نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ٦

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 423

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 423
المشاهدات: 119178
تحميل: 3284


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 423 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 119178 / تحميل: 3284
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 6

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

عبد الله بن محمد بن بشر العبدي، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: قالت عائشة - رضي الله عنها - وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وأبي بكر، فقالت: إنّي أحدثت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - حدثاً إدفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع.

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(١) .

٦. لو أخرجاه لأنكره المتعنتون

ولو أن البخاري ومسلما قد أخرجا حديث الغدير في كتابيهما، لأنكر المتعصّبون المتعنّتون الحديث ونفوا صحته وقدحوا فيه وأبطلوه:

نماذج مما أخرجاه وأنكروه

أليس قد أبطل أبو الحسن الآمدي حديث المنزلة(٢) وهو من أحاديث الكتابين وتبعه في ذلك: ابن حجر المكي، وعضد الدين الإِيجي، وأبو الثناء الاصفهاني شارح المطالع، وأشعر بذلك علاء الدين القوشجي، وأسقطه سعد الدين التفتازاني من درجة الاعتبار؟!

أليس قد أبطل السهارنفوري في مرافضه، و ( الدهلوي ) في تحفته حديث هجر فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليهما وآلهما وسلّم - أبا بكر بن أبي قحافة حتى توفيت، مع أنه في الصحيحين؟! و هذا نصه عند البخاري في باب فرض الخمس: « حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح، عن

___________________

(١). المستدرك على الصحيحين ٤ / ٦.

(٢). وهوقوله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -: « علي مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي ».

وهذا الحديث متواتر سنداً، ومن أقوى الأحاديث وأوضحها دلالة على إمامة أمير المؤمنين - عليه‌السلام - بعد رسول الله - صلّى الله عليهما وآلهما - بلا فصل. وهو من الأحاديث التي بحث عنها في هذه الموسوعة، وفقنا الله تعالى لنشره بمحمد وآله الطاهرين.

١٤١

ابن شهاب [ قال ]: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن فاطمة [ عليها‌السلام ] بنت رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ممّا أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال: لا نوّرث ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت » (١) .

وقال البخاري في باب قوله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا نورث عروة، عن عائشة: إنّ فاطمة والعباس [عليهما‌السلام ] أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وهما يومئذ [ حينئذٍ ] يطلبان أرضيهما من فدك وسهمه [ سهمهما ] من خيبر، فقال لها أبو بكر: سمعت رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - يقول: لا نوّرث ما تركناه صدقه، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال، قال أبو بكر: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - يصنعه فيه إلّا صنعته.

قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت »(٢) .

وأخرج البخاري هذا الخبر بالتفصيل في باب غزوة خيبر من كتاب المغازي كما ستطّلع عليه. وأخرجه مسلم أيضاً في باب حكم الفيء من كتاب الجهاد.

فالعجب من أهل السنّة يسقطون أحاديث الكتابين الصريحة في غضب الصديقة الطاهرة عليها الصلاة والسلام على أبي بكر حتى وفاتها، متشبثين بروايات هذا وذاك، وهم مع ذلك يقدحون بحديث الغدير المتواتر بدليل عدم إخراج البخاري ومسلم إيّاه!!

وهكذا طعن بعضهم في حديث امتناع أمير المؤمنينعليه‌السلام عن بيعة أبي بكر مدة ستة أشهر، بالرغم من أنه من أحاديث الكتابين، وذلك لأنه حديث

___________________

(١). صحيح البخاري ٤ / ٩٦.

(٢). صحيح البخاري ٨ / ١٨٥.

١٤٢

يهدم أساس الخلافة التي يزعمون قيامها باجماع المسلمين ...؟؟؟ الفاضل حيدر علي الفيض آبادي كيف يحاول الحصول على مطعن في الحديث متناً وسنداً، وهو في نفس الوقت ممن يحترم الشيخين ويعظّم الصحيحين؟!

إنّه يقول: « نعم يمكن أن يفهم من ظاهر رواية الصحيحين قصة فدك - من حديث الصديقة أم المؤمنين - أنه قد أبى عن بيعة الصديق مدة حياة فاطمة الزهراء، فكما لا يكون هذا التباطؤ دليلاً واضحاً على عدم لياقة الصديق للخلافة، كذلك لا يكون دليلاً واضحاً على التخلّف عن البيعة، لما روى الفريقان من: أنه قد أقسم أن لا يرتدي بعد رسول الله حتى يجمع القرآن - سوره وآياته - حفظاً أو كتابة وقد روي الحديث في الاستيعاب والصواعق من كتب أصحابنا، وفي الاحتجاج للفاضل الطبرسي وغيره من كتب الامامية ».

ثم قال المولوي حيدر علي بعد ذكر وجوه في توجيه تخلّفهعليه‌السلام عن البيعة: « فقد علم أن هذا التباطؤ المخرّج في الصحيحين، غير قادح في الاجماع ».

