تذكرة الفقهاء الجزء ٧

تذكرة الفقهاء0%

تذكرة الفقهاء مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-319-007-2
الصفحات: 481

تذكرة الفقهاء

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: العلامة الحلي
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: ISBN: 964-319-007-2
الصفحات: 481
المشاهدات: 30745
تحميل: 2724


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 481 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 30745 / تحميل: 2724
الحجم الحجم الحجم
تذكرة الفقهاء

تذكرة الفقهاء الجزء 7

مؤلف:
ISBN: 964-319-007-2
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

١

تذكرة الفقهاء الجزء السّابع

العلامة الحلي

٢

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

كتاب الحجّ والعمرة‌

٦

٧

وفيه مقدّمة ومقاصد.

أمّا المقدّمة ففيها مسائل :

مسألة ١ : الحجّ لغةً : القصد(١) ، ولهذا سُمّي الطريق محجّةً ؛ لأنّه يوصل إلى المقصود.

وقال الخليل : الحجّ : كثرة القصد إلى من تعظّمه(٢) .

وسمّي الحجّ حجّاً ؛ لأنّ الحاجّ يأتي قبل الوقوف بعرفة إلى البيت ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الوداع.

وفيه لغتان : بفتح الحاء وكسرها(٣) .

وأمّا في عرف الشرع فقال الشيخرحمه‌الله : إنّه كذلك إلّا أنّه اختصّ بقصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده متعلّقة بزمان مخصوص(٤) .

وقال ابن إدريس : الحجّ في الشريعة : القصد إلى مواضع مخصوصة لأداء مناسك مخصوصة عندها متعلّقة بزمان مخصوص ليدخل الوقوف بعرفة‌

____________________

(١) الصحاح ١ : ٣٠٣ ، القاموس المحيط ١ : ١٨٢.

(٢ و ٣) العين ٣ : ٩.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٩٦ ، الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٢٣.

٨

والمشعر ومنى(١) .

وهو غير وارد على الشيخرحمه‌الله ؛ لأنّ كلّ واحد من الوقوفين قد يسقط بصاحبه ، وكذا قصد منى مع بقاء حقيقة الحجّ ، بخلاف قصد البيت ؛ فإنّه لا يصدق مسمّى الحجّ إلّا به.

وقال بعض العامّة : الحجّ في الشرع اسم لأفعال مخصوصة(٢) .

وما ذكرناه أولى ، لأنّ التخصيص أولى من النقل(٣) .

وأمّا العمرة فهي في اللغة عبارة عن الزيارة(٤) ، وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك عنده ، ولا تختص المبتولة بزمان ، بخلاف المتمتّع بها ؛ فإنّ وقتها وقت الحجّ.

والنسك بإسكان السين : اسم لكلّ عبادة ، وبضمّها : اسم للذبح ، والمنسك موضع الذبح ، وقد يراد به موضع العبادة.

مسألة ٢ : الحجّ فريضة من فرائض الإِسلام ومن أعظم أركانه بالنصّ والإِجماع.

قال الله تعالى( وَلِلهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (٥) قال ابن عباس : من كفر باعتقاده أنّه غير واجب(٦) .

وسأل علي بن جعفر أخاه الكاظمعليه‌السلام ، عن قوله تعالى :( وَمَنْ كَفَرَ ) قال : قلت : ومن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال : « لا ، ولكن من‌

____________________

(١) السرائر : ١١٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٤.

(٣) في النسخ الخطية « ط ، ف ، ن » : النسخ ، بدل النقل.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ٩٥.

(٥) آل عمران : ٩٧.

(٦) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٤.

٩

قال ليس هذا هكذا فقد كفر »(١) .

وقال تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٢) .

وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( بُني الإِسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحجّ البيت )(٣) ذكر فيها الحجّ.

وعن ابن عباس قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( يا أيّها الناس إن الله كتب عليكم الحجّ ) فقام الأقرع بن حابس فقال : أفي كلّ عام يا رسول الله؟ فقال : ( لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ، الحجّ مرّة فمن زاد فتطوّع )(٤) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعةً من شرائع الإِسلام»(٥) .

وعن ذريح المحاربي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « من مات ولم يحجّ حجّة الإِسلام ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً »(٦) .

وقد أطبقت الاُمّة كافّة على وجوب الحجّ على جامع الشرائط في العمر مرّة واحدة.

