مدخل إلى دراسة نص الغدير

مدخل إلى دراسة نص الغدير0%

مدخل إلى دراسة نص الغدير مؤلف:
تصنيف: الإمامة
الصفحات: 145

مدخل إلى دراسة نص الغدير

مؤلف: الشيخ محمد مهدي الآصفي
تصنيف:

الصفحات: 145
المشاهدات: 8355
تحميل: 1664

توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 145 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 8355 / تحميل: 1664
الحجم الحجم الحجم
مدخل إلى دراسة نص الغدير

مدخل إلى دراسة نص الغدير

مؤلف:
العربية

مدخل إلى دراسة نَصّ الغَدير

الشيخ محمّد مهدي الآصفي

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

٣

٤

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

تشكّل الإمامة ركناً أساساً من أركان العقيدة والكيان الفكري والاجتماعي للمسلمين. ولخطورة هذه المسألة وتأثيرها المباشر على سلامة المسيرة والشريعة الإسلامية كانت عناية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالغة واهتمامه واسعاً ومتواصلاً في بيان هذه المسألة. وتشخيص المستحق للإمامة من بعده، بالصفات تارة، وبالشخص تارة أخرى.

ذلك لأن الإمام يخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حفظ الرسالة، وبيان محتواها، والعمل بها، كما يحفظ وحدة الأمة وسلامة مسارها.

ومن الثابت تأريخياً أن أول مسألة اختلف المسلمون فيها هي مسألة الإمامة. فقد حدث الخلاف بين المسلمين في سقيفة بني ساعدة في من يتولى شؤون الإمامة والخلافة، وجسد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطاهر لمّا يزل مسجى.

واستمر الصراع حول مسألة الإمامة والخلافة كأعمق صراع، وأكثر الصراعات أثراً في حياة الأمة فكرياً وسياسياً واجتماعياً.

٥

وهذا الصراع ما كان له أن يحدث، وما كان لتلك الفرقة التي شقَّت صف الأمة على امتداد الأجيال، وأغرقتها بالمواجهة الدموية أن تقع بهذا الشكل الذي حدث، لو أن المسلمين تمسكوا بما صدر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بيان وتشخيص في هذه المسألة.

فقد حرص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مستقبل الأمة، وحفظ مسيرتها منذ بدء الدعوة فلم يكن ليدعها تتخبط في الفوضى والخلاف، وهو الحكيم المؤتمن على هذه الرسالة ومصير الأمة، الذي وصفه ربّ العزة بقوله:( لَقَد جَاءَكُم رَسُول مِن أَنفُسِكُم عَزِيز عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيص عَلَيكِم بِالمُؤمنِينَ رَؤُوف رَحِيم ) التوبة: ١٢٨.

ولقد أرخ رواة الحديث مسألة الإمامة وتشخيص الإمام علي بن أبي طالب مستحقاً لها على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومُعيِّناً له، بدءاً من بداية الدعوة في حديث إنذار العشيرة، يوم جمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني هاشم، ودعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، فنادى فيهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، «فأيُّكم يُؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم إلا علياً، وهو أصغر القوم يومئذٍ حيث قام وقال: أنا يا رسول اللّه، فقال: أنت»(١) .

ويسجل التاريخ والرواة، وعلماء السير أن أبرز حدث تأريخي في حياة الأمة قد حدث بعد رجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حجة الوداع حيث استوقف الحجيج قرب ماء يدعى غدير خم. وألقى فيه خطبته الشهيرة خطبة الوداع، التي جاء فيها: «...أيها الناس إن اللّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه....».

____________________

(١) مسند أحمد: ١ / ١٧٨ ج ٨٨٥، تاريخ الطبري - بتحقيق محمد أبو الفضل: ٢ / ٣١٩ - ٣٢١، شواهد التنزيل - تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي: ١ / ٥٤٢.