قال: « بقي كلام يتعلق بسند هذه الاحاديث، فأقول - أسوة بالبيهقي وغيره، كما هو غير خفي على من نظر في شروح البخاري مثل إرشاد الساري - إن هذا الحديث الدال على التأخّر عن البيعة، يرويه أبو سعيد، وهو ضعيف وغير معتمد، لعدم إسناد الزهري، ورواية أبي سعيد التي مفادها بيعة أمير المؤمنين والزبير - رضي الله عنهما - في اليوم الأول مسندة وموصولة، فتكون هذه أصح ألبتة »(١) .

أقول: إذا أردنا محاسبة هذا الكلام ومناقشته من جميع جوانبه، لخرجنا عن المقصود، غير أنّا نكتفي بالقول بأن دعوى عدم إسناد الزهري الحديث كذب

___________________

(١). منتهى الكلام لحيدر علي الفيض آبادي الهندي: ١٢٧.

١٤٣

محض،ففي الكتابين أن الزهري يروي هذه الأحاديث عن عروة، عن عائشة، قال البخاري في باب غزوة خيبر من كتاب المغازي:

« حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن فاطمة [عليها‌السلام ] بنت النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلت الى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - مما أفاءه الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال: لا نورّث ما تركناه صدقة، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً.

فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ستة أشهر. فلمّا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر و - صلّى عليها، وكان لعلي في الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهيّة أن يحضر [ المحضر ] عمر، فقال عمر: لا والله، لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي، والله لآتينّهم. فدخل عليهم أبو بكر فتشهّد علي فقال: إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله اليك، ولكنّك استبددت علينا بالأمر، وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصيباً، حتى فاضت عينا أبي بكر.

فلمّا تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أحبّ إليّ من أهل [ من أن أصل ] قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم في هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - يصنعه فيها إلّا صنعته، فقال عليّ لأبي بكر: موعدكم العشية للبيعة.

١٤٤

فلمّا صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهّد وذكر شأن علي وتخلّفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهّد علي فعظّم حق أبي بكر، وحدّث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضّله الله به، ولكنا [ كنا ] نرى لنا في هذا الأمر نصيباً فاستبدّ علينا فوجدنا في أنفسنا.

فسرّ بذلك المسلمون وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى عليّ قريباً حين راجع الأمر بالمعروف»(١) .

وفي مسلم: « حدّثني محمد بن رافع، قال: نا حجين، قال ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة » الحديث(٢) .

فظهر أن رواية الزهري موصولة، وأن دعوى القطع وعدم الاسناد فيها كذب صريح.

وكذا نسبة هذه الرواية إلى أبي سعيد، فإنّه قد روى الشيخان الخبر عن عائشة لا عن أبي سعيد

ومن العجيب في المقام أن المولوي حيدر علي يعزو نسبة هذا الحديث إلى أبي سعيد، إلى كتاب ( إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ) والحال أنّه لا أثر لذلك في الكتاب المذكور، وهذا نصّ كلام القسطلاني فيه:

« وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري -رضي‌الله‌عنه -: إن عليا بايع أبا بكر في أول الأمر، وأمّا ما في مسلم عن الزهري أنّ رجلاً قال له: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة -رضي‌الله‌عنه - قال: ولا أحد من بني هاشم، فقد ضعّفه البيهقي بأنّ الزهري لم يسنده وأنّ الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح »(٣) .

هذا نص ما جاء في هذا الكتاب، فأين هذا من ذاك؟

___________________

(١). صحيح البخاري ٥ / ١٧٧ - ١٧٨.

(٢). صحيح مسلم ٥ / ١٥٣ - ١٥٤.

(٣). إرشاد الساري لصحيح البخاري ٦ / ٣٦٣.

١٤٥

والظاهر أن المولوي الفيض آبادي وجد هذه النسبة في كلام ابن حجر المكي، فحسبها مطابقة للواقع ونقلها - من دون مراجعة كتاب مسلم وكلمات المحدثين - مع غزوها إلى القسطلاني، وهذا نص كلام ابن حجر المكي بعد نقل الحديث:

« ثمّ هذا الحديث فيه التصريح بتأخير بيعة علي إلى موت فاطمة - رضي الله عنها -، فينافي ما تقدم عن أبي سعيد أنّ عليّاً والزبير بايعا من أول الأمر، ولكن هذا الذي مرّ عن أبي سعيد هو الذي صححه ابن حبان وغيره.

وقال البيهقي: وأما ما وقع في صحيح مسلم عن أبي سعيد من تأخر بيعته هو وغيره من بني هاشم إلى موت فاطمة - رضي الله عنها - فضعيف، فإنّ الزهري لم يسنده. وأيضاً: فالرواية الأولى عن أبي سعيد هي الموصولة فتكون أصح. إنتهى.

وعليه فبينه وبين خبر البخاري المار عن عائشة - رضي الله عنها - تناف »(١) .