مسألة ٣ : والحجّ فيه ثواب عظيم وأجر جزيل.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٦٥ - ٢٦٦ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٦ / ٤٨ ، الاستبصار ٢ : ١٤٩ / ٤٨٨.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٥ / ٢٦٠٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٨١ ، مسند أحمد ٢ : ٩٣ ، ١٢٠.

(٤) سنن البيهقي ٤ : ٣٢٦ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٢٩٣.

(٥) التهذيب ٥ : ١٨ / ٥٤.

(٦) الكافي ٤ : ٢٦٨ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٧٣ / ١٣٣٣ ، التهذيب ٥ : ٤٦٢ / ١٦١٠.

١٠

روى معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام : « أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقيه أعرابي ، فقال له : يا رسول الله إنّي خرجت اُريد الحجّ ففاتني ، وإنّي رجل ميِّل(١) ، فمُرْني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج ، قال : فالتفت إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له : اُنظر إلى أبي قبيس فلو أنّ أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به مبلغ الحاج ».

ثم قال : « إنّ الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئاً ولم يضعه إلّا كتب الله له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيّئات ورفع له عشر درجات ، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً ولم يضعه إلّا كتب له مثل ذلك ، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه ، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه ، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه ، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه ، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه ».

قال : « فعدّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا وكذا موقفاً إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه ، ثم قال : أنّى لك أن تبلغ ما بلغ(٢) الحاج ».

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « ولا تُكتب عليه الذنوب أربعة أشهر ، وتُكتب له الحسنات إلّا أن يأتي بكبيرة »(٣) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « الحاج يصدرون على ثلاثة أصناف : فصنف يعتقون من النار ، وصنف يخرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه ، وصنف يحفظ في أهله وماله ، فذاك أدنى ما يرجع به الحاج »(٤) .

____________________

(١) في الكافي : يعني كثير المال.

(٢) في المصدر : « يبلغ ».

(٣) التهذيب ٥ : ١٩ - ٢٠ / ٥٦ ، وفي الكافي ٤ : ٢٥٨ / ٢٥ صدرها بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ٢١ / ٥٩.

١١

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحجّ والعمرة تنفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير(١) خبث الحديد » قال معاوية : فقلت له : حجّة أفضل أو عتق رقبة؟

قال : « حجّة أفضل » قلت : فثنتين؟ قال : « فحجّة أفضل » قال معاوية : فلم أزل أزيده ويقول : « حجّة أفضل » حتى بلغت ثلاثين رقبة ، قال : « حجّة أفضل »(٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال : « الحاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم ، وإن دعوه أجابهم ، وإن شفعوا شفّعهم ، وإن سكتوا بدأ بهم(٣) ، ويعوّضون بالدرهم ألف ألف درهم »(٤) .

مسألة ٤ : والعمرة واجبة - كالحجّ في وجوبه وهيئة وجوبه - على من يجب عليه الحجّ عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق والشافعي في الجديد ، وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لقوله تعالى( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٦) والأمر للوجوب ، والعطف بالواو يقتضي التشريك في الحكم.

وما رواه العامة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، جاء إليه رجل فقال :

____________________

(١) الكير كير الحدّاد ، وهو زقّ أو جلد غليظ ذو حافات. الصحاح ٢ : ٨١١ « كير ».

(٢) التهذيب ٥ : ٢١ / ٦٠.

(٣) في المصدر ونسخة بدل : « ابتدأهم ».

(٤) الكافي ٤ : ٢٥٥ / ١٤ ، التهذيب ٥ : ٢٤ / ٧١.

(٥) المغني ٣ : ١٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، الوجيز ١ : ١١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧ - ٤٨ ، المجموع ٧ : ٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٠.

(٦) البقرة : ١٩٦.

١٢

أوصني ، قال : ( تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحجّ وتعتمر )(١) .

وقالعليه‌السلام : ( الحجّ والعمرة فريضتان )(٢) .

ومن طريق الخاصة : عن زرارة - في الصحيح - عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ ، لأنّ الله تعالى يقول( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) »(٣) والأخبار في ذلك متواترة.

وقال الشافعي في القديم وأحمد في الرواية الثانية : إنّ العمرة ليست واجبةً - وهو مروي عن ابن مسعود ، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي - لما رواه جابر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال : ( لا ، وأن تعتمر فهو أفضل )(٤) .