٦

وبهذا النص، وبالنص السابق، وبعشرات النصوص من الكتاب والسنة يثبت أنّ الإمامة والولاية مسألة تعيينية، وأن علياً قد عُيِّن بهذا النص وبغيره من النصوص. في حين ذهب فريق آخر من المسلمين إلى تأول هذه النصوص، وحملها على غير ما تحمل من دلالة.

ولقد كان نص الغدير من أشهر النصوص، وأكثرها أهمية في الفكر والمعتقد والتأريخ الإسلامي.

وقد تناول الشيخ محمد مهدي الآصفي في كتابه القيم هذا (المدخل إلى دراسة نص الغدير) مسألة الإمامة ونظريات تعيين الإمام في الفكر والمعتقد الإسلامي من خلال آراء المتكلمين والمفسرين والفقهاء من المذاهب الإسلامية السنية إلى جانب معتقد الشيعة الإمامية، تناول بالنقد والمناقشة والتمحيص والاستدلال والتحليل النظريات الثلاث التي ظهرت في الفكر الإسلامي وهي:

١ - نظرية انعقاد الإمامة بالغلبة والثورة المسلحة.

٢ - نظرية الاختيار (الشورى).

وهاتان النظريتان هما لجمهور أهل السنّة.

٣ - نظرية النص.

وهي معتقد الشيعة الإمامية.

ثم انتهى بعد جولة استدلالية تحليلية، وربط بين العقيدة ومسألة الإمامة والولاية، ومناقشة للأدلة ومستندات النظريات الثلاث إلى إبطال نظريتي الغلبة والشورى، والدفاع عن صحة وأدلة (نظرية النص).

٧

وفي مسارات البحث والاستدلال يجد القارئ منهجاً جديداً في البحث، وبنية نظرية متكاملة في الصياغة والمقدمات والنتائج، وتوظيفاً فنيّاً ناضجاً لأدلة العقل والنقل، وطريقة النقد والاستخلاص.

وإن (مركز الغدير) إذ يشكر للمؤلف هذا الجهد العلمي الموفق ويتولّى طبع ونشر هذا الكتاب القيّم ليدعو القراء إلى قراءته بروح موضوعية، وطريقة حيادية علمية لتحقق الفائدة المرجوة.

سائلين المولى القدير التسديد وقبول العمل، إنّه سميع مجيب.

مركز الغدير للدراسات الاسلامية

١ / رجب / ١٤١٧ هجري

الاتّجاهات الثلاثة في مسألة الإمامة

من خلال قراءة في تاريخ الفقه والكلام الإسلاميين نلتقي ثلاثة اتجاهات وآراء، في مسألة الإمامة والولاية بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي: -

أولاً : نظرية انعقاد الإمامة بالغلبة والثورة المسلّحة.

ثانياً : نظرية الاختيار.

هاتان النظريتان لجمهور أهل السنّة.

ثالثاً : نظرية النص، وهي نظرية الشيعة الإمامية.

وفيما يلي نحاول، إن شاء اللّه، إلقاء نظرة على كلٍّ من هذه النظريات الثلاث ونقدها ومناقشتها.

٨

أولاً - انعقاد الإمامة بالثورة المسلّحة (الغلبة)

يذهب جمهور فقهاء أهل السنّة إلى انعقاد الإمامة للحاكم بالثورة المسلحة والسيطرة على مواقع القوة وإسقاط النظام بالقوة العسكرية، ولا يحتاج انعقاد الإمامة حينئذٍ الى عقد البيعة من قِبَل جمهور المسلمين أو من جانب أهل الحل والعقل. وهذا مذهب معروف وقديم عند أهل السنّة. يقول أبو يعلى الفرّاء:

قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس بن مالك العطار: «ومن غلب عليهم بالسيف، حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً بَرّاً كان أو فاجراً.

وقال أحمد أيضاً في رواية أبي الحرث: يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم، «تكون الجمعة مع من غلب». واحتج بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة، وقال: «نحن مع من غلب»(١) .