فعلم أنّ ابن حجر احتج برواية عائشة الواردة مسندة في كتابي البخاري ومسلم، لاثبات فضيلة لأبي بكر، ثمّ ناقض نفسه بترجيح رواية أبي سعيد الخدري عليها، متمسكاً بتصحيح ابن حبّان لها وناقلاً كلام البيهقي في تضعيف رواية مسلم، ولكن نسبة رواية مسلم إلى أبي سعيد الخدري خطأ فضيع، إمّا من البيهقي وإمّا من ابن حجر المكي نفسه.

وعلى كلّ حال فإن تضعيف البيهقي لا مساس له بأصل الحديث، بل إنّه متوجه إلى الفقرة التي جاءت مصرّحة بتخلّف جميع بني هاشم عن البيعة مع الإمامعليه‌السلام ، وقد انفرد مسلم بروايتها كما يظهر من كتاب ( جامع الأصول ).

فهو إذاً لا مساس له بأصل الحديث الوارد مسنداً عن عائشة في الكتابين، فإرجاعه اليه كما في كلام صاحب ( المنتهى ) باطل.

___________________

(١). الصواعق المحرقة: ٩٠.

١٤٦

وبما ذكرنا يتّضح أنّه متى كان الحديث مؤيّداً للامامية، وجّهوا إليه أنواع القدح، وتكلّفوا في ردّه حتى مع كونه من أحاديث الكتابين.

* * *

ولقد اضطرب المولوي حيدر علي، تجاه الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب المغازي، والذي تضمّن قصّة فدك وهجر الزهراءعليها‌السلام أبا بكر، وامتناع أمير المؤمنينعليه‌السلام عن البيعة مدة ستة أشهر، فجاء يقدّم رجلاً ويؤخّر أخرى حيران لا يدري ما يصنع لكنه بالتالي لم يجد بدّاً من إبطاله، فبالغ في ذلك، وكدّ كيده في ردّ هذا الحديث الصحيح، ونفي تلك الحقيقة الراهنة، فجعل يقول:

« وأنت إذا أحطت خبراً بما مر وما سيأتي من أقوال المخالفين علمت أن جميع تلك الاشكالات إنما تتوجه على تقدير صحة الحديث، لكن المستفاد من كتب المحدثين - بعد التمحيص والتحقيق - وقوع الشك في صحة أحاديث للبخاري ومسلم، إلّا أن تلك الأحاديث قليلة جداً، وهي في الكتاب الثاني أكثر منه في الأول.

وعلاوة على هذا، فإن لابن الاثير -رحمه‌الله - كلاماً في جامع الأصول، في الفرع الثالث المختص بطبقات المجروحين، يدل على إقرار بعض الوضاعين بوضع حديث فدك، وهذا نص كلامه:

« ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوىً يدعون الناس إليه، فمنهم من تاب عنه وأقرّ على نفسه، قال شيخ من شيوخ الخوارج - بعد أن تاب -: إنّ هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيّرناه حديثا. وقال أبو العينا: وضعت أنا والجاحظ حديث فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد، فقبلوه إلّا ابن شيبة العلوي، فانه قال: لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله، وابى أن يقبله إلى آخره بلفظه.

١٤٧

ويمكن الوقوف بعد التتبع اليسير لكتب الحديث والكلام، من تصانيف أهل الحق والامامية، على مفتريات الشيعة ومطاعنهم في الخلفاء الراشدين، ولا سيما الأحاديث المتعلقة بقصة فدك، وذلك بوصف التسنّن والاعتزال، وقد سبق أن معرفة هؤلاء وإخراجهم من بين أهل السنّة أمر عسير »(١) .

فإذا كان هذا الحديث المخرج في مواضع من كتاب البخاري موضوعاً فأيّ قيمة تبقى لهذا الصحيح وللبخاري!؟ وبأيّ دليل يقال: إن كل حديث لم يخرجاه فهو غير صحيح؟

ثم إن المولوي حيدر علي عاد في كتابه مرة أخرى ليثبت بصراحة وجود أحاديث موضوعة في صحيح البخاري وغيره، قد دسها فيه الشيعة، فقال:

« وبما أن هذه الرواية تخالف الدراية والروايات الأخرى، فإنّه لا يمكن الاعتماد عليها، أفهل يصدّق عاقل ديّن بعدم مبايعة أمير كل أمير، المصداق لـ « علي مع الحق والحق مع علي » مدة ستة أشهر ليكون - والعياذ بالله - من مصاديق قوله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » على ما سنحققه، إن شاء الله تعالى »(٢) .

* * *

وتصدى هذا الفاضل لردّ حديث القرطاس - المخرج في سبعة مواضع من البخاري، وبثلاثة طرق عند مسلم - زاعماً أنه من مفتعلات الشيعة نظير حديث فدك على حدّ زعمه فقال:

« كما نقل ناقضوا هفوات المشهدي عن الآمدي أنه قال في مسنده بأن قصة « ايتوني بقرطاس » لا أساس لها من الصحة، وأنهم نقلوا عن شيوخ المحدّثين أنه قد ظهر بعد التحقيق وجود مائتين وعشرة أحاديث ضعيفة في الصحيحين، تفرّد

___________________

(١). إزالة الغين لحيدر علي الفيض آبادي الهندي: ٥٨٢.

