، وثبّت(٦) قواعد اليقين، ونفر الشرك هارباً، ونكب الشكّ خائباً، ورست(٧) دعائم الإيمان، ورسخت قواعد(٨) الإحسان، وأظهر(٩) الإسلام، ونفّذ الأحكام، وخلص الدين لله(١٠) ولو كره المشركون.

ثمّ إنّه لمّا دنا أجله وانقضى نحبه وآثر جوار ربّه، نظر لأُمته نظر الوالد لولده، وركّز فيهم راية الحقّ، ونصب لهم لواء الصدق، وخلّف

__________________

(١) ليس في ك.

(٢) في ر، ص، ك‍: وزيّنه بالعلم والحلم.

(٣) في ش، م، ع: ابتعثه.

(٤) في ر، ك‍، ص، ع: بالصدق؛ والقصد: هداية الطريق الموصل إلى الحقّ. « مجمع البحرين - قصد ١٣٧ ».

(٥) في ش، ع، م زيادة: وترك الفناء، وتوسّد البأساء.

(٦) في ر، ك‍: وأثبت.

(٧) في ص، ع: وغرس.

(٨) في ر، ع: قوائم.

(٩) في ر، ك‍: فظهر.

(١٠) « وخلص الدين لله » ليس في ك‍، ر.

٣٢

فيهم الثقلين: كتاب الله، وعترته أهل بيته، دليلين في الظلمة، قائدين إلى الرحمة.

وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، قال الله تعالى:( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (١) وفيه ما يجلو العمى، ويدعو إلى الهدى، وإن كان لا ينطق بلسانه، ولا يحكم ببيانه، ولا يذكر ما فيه، ولا يظهر ما في مطاويه، إلاّ بدليل ناطق، ومقر(٢) صادق، والدليل على أحكامه من جعله النبيّ (ص) له قرينا، ونصبه عليهم أميناً بقوله: « إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، فإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض »(٣) . فهما قرينان متّفقان، وصاحبان لا يفترقان.

وقد جعل عندهم بيانه، وعليهم أنزل قرآنه، ومنهم ظهر برهانه، قال الله تعالى:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٤)

وقد دلّ الكتاب على أنّهم المعصومون من الزلل، المأمونون من الخطل(٥) ، بقوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ

__________________

(١) سورة النساء / الآية: ٨٢.

(٢) في ر، ص: مقرر.

(٣) هذا حديث صحيح، ثابت، مشهور متواتر عن رسول الله (ص) أخرجه الحفاظ وأئمة الحديث في الصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم بطرق كثيرة صحيحة: أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ٣: ١٤، ٢٦، ٥٩، و ٤: ٣٧١، و ٥: ١٨١، ١٨٢، ١٨٩، وفي كتابه فضائل الصحابة ٢: ٥٨٥ / ٩٩ عن أبي سعيد الخدري، ٢ / ٦٠٣ / ١٠٣٢ ومسلم في صحيحه رقم ٢٤٠٨ مع اختلاف فيه، وفي كمال الدين: ٢٤٠ والتستري في إحقاق الحق ٩: ٣٠٩، والفيروزآبادي في فضائل الخامسة من الصحاح الستة ٢: ٥٢، وكتاب عبقات الأنوار حديث الثقلين.

(٤) سورة يونس / الآية: ٣٥.

(٥) في، ص: الخطأ.

٣٣

الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .

ونبّه على أنّهم هم الأمناء على التنزيل، العلماء بالتأويل، بقوله:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) (٢) وذكر أنّه( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (٣) . فهم الفائزون بعلمه، العالمون بحكمه، الملهمون لسرّه، العاملون بأمره، وهم ورثة الأنبياء، وبقيّة الأصفياء، وحملة الكتاب، والمهتدون إلى الصواب بقوله تعالى:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٤) فدلّ على أنّهم الصفوة من الصفوة، والأسوة من الأسوة، ليظهر مواقعها، ويشهر مواضعها، ويسفر(٥) صاحبها، ويزهر مصباحها(٦) ، ولا يغلق بابها، ولا يبهم خطابها، ولا يتقحم راكبها، ولا يتخلل مواكبها(٧) .

قال الله تعالى:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٨) .