ويقول التفتازاني في شرح المقاصد:

إذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة

____________________

(١) الأح كام السلطانية لأبي يعلى: ص ٢٣، ٢٤.

٩

١٠

١١

واستخلاف، وقهر الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له. وكذا إذا كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر، إلا أنّه يُعصى بما فعل، ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواءً كان عادلاً أو جائراً(١) .

ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان:

وجمهور العلماء على انعقادها بهذا الطريق سواء أكانت شروط الإمامة متوافرة في هذا المتغلب أو لم تتوافر فيه، حتى ولو كان المتغلب فاسقاً أو جاهلاً انعقدت إمامته(٢) ، بل لو تغلبت امرأة على الإمامة انعقدت لها(٣) ، وكذا إذا تغلب عليها عبد(٤) ، وذلك لأنّ العلماء ينظرون إلى أنّه لو قيل بعدم انعقاد إمامة المتغلب لأدّى ذلك إلى وقوع الفتن بالتصادم بين المتغلب ومعاونيه، وبين الإمام الموجود ومن يقف بجانبه، ولانتشر الفساد بين الناس بعدم انعقاد الأحكام التي صدرت عن هذا المتغلب، إذ يلزم عليه عدم صحة زواج من زوّجها، لأنه لا ولي لها، وإنّ من يتولّى إمامة المسلمين بعده عليه أن يقيم الحدود أولاً ويأخذ الجزية ثانياً.

بل إنّ العلماء نصّوا على أنّه لو تغلب آخر على هذا المتغلب فقعد مكانه انعزل الأول وصار الثاني إماماً(٥) ، فالعلماء يقارنون بين نوعين من الشر، فيختارون أهونهما إلى الأمّة، ولا يفتون بتعريضها لأعظم الشرّين(٦) .

____________________

(١) شرح المقاصد: ٥ / ٢٣٣.

(٢) مآثر الانافة في معالم الخلافة لأحمد بن عبد اللّه القلقشندي: ١ / ٥٨.

(٣) إرشاد الساري للقسطلاني: ١٠ / ٢٦٣.

(٤) المصدر السابق: ص ٢٦٤.

(٥) حاشية ابن عابدين: ٣ / ٤٢٨.

(٦) رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي: ص ٢٩٣ - ٢٩٤.

١٢

المناقشة

وهذا كلام لا يسلم من المؤاخذة والمناقشة. ونلخّص نحن مؤاخذاتنا على هذا الاستدلال في ثلاث نقاط:

النقطة الاُولى

إنّ الأصل في الموقف الشرعي من الفئات التي تغتصب السلطة الشرعيّة ليس هو الاستسلام والقبول والانقياد، وإنما الرفض، والرد، وتحريم الركون، حتى فيما إذا عجزت الأمّة عن أداء فريضة النهي عن المنكر والرفض والرد، فيما إذا كان من غير الممكن إحباط الثورة المسلّحة، ونصرة الإمام المغلوب على أمره، وكان مردود المقاومة سلبياً على الأمّة، وضرّها أكثر من نفعها... أقول:

حتى في هذه الحالة يكون الكفّ عن المقاومة والرفض استثناءً وليس بأصل، والأصل هو المقاومة، ولا ننفي هذا الاستثناء في ظرفه الخاص به، إلا أنّ الاستثناء يبقى استثناءً، ولا يتحوّل الى أصل.

وعندما نستعرض كلمات هؤلاء الأعلام نجد أنهم يقررون الحكم بالتسليم، والركون، والانقياد، وحرمة المعارضة والمقاومة على نحو الأصل، وليس على نحو الاستثناء.

وقد قرأنا قبل قليل كلمة الإمام أحمد برواية عبدوس بن مالك القطان: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً».

النقطة الثانية

إنَّ مآل هذا الاستدلال - إذا سَلِمَ من المؤاخذة الأولى - إلى «قاعدة الضرر»

١٣

المعروفة لدى الفقهاء، والتي تبتني على الحديث المعروف عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(١) .