(٢). إزالة الغين لحيدر علي الفيض آبادي الهندي: ٥٨٩.

١٤٨

منها البخاري بثمانين، ويبلغ ما تفرد به مسلم المائة، وقد اشتركا في إخراج ثلاثين. إنتهى.

فحال حديث القرطاس عند أحقر الناس كحديث فدك »(١) .

أقول: وعلى هذا الأساس يسقط الاستدلال بعدم إخراجهما حديثاً من الأحاديث لغرض القدح فيه

* * *

وقال في الجواب على ما ألزم به من أن الحنفية يخالفون أحاديث البخاري: « المغالطة الأولى: إن أصحاب أبي حنيفة قد ذهبوا إلى الملازمة بين صحة حديث البخاري ووجوب العمل به، ثم وقعوا في ورطة فقالوا: إما أن تكون أعمال الحنفية مخالفة للاحكام الالهيّة، وإما أن يكون أكثر أحاديث البخاري غير صحيح.

ولكن هذا التقرير إنما جاء نتيجة غلبة الشهوة على العقل، وإلّا فكون العلم بكلّ حديث ورد في البخاري واجباً، يخالف صريح كلمات العلماء الأعلام، قال شيخ الاسلام أبو زكريا النووي في التقريب ما حاصله: ليس كلّ حديث صحيح يجوز العمل به فضلاً عن أن يكون العمل به واجباً، ويمكن الوقوف على أدلة هذه المسألة من شروحه كالتهذيب وغيره بالتفصيل، بل إن كلام قدوة المحدثين والفقهاء المتبحرين، كمال الدين ابن همام، يتلخص في: أنه لا يلزم قبول كلّ أحاديث البخاري ومسلم وأمثالهما، إذ أن هناك خلافاً في عدالة بعض الرواة، فيمكن أن يكون الراوي مجروحاً عند الامام أبي حنيفة وموثّقاً عند الشيخين، وهكذا أن يقول في حديث وصف بالضعف أو رمي بالوضع على الاطلاق: إنّه غير ضعيف أو غير موضوع عندنا. انتهى.

بل يتضح من كتب الثقات: أن علماء الشافعية ربما يرجّحون في بعض

___________________

(١). إزالة الغين لحيدر علي الفيض آبادي الهندي: ٥٩٣.

١٤٩

الموارد روايات الآخرين على روايات البخاري، بل ذكر علي الجيلاني الشيعي في فتح السبل - والعهدة عليه -: أن الامام فخر الدين الرازي قد طعن في بعض أحاديث البخاري في رسالته في تفضيل مذهب الشافعي. إنتهى.

ولكن ما ذكرناه كلّه لا ينافي القول بأصحيّة صحيح البخاري من حيث المجموع، وأنه يجوز عقلاً ونقلاً توفر صفة كمال في المفضول دون الفاضل، كما لا يخفى ».

قال: « إنّه يظهر من تتبع الكتب وتفحّص المقالات أنّ الشأن الذي خصّ به الصحيحان من قبل أهل الحديث، وتقديمهم الكتابين على غيرهما من الكتب، إنما هو اتّباع وتقليد لمجتهدين سبقوهم، إذ لم ينقل شيء هذا القبيل عن الأئمّة الأئمّة الأربعة، وكيف يتصور ذلك، وعلم الغيب يختص بالله، أو أنه من خصائص الامامة على زعم الشيعة »(١) .

٧. رأي الائمّة في الكتابين ومؤلفيهما

لقد رأينا كيف يطعن علماء أهل السنة في أحاديث الكتابين عند تحرّجهم أمام إلزام الشيعة. ولنذكر فيما يلي كلمات جماعة من كبار الأئمّة والحفاظ في الحطّ من شأن الكتابين ومؤلفيهما من غير اضطرار يلجئهم إلى ذلك، بل إنها الحقيقة التي تجري على ألسنتهم، فإليك بعض تلك الكلمات على سبيل التمثيل لا الحصر:

١ ) محي الدين عبد القادر القرشي الحنفي

قال الشيخ محي الدين عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي ما نصه:

فائدة - حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في مسلم وغيره، يشتمل على أنواع منها التورّك في الجلسة الثانية،

___________________

(١). منتهى الكلام / ٢٧.

١٥٠

ضعّفه الطحاوي لمجيئه في بعض الطرق عن رجل، عن أبي حميد، قال الطحاوي: فهذا منقطع على أصل مخالفينا وهم يروون الحديث بأقل من هذا.