ثمّ بيّن على ذلك دليلاً، وهدى إليه سبيلاً بقوله تعالى:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (٩) . فنبّه على أنّهم هم الذريّة والصفوة، والنفس والأسوة،

__________________

(١) سورة الأحزاب / الآية: ٣٣.

(٢) سورة البقرة / الآية: ١٢١.

(٣) سورة الأنعام / الآية: ٣٨.

(٤) سورة آل عمران / الآيتان: ٣٣ - ٣٤.

(٥) في ص: يستقر.

(٦) « ويزهر مصباحها » ليس في ص، ع.

(٧) في ر، م: مناكبها، وفي ص خ ل: مواليها.

(٨) سورة التوبة / الآية: ١١٥.

(٩) سورة آل عمران / الآية: ٦١.

٣٤

والمبرّؤون من الكذب، والمطهّرون من الريب، والمخصوصون بالاصطفاء، والمكرّمون بالاجتباء، والحجج على الخليقة، والهداة إلى الطريقة، بعثاً على حطّ رحل الطلب بفنائهم، وفصل الحكم بقضائهم.

قال الله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١)

ثمّ نفى الاختيار عن غيره، وأضافه إلى أمره بقوله تعالى:( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (٢) فتناسى أكثر الأمّة وصيّته، واجتهدوا في إطفاء نوره، وإخفاء نهجه(٣) ، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره، ويوضّح منهاجه، ويزهر سراجه، ويحيي معالمه، ويرسي دعائمه، فأمدّهم على تشردهم في الأقطار، وتباعدهم في الديار، ممّا تخرّ له الجباه(٤) ، وتتقلّص له الشفاه، وتعنو له الرقاب، وتتضاءل له الألباب من زواهر الآيات، وبواهر البيّنات، ما تأثره المقرّ والجاحد، ويرويه الشامخ والمعاند، وتزداد على مرّ الأيّام جدّة، وعلى كرّ الأيّام عدّة، وعلى كثرة الأعداء ظهوراً، وعلى فترة الأولياء(٥) بهورا، لتأكيد الحجّة، وتبيين المحجّة.

ثمّ إنّي ذكرت ذات يوم من خصائصهم نتفاً(٦) ، ومن فضائلهم طرفاً، بحضرة من هو شعبة من تلك الدوحة الغرّاء، وزهرة من تلك الروضة الغناء، فاستحسن واردها، واستطرف(٧) شاردها، واستحلى مذاقها، واستوسع نطاقها، وأشار بتصنيف أمثالها، وتزويق ظلالها،

__________________

(١) سورة التوبة / الآية: ١١٩.

(٢) سورة القصص / الآية: ٦٨.

(٣) في ش، م، ك‍: بهجته.

(٤) في ش، م، ص، ع: بحركة الحياة.

(٥) في ر، م: الألباء. والفترة: الضعف. « لسان العرب - فتر - ٥: ٤٣ ».

(٦) في ر، ش، م، ك‍، ص: نيفاً.

(٧) في ش، ع، م: واستطرد. وفي ر: واستطرب.

٣٥

وجمع ما بذّ(١) من فوائدها، وشذّ من فرائدها، فاستخرت الله سبحانه في ذلك، وطفقت أجمع على ترتيب غريب، وتركيب عجيب، وأنظم أن أذكر أوّلاً طرفاً من المعجزات لسيّد الأنبياء، وإمام الأولياء محمّد المصطفى (ص)، ثمّ اثنّي بما في كتاب الله سبحانه وتعالى من آيات الأنبياء ودلالات الأصفياء، ثمّ إنّي أذكر بإزاء كلّ آية ما توازيها، وبدل كلّ فضيلة فضيلة تضاهيها، من آيات أئمّتنا ( صلوات الله عليهم ).

ثمّ أستأنف الكلام، وأرتّب النظام، وابتدئ بذكر أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )، وأذكر قليلاً من آياته، وطرفاً من دلالاته.

ثمّ أذكر لسيّدة النساء الإنسية، الحوراء المرضية، فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، ما يدلّ على شرف فضائلها، ويهدي إلى وضوح دلائلها.

ثمّ أذكر لكلّ واحد من الأئمّةعليهم‌السلام ، على الترتيب والنسق، إلى الحجّة المنتظر، بعض آياته، ليدلّ على شرف غايته، إذ لو ذهبت أجمع ما ظهر من الآيات وما بهر على أيديهم(٢) من الدلالات لضاق الزمان، وتعذّر الإمكان، وفني القلم، ونفد البياض.