الاستدلال بقاعدة الضرر:

وتقرير الاستدلال ب‍(قاعدة الضرر):

إنّ المقاومة والرفض إذا كانا يتسببان للمؤمنين بضرر بليغ وكان الضرر فيها أكبر من نفعها... فإنّ قاعدة الضرر ترفع الحكم بتحريم الركون والانقياد للحكم الجديد، كما ترفع الحكم بوجوب المقاومة والرد، إذا كانت هذه المقاومة سبباً للإضرار بالمؤمنين.

فإنّ القاعدة في هذه الحالة تكون - كما يقول علماء الأصول - حاكمة على إطلاقات الأحكام الأولية المقتضية للمقاومة والرد والرفض، وترفع إطلاقها، وتقيّدها بما إذا لم تكن ضررية، كما أنّ وجوب الصلاة والوضوء والصوم في إطلاقات الوجوب يرتفع في حالات الضرر. ومهمّة دليل الضرر هو التصرف في ناحية المحمول ورفع الحكم (المحمول) فيما إذا كان ضررياً، سواءً كان حكماً تكليفياً كما في الأمثلة المتقدمة، أو حكماً وضعياً، كاللزوم في المعاملات الضررية.

قاعدة الضرر رافعة وليست بمشرّعة:

والمناقشة في هذا الاستدلال واضحة، فإنّ دليل الضرر يرفع الحكم الذي ينشأ منه الضرر على المكلّف، سواءً كان حكماً تكليفياً كوجوب الصلاة والصيام، أو حكماً وضعياً كاللزوم في المعاملة، دون أن يكون لدليل (الضرر) تأثير في وضع

____________________

(١) نصب الراية لأحاديث الهداية / الزيلعي: ٤ / ٣٨٤. من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ٤ / ٣٣٤ حديث ٥٧١٨.

١٤

الحكم الذي يكون عدمه ضررياً للمكلف سواءً في ذلك الحكم الوضعي والحكم التكليفي.

فإنّ دليل (لا ضرر ولا ضرار) لا يزيد مقتضاه على النفي ورفع الحكم الذي يتسبب في إضرار المكلّف دون إثبات الأحكام التكليفية والوضعية التي يتضرر المكلّف من عدمها.

ولذلك يقول الفقهاء إنّ دليل الضرر رافع فقط وليس بمشرّع ولا واضع.

فلا يمكن إثبات الضمان مثلاً بقاعدة الضرر في المعاملات التي يترتب فيها الضرر على عدم الضمان، وعليه فلا يمكن الاستدلال بهذا الدليل إذا صح الاستدلال به في أكثر من رفع الإلزام بمعارضة الحاكم الظالم المتغلب، ورفع وجوب النهي عن المنكر، ومقاومة الفئة الظالمة المتغلبة على الأمر.

وهذا هو أقصى ما يمكن استفادته من دليل الضرر الذي هو روح الاستدلال الذي قرأناه في النص المتقدم، ولا يتكفل دليل الضرر قطعاً إثبات شرعية الإدارة التي قامت بصورة غير مشروعة، وانعقاد الإمامة للحاكم الذي فرض سلطانه على المسلمين بالانقلاب العسكري، من دون بيعة ورضاً من المسلمين، كما لا يثبت دليل الضرر صحة الزواج الذي يعقده الحاكم الذي جاء بطريقة غير مشروعة لغير البالغة ولغير البالغ، ولا يثبت حق الحاكم في إجراء الحدود الشرعية، أو شرعية نزع الأملاك وجباية الأموال، فإنّ مقتضى دليل الضرر كما ذكرنا لا يزيد على الرفع، ولا يصل إلى مرحلة الوضع.

وليس ما وراء هذا الدليل دليل آخر للحكم بوجوب الانقياد للظالم المتغلب على البلاد والعباد.

١٥

النقطة الثالثة

وأبلغ من ذلك كله في مجافاة روح الإسلام تصريح فريق من الفقهاء بانعقاد الإمامة للحاكم المتغلب حتى إذا كان فاسقاً، ظاهر الفسق، جاهلاً، بيّن الجهل، فاجراً، مجاهراً بالمنكرات، لا يتورّع عنها.