قلت: ولا يحنّق علينا لمجيئه في مسلم، وقد وقع في مسلم أشياء لا تقوى عند الاصطلاح، فقد وضع الحافظ الرّشيد العطّار على الأحاديث المقطوعة المخرجة في مسلم كتاباً سماه بـ« غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة » سمعته على شيخنا أبي إسحاق ابراهيم بن محمد بن عبد الله الطاهري سنة اثنتي عشر وسبعمائة، بسماعه من مصنفه الحافظ رشيد الدين، بقراءة الشيخ فخر الدين أبي عمرو عثمان المقاتلي، وبيّنها الشيخ محي الدين في أوّل شرح مسلم.

وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة، هذا أيضاً من التحنّق ولا يقوى، فقد روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبي مسلم وغيره من الضعفاء، فيقولون: إنما روى في كتابه للاعتبار والشواهد والمتابعات، وهذا لا يقوى، لأن الحفاظ قالوا: الاعتبار والشواهد والمتابعات والاعتبارات، أمور يتعرّفون بها حال الحديث، وكتاب مسلم التزم فيه الصحة، فكيف يتعرف حال الحديث الذي فيه بطرق ضعيفة.

واعلم أن « عن » مقتضية للانقطاع عند أهل الحديث، ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شيء كثير، فيقولون على سبيل التحنّق: ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع، وما كان في الصحيحين فمحمول على الاتصال.

وروى مسلم في كتابه، عن أبي الزبير، عن جابر، أحاديث كثيرة بالعنعنة وقال الحافظ: أبو الزبير محمد بن مسلم بن مسلم بن تدرس المكي يدلّس في حديث جابر، فما كان يصفه بالعنعنة لا يقبل، وقد ذكر ابن حزم وعبد الحق عن الليث بن سعد أنه قال لأبي الزبير: علّم لي أحاديث سمعتها من جابر حتى أسمعها منك، فعلّم لي أحاديث أظن أنها سبعة عشر حديثاً فسمعتها منه، قال

١٥١

الحافظ: فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر، صحيح.

وقد روى مسلم في كتابه أيضاً، عن جابر وابن عمر، في حجة الوداع أن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - توجّه إلى مكة يوم النحر، وطاف طواف الافاضة ثم رجع فصلّى الظهر بمنى، فيتحنّقون ويقولون: أعادها لبيان الجواز وغير ذلك من التأويلات، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين: إحداهما كذب بلا شك.

وروى مسلم أيضاً حديث الاسراء وفيه: « وذلك قبل أن يوحى إليه » وقد تكلّم الحفّاظ في هذه اللفظة وبيّنوا ضعفها.

وروى مسلم أيضاً: « خلق الله التّربة يوم السبت » واتفق الناس على أنه يوم السبت لم يقع فيه خلق.

و روى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لمّا أسلم: « يا رسول الله! أعطني ثلاثا، تزوّج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتباً وأمّرني أن أقاتل الكفّار كما قاتلت المسلمين، فأعطاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » والحديث معروف مشهور، وفي هذا من الوهم مما لا يخفى، فأم حبيبة تزوّجها رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وهي بالحبشة وأصدقها النجاشي عن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أربعمائة دينار، وحضر وخطب وأطعم، والقصة مشهورة، وأبو سفيان إنما أسلم عام الفتح وبين الهجرة والحبشة والفتح عدّة سنين، ومعاوية كان كاتباً للنبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - من قبل، وأما إمارة أبي سفيان فقد قال الحافظ:إنهم لا يعرفونها. فيجيبون على سبيل التحنّق بأجوبة غير طائلة، فيقولون في نكاح ابنته: إعتقد أنّ نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بكفر، فأراد من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - تجديد النكاح، ويذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة، أن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أمّره في بعض الغزوات، وهذا لا يعرف.

وما حملهم على هذا كلّه، إلّا بعض التعصّب، وقد قال الحافظ: إنّ مسلما لـمّا وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة الرازي، فأنكر عليه وقال: سميته الصحيح فجعلت سلّماً لأهل البدع وغيرهم، فإذا روى لهم المخالف حديثاً

١٥٢

يقولون هذا ليس في صحيح مسلم. فرحم الله تعالى أبا زرعة فقد نطق بالصواب، فقد وقع هذا. وما ذكرت ذلك كله إلّا أنه وقع بيني وبين بعض المخالفين بحث في مسألة التورك فذكر لي حديث أبي حميد المذكور أوّلاً، فأجبته بتضعيف الطحاوي، فما تلفظ وقال: مسلم يصحح والطحاوي يضعّف، والله تعالى يغفر لنا وله، آمين »(١) .

ترجمة عبد القادر القرشي

ترجم له الحافظ السيوطي بقوله: « عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم، محيي الدين أبو محمد بن أبي الوفا القرشي، درّس [ وأفتى ] وصنّف: شرح معاني الآثار، وطبقات الحنفية، وشرح الخلاصة، وتخريج أحاديث الهداية، وغير ذلك. ولد سنة ست وسبعين وستمائة، ومات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة »(٢) .