وإنّ أصحابنا ( رضي الله عنهم ) قد صنّفوا في هذا المعنى كتباً وصحفاً ضخمة، وأنا ألتقط منها ما هو أروع إلى السمع، وأوقع في القلب، وأملأ للصدر، وقد سمّيته بـ « الثاقب في المناقب ».

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك خالصاً لرضاه، ولا يكلني إلى سواه، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

__________________

(١) البذّ: التفرق والانتشار. « لسان العرب - بذذ - ٣: ٤٧٧ ». وفي ندر.

(٢) « على أيديهم » ليس في ص، ع، ش.

٣٦

الباب الأوّل

في ذكر طرف من معجزات نبيّنا محمّد (ص)

ويحتوي على خمسة عشر فصلاً

٣٧

٣٨

١ - فصل:

في بيان مقدمات(*) الكتاب

اعلم وفّقك الله أنّا لو ذهبنا نجمع جميع معجزاته(١) ، ونؤلّف أكثر آياته، لاعترانا الفتور، وأزرى(٢) بنا القصور، لأنّه لم يعط أحد من الأنبياء الماضين ( عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ) آية، إلاّ وقد اعطي مثلها وزيد له(٣) ، لأنّه أفضل البشر، وسيّد الخلق ( عليه أفضل الصلاة والسلام )، وقد اقتصرنا على عدّة آيات تبركاً بذكره، وتيمّنا بنشره.

وقد ظهرت معجزاته على أنحاء، فأظهرها وأسناها وأبهرها وأبهاها: القرآن، لأنّه باق على مرّ الأزمان، لا يزيده طول الأحقاب إلاّ اعتلاء، ولا كثرة التلاوة إلاّ بهاء، ولو ذكرت ما فيه لطال(٤) الخطاب، ولم يسع سطره الكتاب.

وله معجزات أخر، يشهد بصحّتها القرآن، ويحكم بحقيتها

__________________

(*) في ش، م، ك، مقدمة.

(١) في م، ش، ك، ر، ص، معاجزه.

(٢) في م، ش: وازدرآ، وفي ص، ع: وازرانا القصور.

(٣) في ر، ش، ك، م: وأزيد.

(٤) في ر، ك: لأطلت، وفي ص، ع: لا نفصل.

٣٩

البيان، مثل انشقاق القمر، والمعراج، فأعرضنا عن ذكر ذلك(١) لشهرتها بين أهل الإسلام.

وللمعجز أحكام لا بدّ من معرفتها:

أحدها: أن يكون من فعل الله تعالى.

وثانيها: أن يكون خارقاً للعادة.

وثالثها: أن يكون متعذّراً مثله على الخلق في الجنس، مثل إحياء الموتى، أو في الصفة نحو القرآن وانشقاق القمر.

ورابعها: أن يكون موافقاً لدعوى المدّعي، وإنّما يدلّ(٢) المعجز على صدق المدّعي فحسب، سواء(٣) كان مدّعياً للنبوّة، أو الإمامة، أو الصلاح.

وقد يظهر الله تعالى(٤) المعجز على أيدي الصالحين من عباده - بحسب المصلحة - إذا كان الوقت يقتضيه، فلا يدلّ بالإبانة على النبوّة، كما ذهب إليه قوم، وشرح ذلك وبيانه مذكوران في موضعهما.

وما ظهر من آياته (ص) إما ظهر قبل بعثته، أو بعدها.

فالأوّل: إنّما أظهره الله تعالى على يده، تعظيماً له في قلوب الناس، لطموح الأبصار إليه، واعتماد الخلق عليه.

والآخر: إنّما أظهره(٥) عقيب دعواه(٦) ليدلّ(٧) على أنّه

__________________

(١) ليس في م، ص، ع.

(٢) في ر، ص، ع، ش زيادة علم.

(٣) في ش، م، ك بحسب سؤاله إن.

(٤) في ر، ص، ع، ش زيادة: علم.

(٥) في ر: ظهر.

(٦) في ر، ع، ش زيادة: أو على غير ذلك.

(٧) ليس في م، وفي ك، ش،: دل ع، وأبدلناه بكلمة « ليدل » ليصح السياق.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697