وقد أوجبوا طاعة الحاكم المنتصر المتغلب مع كل هذه الصفات. والقرآن والسنّة الصحيحة صريحان في الرفض، والرد، والمقاومة، ووجوب النهي عن المنكر، وحرمة الركون والطاعة.

يقول تعالى:( وَلا تَركَنُوا إلى الّذينَ ظَلَمُوا فَتَمسّكُمُ النّارُ ) هود: ١١٣.

ويقول تعالى:( ولا تُطيعُوا أمرَ المُسرفينَ* الّذِينَ يُفسِدُونَ في الأرضِ وَلا يُصلحُونَ ) الشعراء: ١٥١ - ١٥٢.

ويقول تعالى:( فَاصبِر لِحُكمِ رَبّك وَلا تُطِع مِنهُم آثِماً أو كَفُور ) الإنسان: ٢٤.

ويقول تعالى:( وَمَن يُشاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعدِ مَا تبيَّن لهُ الهُدى ويتَّبع غَيرَ سَبيلِ المُؤمنينَ نُولّهِ ما تَوَلَّى ونُصلهِ جَهَنّمَ وَسَاءت مَصِير ) النساء: ١١٥.

ويقول تعالى:( وَلا تُطع مَن أغفَلنَا قَلبهُ عَن ذِكرنا واتّبعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمرُهُ فُرُط ) الكهف: ٢٨.

ويقول تعالى:( ألمَ تَرَ اإلى الّذِين يَزعُمون أنّهُم آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيك وَما أُنزِلَ مِن قَبلِك يُريدُونَ أن يَتَحَاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وَقَد أُمِرُوا أن يَكفُرُوا بِهِ وَيُريدُ الشّيطَانُ أن يُضِلَّهُم ضَلالاً بَعيد ) النساء: ٦٠.

ويقول تعالى:( إنَّ الّذينَ توَفاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمي أنفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنتُم قالُوا

١٦

كُنّا مُستَضعَفينَ في الأرض قالُوا ألَم تَكُن أرضُ اللّه واسِعةً فَتُهاجِرُوا فِيهَا فاُولئك مَأواهُم جَهَنَّمُ وَسَاءت مَصير ) النساء: ٩٧.

وهذه الآية الكريمة، وان كانت تخص من حيث المورد المستضعفين من المسلمين من الذين لم يهاجروا مع رسول اللّه إلى المدينة، ولم يلتحقوا به، إلا أنّ هذا المورد لا يخصص الوارد قطعاً، وتبقى الآية المباركة على شمولها في الدلالة على وجوب رفض الظلم والاستكبار والاستضعاف بكل الأشكال والوسائل حتى لو اقتضى الأمر الهجرة.

ويقول تعالى:( وَالّذينَ إذا أصَابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرُون ) الشورى: ٣٩. ويأمر القرآن بقتال الفئة الباغية، حتى تفيء إلى أمر اللّه:( وإن طَائفتانِ مِن المُؤمنينَ اقتَتَلُوا فأصلِحُوا بَينَهُمَا فإن بَغَت إحدَاهُمَا عَلَى الأُخرى فَقاتِلُوا الّتي تَبغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمرِ اللّهِ ) الحجرات: ٩.

والآية الكريمة، وإن كانت نازلة في مورد الاقتتال بين المؤمنين، ولكنها صريحة وواضحة في الأمر برفض البغي، وقتال الباغي حتي يفيء إلى حكم اللّه.

في الدر المنثور عن رسول اللّه: «إنّ رحى الإسلام ستدور، فحيث ما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرّقا. إنّه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره، فإن أطعتموهم أضلّوكم وإن عصيتموهم قتلوكم. قالوا: يا رسول اللّه فكيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: تكونوا كأصحاب عيسىعليه‌السلام : نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب. موت في طاعة خير من حياة في معصية»(١) .