وقال محمود بن سليمان الكفوي بترجمته: « المولى الفاضل والنحرير الكامل عبد القادر، كان عالماً فاضلاً، جامعا للعلوم، له مجموعات وتصانيف وتواريخ ومحاضرات وتواليف »(٣) .

٢ ) علي القاري

وذكر الملّا علي بن سلطان القاري الفوائد التي ذكرها القرشي المذكور، وبالغ في هذا المرام بعبارات تشبه عباراته، فقد قال في كتاب الرجال على ما نقل صاحب النزهة - طاب ثراه -: « وقد وقع منه ( مسلم بن الحجاج ) أشياء لا تقوى

___________________

(١). الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢ / ٤٢٨ - ٤٣٠.

(٢). حسن المحاضرة في محاسن مصر والقاهرة ١ / ٤٧١.

(٣). كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار للكفوي، وله ترجمة الدرر الكامنة ٢ / ٣٩٢ وشذرات الذهب ٦ / ٢٣٨، وتاج التراجم / ٢٨، وغيرها.

١٥٣

عند المعارضة، وقد وضع الرّشيد العطّار كتاباً على الأحاديث المقطوعة وبيّنها الشيخ محي الدين في أوّل شرح مسلم، وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة، هذا أيضاً من التجاهل والتساهل، فقد روى مسلم في كتابه عن الليث عن أبي مسلم وغيره من الضعفاء فيقولون: إنما روى عنهم في كتابه للاعتبار والشواهد والمتابعات، وهذه الاعتبارات لا تقوى، لأن الحفاظ قالوا: الاعتبار أمور يتعرفون بها حال الحديث. وكتاب مسلم التزم فيه الصحة فكيف يتعرف حال الحديث الذي فيه بطرق ضعيفة؟! وقال الحافظ: أبو الزبير محمد بن مسلم المكي يدلّس في حديث جابر فما يصف بالعنعنة لا يقبل. وقد ذكر ابن حزم وعبد الحق عن الليث بن سعد أنه قال لأبي الزبير: علّم لي على أحاديث سمعتها من جابر، حتى أسمعها منك، فعلّم لي أحاديث أظن أنها سبعة عشر حديثاً فسمعتها منه. قال الحافظ: فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر فصحيح.

وفي مسلم، عن غير طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، بالعنعنة أحاديث. وقد روى أيضاً في كتابه عن جابر، عن ابن عمر، في حجة الوداع أن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - توجه الى مكة يوم النحر فطاف طواف الافاضة، ثم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى. وفي الرواية الأخرى: إنه طاف طواف الافاضة، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، فيوجّهون ويقولون أعادها لبيان الجواز.

وغير ذلك من التأويلات، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين: إحداهما كذب بلا شك.

وروى مسلم أيضاً حديث الاسراء. وفيه: « وذلك قبل أن يوحى اليه » وقد تكلم الحفاظ في هذه اللفظة وبيّنوا ضعفها.

و قد روى مسلم أيضاً: « خلق الله التربة يوم السبت » واتفق الناس على أن السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد.

وقد روى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لما أسلم

١٥٤

« يا رسول الله! أعطني ثلاثاً: تزوّج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية أجعله كاتباً، وأمّرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين. فأعطاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سأله ». والحديث معروف مشهور، وفي هذا من الوهم ما لا يخفى، فأم حبيبة تزوّجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وهي بالحبشة، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار وحضر وخطب وأطعم، والقصة مشهورة. وأبو سفيان وابنه معاوية إنما أسلما عام الفتح سنة ثمان من الهجرة. وأما إمارة أبي سفيان، فقد قال الحافظ: إنهم لا يعرفونها: فيجيبون بأجوبة غير طائلة، فيقولون في نكاح ابنته: اعتقد أن نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بالكفر، فأراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - تجديد النكاح، فيذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أمّره في بعض الغزوات، وهذا لا يعرفه الأثبات.

وقد قال الحافظ: إن مسلماً لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة فأنكر عليه وتغيّظ وقال: سميته الصحيح وجعلته سلّماً لأهل البدع وغيرهم؟! ».

٣ ) الأدفوي الشافعي

ولأبي الفضل الأدفوي الشافعي تحقيق في هذا الباب، ذكره في رد كلامٍ لابن الصلاح ننقله بنصه: « ثمّ أقول: إن الأمة تلقّت كل حديث صحيح وحسن بالقبول وعملت به عند عدم المعارض، وحينئذ لا يختص بالصحيحين، وقد تلقت الأمّة الكتب الخمسة أو الستة بالقبول وأطلق عليها جماعة اسم « الصحيح » ورجّح بعضهم بعضها على كتاب مسلم وغيره، قال أبو سليمان أحمد الخطابي: كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في حكم الدين كتاب مثله، وقد رزق من الناس القبول كافة، فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وكتاب السنن أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من كتب البخاري ومسلم. وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت الامام أبا الفضل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول - وقد جرى بين يديه ذكر أبي

١٥٥

عيسى الترمذي وكتابه - فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم. وقال الامام أبو القاسم سعيد بن علي الزنجاني: إن لأبي عبد الرحمن النسائي شرطاً في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم. وقال أبو زرعة الرازي لما عرض عليه ابن ماجة السنن كتابه: أظن إنْ وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع كلها، أو قال: أكثرها.