ولأنّه نسك غير مؤقّت فلم يكن واجباً كالطواف المجرّد(٥) .

والحديث نقله الترمذي عن الشافعي أنّه ضعيف لا تقوم بمثله الحجّة ، وليس في العمرة شي‌ء ثابت بأنّها تطوّع(٦) .

وقال ابن عبد البرّ : روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة.

____________________

(١) أوردها ابنا قدامة في المغني ٣ : ١٧٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦.

(٢) المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٧١ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٨٤ / ٢١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٠.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٣٣ / ١٥٠٢.

(٤) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٠ / ٩٣١ ، وفيه : ( وأن تعتمروا ).

(٥) المغني ٣ : ١٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧ - ٤٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤ ، المجموع ٧ : ٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٠ ، التفريع ١ : ٣٥٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٧١ - ١٧٢ ، مقدّمات ابن رشد : ٣٠٤.

(٦) سنن الترمذي ٣ : ٢٧١ ذيل الحديث ٩٣١ ، وراجع : المغني ٣ : ١٧٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٦.

١٣

ثم نحمله على المعهود ، وهي العمرة التي قضوها حين اُحصروا في الحديبية ، أو على العمرة التي اعتمروها مع حجّتهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّها لم تكن واجبةً على من اعتمر ، أو نحمله على من زاد على العمرة الواحدة.

وقياسهم باطل بالفرق ؛ فإنّ الإِحرام شرط في العمرة وليس شرطاً في الطواف.

مسألة ٥ : ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم في وجوبها عليهم بإجماع علمائنا ؛ لعموم الأدلّة ، فالقرآن عمّم الحكم في الحجّ والعمرة على الجمع المعرّف بلام الجنس ، والأخبار دالّة على العموم أيضاً.

وقال أحمد : ليس على أهل مكة عمرة ، وقال : كان ابن عباس يرى العمرة واجبة ويقول : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة ، إنّما عمرتكم طوافكم بالبيت(١) ، وبه قال عطاء وطاوس(٢) .

قال عطاء : ليس أحد من خلق الله إلّا عليه حجّ وعمرة واجبان لا بدّ منهما لمن استطاع إليهما سبيلا إلاّ أهل مكة ، فإنّ عليهم حجّة ، وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت(٣) .

ولأنّ ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهُمْ يفعلونه ، فأجزأ عنهم(٤) .

وهو غلط ؛ لأنّه قول مجتهد مخالف لعموم القرآن ، فلا يكون حجّةً ، وستأتي مباحث العمرة بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

____________________

(١ - ٤) المغني ٣ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٦.

١٤

و أمّا المقاصد فيشتمل الأول منها على فصول‌

الفصل الأول

في كيفية الوجوب‌

مسألة ٦ : الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة ، وكذا العمرة ، ولا يجب أزيد منها وهو قول عامّة أهل العلم(١) .

وحكي عن بعض الناس أنّه قال : يجب في كلّ سنة مرّة(٢) . وهو خلاف النصّ :

قال الله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (٣) ومقتضى الأمر لا يقتضي التكرار ، فإيجابه مخالفة له.

وما رواه العامّة في حديث ابن عباس ، وقد سبق(٤) .

وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( يا أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا ) فقال رجل : أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لو‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ١٦٥ ، المجموع ٧ : ٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣١.

(٢) حلية العلماء ٣ : ٢٣٢ ، المجموع ٧ : ٩.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) سبق في المسألة ٢.

١٥

قلت : نعم ، لوجبت ولما استطعتم ) ثم قال : ( ذروني ما تركتكم فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شي‌ء فدعوه )(١) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا تمتّع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام ، في رجل أعتق عشيّة عرفة عبداً له ، قال : « يجزئ عن العبد حجّة الإِسلام ، ويكتب للسيد أجران(٣) : ثواب العتق وثواب الحجّ »(٤) .

ولا خلاف بين المسلمين كافّة في ذلك ، ولا عبرة بقول مَنْ شذّ من العامّة.

إذا عرفت هذا ، فما زاد على ذلك مستحب إلّا ما يجب بسبب ، كالنذر وشبهه ، والإِفساد والقضاء ، وكما يجب الإِحرام بحجّ أو عمرة لدخول مكة على ما يأتي ، والاستئجار ، وسيأتي.