وفي نهج السعادة: قال أبو عطاء: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي

____________________

(١) الدر المنثور: ٣ / ١٢٥ في تفسير الآية ٧٨ من سورة المائدة.

١٧

طالبعليه‌السلام محزوناً يتنفّس فقال: «كيف أنتم وزمان قد أظلكم، تعطّل فيه الحدود ويتّخذ المال فيه دولاً، ويعادى فيه أولياء اللّه، ويوالى فيه أعداء اللّه؟ قلنا يا أمير المؤمنين، فإن أدركنا ذلك الزمان فكيف نصنع؟ قال: كونوا كأصحاب عيسىعليه‌السلام : نشروا بالمناشير وصلبوا على الخشب، موت في طاعة اللّه - عزَّ وجلَّ - خير من حياة في معصية اللّه»(١) .

____________________

(١) نهج السعادة: ٢ / ٦٣٩ رقم ٣٤٥.

ثانياً - نظرية الاختيار

ذهب القائلون بهذه النظرية إلى انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد من المسلمين(١) . واعتبروا هذا الاختيار كاشفاً عن إذن اللّه تعالى، وعلى هذا الأساس جعلوا اختيار الناس للإمام مصدراً لشرعية الولاية والإمامة.

تنعقد الإمامة بالبيعة

وعلى هذا الرأي تنعقد الإمامة والولاية للحاكم بصورة فعليّة وناجزة ببيعة جمع من أهل الحل والعقد يمثلون عادةً إرادة مساحة واسعة من الأمّة أو ببيعة مباشرة من شريحة كبيرة من الأمّة، بكيفية وكمية يعتدّ بها عادة في أمثال هذه المسائل التي يربطها الشارع بإرادة الجمهور، اذا كان الحاكم يستجمع الشروط التي يطلبها الشارع في الإمام. وإلى هذا الرأي يذهب جمهور فقهاء أهل السنّة ومتكلميهم. وفيما يلي نذكر بعض كلمات أعلام الجمهور:

١ - رأي الماوردي:

يقول أبو الحسن علي بن محمد الماوردي المتوفّى (٤٥٠ هجري): فإذا اجتمع أهل

____________________

(١) راجه شرح المقاصد: ٥ / ٢٣٤، وشرح المواقف للشيخ أبي علي: ٨ / ٣٥١.

١٨

١٩

العقد والحل للاختيار تصفّحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمّة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته(١) .

٢ - رأي القاضي عبد الجبار:

ويقول القاضي عبد الجبار المتوفّى (٤١٥ هجري) في المغني: وإن أقام بعض أهل الحل والعقد إماماً سقط وجوب نصب الإمام عن الباقين، وصار من أقاموه إماماً، ويلزمهم إظهار ذلك بالمكاتبة والمراسلة، لئلا يتشاغل غيرهم بإمام غيره. وقد وقعت الكفاية، ولئلا يؤدي ذلك إلى الفتنة. فعدم مبايعة سائر أفراد الأمّة لا يؤثر في انعقاد الإمامة، لأنّ العقد تمّ بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد، ولا يكون العقد صحيحاً إذا لم يبايع الإمام أهل الحل والعقد(٢) .

٣ - رأي القرطبي:

ويقول أبو عبد اللّه القرطبي المتوفّى (٦٧١ هجري) في الجامع لأحكام القرآن: الطريق الثالث لإثبات الإمامة: إجماع أهل الحل والعقد: وذلك أنّ الجماعة في مصر من أمصار المسلمين، إذا مات إمامهم، ولم يكن لهم إمام ولا استخلف، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماماً لأنفسهم، اجتمعوا عليه،

____________________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٧.

(٢) المغنى في أبواب التوحيد والعدل، إملاء القاضي عبد الجبار بن أحمد راجع: ص ١١ الجزء - العشرين - القسم الأول في الإمام: ص ٣٠٣ - ط - ١٩٦٦.

٢٠