ووراء هذا بحث آخر وهو: إن قول الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح: إن الأمّة تلقت الكتابين بالقبول، إن أراد كل الأمة فلا يخفى فساد ذلك، إذ الكتابان إنما صنفا في المائة الثالثة بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة المذاهب المتبعة، ورءوس حفاظ الأخبار ونقاد الآثار المتكلمين في الطرق والرجال المميزين بين الصحيح والسقيم، وإنْ أراد بالأمّة الذين وجدوا بعد الكتابين فهم بعض الأمّة، فلا يستقيم له دليله الذي قرره من تلقي الأمّة وثبوت العصمة لهم، والظاهرية إنما يعتنون بإجماع الصحابة خاصة، والشيعة لا تعتد بالكتابين وطعنت فيهما، وقد اختلف في اعتبار قولهم في الإجماع والانعقاد.

ثم إنْ أراد كل حديث فيهما تلقي بالقبول من الناس كافة فغير مستقيم، فقد تكلّم جماعة من الحفاظ في أحاديث فيهما، فتكلّم الدارقطني في أحاديث وعلّلها، وتكلّم ابن حزم في أحاديث كحديث شريك في الأسراء، قال: إنّه خلط. ووقع في الصحيحين أحاديث متعارضة لا يمكن الجمع بينها، والقطع لا يقطع التعارض فيه.

وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديث « محمد بن بشار بندار » وأكثرا من الاحتجاج بحديثه، وتكلّم فيه غير واحد من الحفاظ، أئمة الجرح والتعديل ونسب إلى الكذب، وحلف عمرو بن علي الفلاّس شيخ البخاري أن بندار يكذب في حديثه عن يحيى، وتكلّم فيه أبو موسى، وقال علي بن المديني في الحديث الذي رواه في السجود: هذا كذب، وكان يحيى لا يعبأ به ويستضعفه وكان القواريري لا يرضاه.

١٥٦

وأكثرا من حديث « عبد الرزاق » والاحتجاج به، وتكلم فيه ونسب إلى الكذب.

وأخرج مسلم عن « أسباط بن نصر » وتكلّم فيه أبو زرعة وغيره.

وأخرج أيضاً عن « سماك بن حرب » وأكثر عنه، وتكلّم فيه غير واحد، وقال الامام أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث، وضعّفه أمير المؤمنين في الحديث شعبة، وسفيان الثوري، وقال يعقوب بن شعبة: لم يكن من المتثبتين وقال النسائي: في حديثه ضعف، قال شعبة: كان سماك يقول في التفسير عكرمة ولو شئت لقلت له ابن عباس لقاله، وقال ابن المبارك، سماك ضعيف في الحديث وضعّفه ابن حزم، قال: وكان يلقّن فيتلقّن.

وكان أبو زرعة يذمّ وضع كتاب مسلم ويقول: كيف تسمية الصحيح وفيه فلان وفلان؟ وذكر جماعة.

وأمثال ذلك يستغرق أوراقاً، فتلك الأحاديث عندهما ولم يتلقوها بالقبول.

وإنْ أراد: غالب ما فيهما سالم من ذلك، لم يبق له حجة »(١) .

ترجمة الأدفوي

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمة الادفوي: « جعفر بن ثعلب بن جعفر بن علي، أبو الفضل الأدفوي، الأديب الفقيه الشافعي، ولد بعد سنة ثمانين وستمائة وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان يسمّى وعد الله. قال الصفدي: إشتغل في بلاده فمهر في الفنون، ولازم ابن دقيق العيد وتأدّب بجماعة منهم أبو حيان وحمل عنه كثيراً، وكان يقيم في بستان له ببلده، وصنف الإِمتاع في أحكام السماع، والطالع السعيد في تاريخ الصعيد، والبدر السافر في تحفة المسافر، وكل مجاميعه جيدة، وله النظم والنثر الحسن

___________________

(١). الإِمتاع في أحكام السماع لأبي الفضل الأدفوي: الفصل العاشر. مخطوط.

١٥٧

ومن خط البدر النابلسي: كان عالماً فاضلاً، متقلّلاً من الدنيا، ومع ذلك فكان لا يخلو من المآكل الطيبة. مات في أوائل سنة ٧٤٨ »(١) .