وما ورد في أخبارنا من وجوبه على أهل الجدة(٥) في كلّ عام(٦) ، فمحمول على وجوبه على البدل ، على معنى أنّه إذا لم يفعله في أول عام تمكّنه ، وجب عليه في ثاني العام والثالث وهكذا ، كما نقول : إنّ خصال الكفّارة كلّها واجبة على هذا المنهاج.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٧٥ / ١٣٣٧.

(٢) الكافي ٤ : ٥٣٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٤٣٣ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٥ - ١١٥٠.

(٣) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية : أجرين.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٦٥ / ١٢٨٩.

(٥) الجدة : الغنى وكثرة المال. مجمع البحرين ٣ : ١٥٥ « وجد ».

(٦) راجع : الكافي ٤ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، الأحاديث ٥ و ٦ و ٨ و ٩ ، والتهذيب ٥ : ١٦ / ٤٦ - ٤٨ ، والاستبصار ٢ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٤٨٦ - ٤٨٨.

١٦

وأيضاً فإنّ السند لا يخلو من ضعف ؛ فإنّ الحديث الذي رواه حذيفة بن منصور عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « أنزل الله فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام »(١) في طريقه محمد بن سنان وفيه قول.

مسألة ٧ : قد بيّنّا أنّ الواجب بأصل الشرع مرّة واحدة في الحجّ والعمرة ، وما عداها مستحب مندوب إليه إلّا لعارض يقتضي وجوبه ، كالاستئجار وغيره ممّا تقدّم ذكره ، ويتكرّر الوجوب بتكرّر السبب.

وليس من العوارض الموجبة : الردّة والإِسلام بعدها ، فمن حجّ أو اعتمر ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإِسلام لم يلزمه الحجّ عند علمائنا ، وبه قال الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .

ومأخذ الخلاف : أنّ الردّة عنده(٤) مُحبطة للعمل ، وعندنا وعند الشافعي(٥) أنّها إنّما تحبطه بشرط أن يموت عليها.

قال الله تعالى :( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ) (٦) الآية.

وأحمد وافق أبا حنيفة في المسألة لكن لا من جهة هذا المأخذ(٧) .

مسألة ٨ : ووجوب الحجّ والعمرة على الفور لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، ومالك وأحمد والمزني وأبو يوسف(٨) ، وليس لأبي حنيفة فيه نصٌّ(٩) ، ومن أصحابه من قال : هو‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٦٦ / ٦ ، التهذيب ٥ : ١٦ / ٤٦ ، الاستبصار ٢ : ١٤٨ / ٤٨٦.

(٢ - ٥ ) المجموع ٧ : ٩ ، فتح العزيز ٧ : ٥.

(٦) البقرة : ٢١٧.

(٧) كما في فتح العزيز ٧ : ٥.

(٨) مقدّمات ابن رشد ١ : ٢٨٨ ، الكافي في فقه الإِمام أحمد ١ : ٤٦٧ ، المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ١٠٢ و ١٠٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٨٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١١٩ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٤.

(٩) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ ، والمجموع ٧ : ١٠٣.

١٧

قياس مذهبه(١) - لقوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ ) (٢) الآية ، مقتضاه الأمر ، وهو للفور عند بعضهم(٣) .

وما رواه العامّة عن ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : تعجّلوا الحجّ فإنّ أحدكم لا يدري ما يعرض له(٤) .

وعن عليعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : من وجد زاداً وراحلةً تبلّغه البيت فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً(٥) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعةً من شرائع الإِسلام»(٦) .

ولأنّها عبادة لها وقت معلوم لا يفعل في السنة إلاّ مرّة واحدة ، فيجب على الفور كالصوم.

وقال الشافعي : إنّه لا يجب على الفور ، بل يجوز له تأخيره إلى أيّ وقت شاء - ونقله العامّة عن ابن عباس وجابر وأنس ، ومن التابعين : عطاء وطاوس ، ومن الفقهاء : الأوزاعي والثوري - لأنّ فريضة الحجّ نزلت سنة ست من الهجرة ، وقيل : سنة خمس ، وأخّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من غير مانع ، فإنّه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج ، وفَتَح مكة سنة‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٢) آل عمران : ٩٧.

(٣) إحكام الفصول في أحكام الاُصول : ١٠٢ ، الإِحكام في اُصول الأحكام ١ : ٣٨٧ ، اُصول السرخسي ١ : ٢٦.