وقال جمال الدين الأسنوي بترجمته: « كان فاضلاً مشاركاً في علوم متعددة أديباً شاعراً، ذكياً كريماً، طارحاً للتكلّف، ذا مروّةٍ كبيرة، صنّف في أحكام السّماعٍ كتاباً نفيساً سماه بالإِمتاع، أنبأ فيه عن اطلاعٍ كثير، فإنه كان يميل إلى ذلك ميلاً كبيراً ويحضره، سمع وحدّث ودرّس قبل موته بأيام يسيرة بمدرس الحديث الذي أنشأه الأمير حبكلي بن البابا بمسجده، وأعاد بالمدرسة الصالحية من القاهرة وكان مقيماً به »(٢) .

وقال أبوبكر ابن قاضي شهبة الأسدي: « جعفر بن ثعلب بن علي، الامام العلامة، الأديب البارع، ذو الفنون، كمال الدين أبو الفضل الأدفوي وقال أبو الفضل العراقي: كان من فضلاء أهل العلم، صنف تاريخاً للصعيد، ومصنفاً في أحكام السماع سماه كشف القناع، وغير ذلك »(٣) .

٤ ) أبو زرعة الرازي

أ - أبو زرعة ومسلم.

لقد علمنا من كلام الأفودي وغيره: أن أبا زرعة الرازي كان يذم وضع كتاب مسلم ويعترض على مسلم صنعه ويقول له: كيف تسمّيه الصحيح وفيه فلان وفلان؟

وقد ذكر الذهبي بترجمة أحمد بن عيسى المصري: « قال: سعيد البرذعي:

___________________

(١). الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢ / ٧٢.

(٢). طبقات الشافعية ١ / ١٧٠.

(٣). طبقات الشافعية ٣ / ١٧٢، وتوجد ترجمة الأدفوي في: النجوم الزاهرة ١٠ / ٢٣٧ حوادث سنة ٧٤٨، البدر الطالع ١ / ١٨٢، حسن الحاضرة ١ / ٣٢٠ شذرات الذهب ٦ / ١٥٣، حوادث سنة ٧٤٨.

١٥٨

شهدت أبا زرعة ذكر صحيح مسلم فقال: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه فعملوا شيئاً يتسوّقون به. وأتاه رجل - وأنا شاهد - بكتاب مسلم، فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر قال: ما أبعده هذا عن الصحيح، ثم رأى قطن ابن نسير فقال لي: وهذا أطم من الأول، قطن بن نسير يصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس، ثم نظر فقال: يروي عن أحمد بن عيسى في الصحيح! ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه - وأشار إلى لسانه -. »(١) .

وقال بترجمة محمد بن يحيى الذهلي: « قال أبو قريش الحافظ: كنت عند أبي زرعة فجاء مسلم بن الحجاج فسلّم عليه وجلس ساعه، وتذاكرا، فلمّا أن قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، قال: فلمن ترك الباقي؟ ثم قال: هذا ليس له عقل، لو داري محمد بن يحيى لصار رجلاً »(٢) .

ب - أبو زرعة والبخاري.

ولم يسكت أبو زرعة عن ممد بن إسماعيل البخاري وكتابه المعروف بـ ( الصحيح ) بل تناوله بالقدح والجرح كذلك، قال الذهبي: « علي بن عبد الله ابن جعفر بن الحسن الحافظ، أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر، ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن أبي داود والجهمية وحديثه مستقيم إنْ شاء الله، قال لي عبد الله بن أحمد: كان أبي حدثنا عنه ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذلك.

قلت: بل حديثه عنه في مسنده، وقد تركه إبراهيم الحربي وذلك لميله إلى أحمد بن أبي داود فقد كان محسناً اليه.

وكذا امتنع مسلم عن الرواية عنه في صحيحه لهذا المعنى، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه « محمد » لأجل مسألة اللفظ. وقال

___________________

(١). تذهيب التهذيب، مخطوط. وانظر ميزان الاعتدال ١ / ١٢٥.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٢ / ٧٠.

١٥٩

عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة »(١) .

والمراد من « محمد » تلميذ « علي بن المديني » هو: « محمد بن إسماعيل البخاري ».

ومن طرائف الأمور: أن مسلم بن الحجاج - وهو تلميذ البخاري - قد امتنع من الرواية عن علي بن المديني لميله إلى أحمد بن أبي داود

فالاستدلال بإعراض البخاري ومسلم عن رواية حديث الغدير في غير محله لأنهما وشيخهما كلّهم مقدوحون مجروحون

وقال الذهبي: « محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري قدم بغداد طالب حديث على رأس الخمسمائة وكتب عن الموجودين. قال ابن الجوزي وغيره كان كذاباً.

فأمّا محمد بن إسماعيل مولى الجعفيين فحجة إمام، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ »(٢) .

أقول: ولكن تركهما له نافع لنا على كلا التقديرين.

وقد نص آخرون على تركهما له مع استعظامه واستنكاره، فقال الشيخ عبد الوهاب السبكي في طبقاته: « ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه بذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكّون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق، وقد وقع هذا لكثير من الأئمّة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب.

___________________

(١). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٣ / ١٣٨.

(٢). المغني في الضعفاء ٢ / ٥٥٧.

١٦٠