(٤) مسند أحمد ١ : ٣١٤ ، وأوردها الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٥) سنن الترمذي ٣ : ١٧٦ / ٨١٢ وفيه : ( ملك ) بدل ( وجد ) وأوردها كما في المتن ، الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ٢٤.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨ / ٥٤.

١٨

ثمان ، وبعث الحاج سنة تسع ، وحَجَّ هوعليه‌السلام سنة عشر ، وعاش بعدها ثمانين يوماً ، ثم قُبضصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

والجواب : المنع أوّلاً من تمكّنه من الحجّ ؛ فإنّهعليه‌السلام أحرم بالعمرة عام الحديبية فاُحصر(٢) .

وثانياً بالمنع من تأخير النبيعليه‌السلام عن عام الوجوب ؛ فإنّ الآية نزلت - وهي قوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (٣) الآية - سنة تسع(٤) ، وقيل : سنة عشر(٥) ، فبادر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحجّ من غير تأخير.

مسألة ٩ : الحجّ واجب على كلّ جامع للشرائط الآتية ، من ذكر واُنثى وخنثى.

وإن كان أعمى فإن افتقر إلى قائد وتمكّن من تحصيله والاستعانة به على حجّة إمّا بإجارة أو غيرها ، وجب عليه الحجّ بنفسه ، وليس له أن يستأجر من يحجّ عنه - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - لعموم الآية(٧) والأخبار.

وقال أبو حنيفة : لا يلزمه فرض الحجّ بنفسه ، فإن استأجر من يحجّ عنه ، جاز - وروى الكرخي عنه أنّه لا حجّ عليه(٨) - لأنّ الحجّ عبادة تعلّقت‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤ - ٢٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣١ ، المجموع ٧ : ١٠٢ و ١٠٣ ، المغني ٣ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٣.

(٢) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٥) كما في الحاوي الكبير ٤ : ٢٥.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ١٤ ، المجموع ٧ : ٨٥ ، الوجيز ١ : ١١٠ ، فتح العزيز ٧ : ٢٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٤٠.

(٧) آل عمران : ٩٧.

(٨) فتح العزيز ٧ : ٢٧.

١٩

بقطع مسافة ، فوجب أن لا تلزم الأعمى كالجهاد(١) .

وهو خطأ ؛ لأنّ العمى ليس فيه أكثر من فقد الهداية بالطريق ومواضع النسك ، والجهل بذلك لا يُسقط وجوب القصد ، كالبصير يستوي حكم العالم به والجاهل إذا وجد دليلاً ، فكذا الأعمى.

ولأنّه فقد حاسّة ، فلم يسقط بها فرض الحجّ بنفسه ، كالأصمّ.

مسألة ١٠ : مقطوع اليدين أو الرّجلين إذا استطاع التثبّت على الراحلة من غير مشقّة إمّا مع قائد أو معين إن احتاج إليه ووجده ، أو بدونهما إذا استغنى عنهما ، وجب عليه الحجّ - وبه قال الشافعي(٢) - لعموم قوله تعالى( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ ) (٣) الآية ، وغيرها من الأدلّة.

وقال أبو حنيفة : لا يلزمه كالأعمى(٤) . والخلاف فيهما(٥) واحد.

مسألة ١١ : المحجور عليه للسفه يجب عليه الحجّ كغيره مع الشرائط ؛ للعموم ، إلّا أنّه لا يدفع المال إليه ؛ لأنّه ممنوع من التصرّف فيه ؛ لتبذيره ، بل يُخرج الولي معه مَنْ ينفق عليه بالمعروف ويكون قيّماً عليه.

ولو احتاج إلى زيادة نفقة لسفره ، كان الزائد في ماله ينفق القيّم عليه منه ، بخلاف الصبي والمجنون إذا أحرم بهما الولي ؛ فإنّ نفقتهما الزائدة بالسفر في مال الولي - خلافاً للشافعي في أحد القولين(٦) - لأنّه لا وجوب عليهما ، وإذا زال عذرهما ، لزمهما حجة الإِسلام ، بخلاف المـُبذّر.

ولو شرع السفيه في حجّ الفرض أو في حجّ نذره قبل الحجر بغير إذن‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٤ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٨٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٧.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٤ - ١٥ ، المجموع ٧ : ٨٥.

(٣) آل عمران : ٩٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٥ ، المجموع ٧ : ٨٥.

(٥) أي في الأعمى ومقطوع اليدين أو الرجلين.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٢٧.

٢٠