نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ٩

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 324

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 324
المشاهدات: 77638
تحميل: 3084


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 324 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 77638 / تحميل: 3084
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 9

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

ولعل ذلك من جهة عدم تجاسره على حمل كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على معنى مخترع مكذوب، ومن هنا يتضح تخليط ( الدهلوي ) وتلبيسه، حيث اكتفى بدعوى أن المراد من الولاية المستفادة من حديث الغدير هي ( المحبة ) ولم يوضّح مراده من هذه المحبة، وأنه هل يحمل ( المولى ) على ( المحب ) أو ( المحبوب )؟! والسبب في ذلك هو محاولة الفرار عن الاشكال، لأنه إنْ صرح بالأول أورد عليه باستحالة إرادة هذا المعنى من حديث الغدير، وإنْ صرّح بالثاني أورد عليه بعدم ثبوت هذا المعنى في معاني لفظة ( المولى ).

ومنهم من ذكر (١٦) معنى للفظة ( المولى ) ثم جوّز حملها في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » على أكثر تلك المعاني، كابن الاثير الجزري في كتابه ( النهاية في غريب الحديث)(١) .

وهذا من عجائب الأمور، لوضوح عدم جواز حمل الحديث المذكور على أكثر تلك المعاني، وقد نقل محمد رشيد الدين الدهلوي عبارة النهاية أيضاً ولم يلتفت إلى الخلل الموجود فيها

وكالفتني صاحب ( مجمع البحار ) حيث قال: « وقد تكرّر ذكر المولى في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه ومنه الحديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. يحمل على أكثر الأسماء المذكورة »(٢) .

وصاحب ( الصواعق ) - وإنْ ذكر ( المحبوب ) في جملة المعاني الحقيقة للفظة

____________________

(١). النهاية في غريب الحديث: « ولى ».

(٢). مجمع البحار: « ولى ».

٢٢١

( المولى ) صحّح إرادة ( الحِب ) بالكسر، وادعى إجماع الفريقين على ذلك حيث قال: « ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحب بالكسر، وعليرضي‌الله‌عنه سيدنا وحبنا »(١) .

ولم يتضح لنا وجه الحمل على ( الحبّ ) دون ( المحبوب ) مع أنه مرادف له.

لغة، وقد عدَّه من المعاني الحقيقة للفظة ( المولى )!! على أنّ مجيء ( المولى ) بمعنى ( الحب بالكسر ) محتاج إلى دليل، والأعجب دعوى إجماع الفريقين على صحة إرادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا المعنى من حديث الغدير! والأعجب من الكلّ استناد محمد رشيد الدين خان الدهلوي إلى هذا الكلام في مقابلة أهل الحق.

ثم إنَّ الحمل على ( المحبّة ) والقول بأنّ المراد من حديث الغدير إيجاب محبّة عليعليه‌السلام ، يبطل أساس مذهب أهل السّنة الذي بنوا عليه مسائل مهمة ومعتقدات كثيرة، ألا وهو الاعتقاد بعدالة الصحابة أجمعين أكتعين. فإذا وجبت محبّة عليعليه‌السلام من حديث الغدير فقد حرمت مقاتلته بالأولوية القطعية، وبذلك يظهر حال معاوية وعائشة وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وأمثالهم من مئات الصحابة.

وبعد، فإن الجملة الأخيرة من حديث الغدير التي زعموا أنّها قرينة على تأويلهم قد كذّبها ابن تيميّة الحراني حيث قال: « الوجه الخامس: إن هذا اللفظ وهو قوله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. وأما قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه فلهم فيه قولان سنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

الوجه السادس: إن دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجاب، وهذا الدعاء ليس بمجاب، فعلم أنه ليس من دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنه من

____________________

(١). الصواعق المحرقة: ٢٥.

٢٢٢

المعلوم أنه لما توفي كان الصحابة وسائر المسلمين ثلاثة أصناف، صنف قاتلوا معه وصنف قاتلوه، وصنف قعدوا عنه، هذا، وأكثر السابقين الأولين من العقود، وقد قيل: إن بعض السابقين الأولين قاتلوه. وذكر ابن حزم: إن عمار بن ياسر قتله أبو الغادية، وإن أبا الغادية هذا من السابقين الأولين، ممن بايع تحت الشجرة، وأولئك جميعهم قد ثبت في الصحيحين أنه لا يدخل النار منهم أحد »(١) .

قوله:

« ولو كان المولى بمعنى المتصرف في الأمر، أو كان المراد بالأولى هو الأولى بالتصرف، لكان المناسب أن يقول: اللهم أحبّ من كان تحت تصرفه وأبغض من لم يكن تحت تصرّفه ».

أقول:

هذا عجيب من فهم ( الدهلوي )، فأيّ ملازمة بين الكون تحت التصرف وبين الاطاعة والاعتقاد بالامامة؟ قد يكون مخالفو الامام الحق تحت تصرّفه بحسب نفوذ أحكامه فيهم، لكنهم في الباطن لا يعتقدون بكونه إماماً حقاً، بل قد يتظاهرون باعتقادهم لكن لا مناص لهم من الكون تحت تصرّفه، كما هو الشأن في قضية أهل الذمة، فإنهم واقعون تحت تصرّف النبي أو الامام مع عدم الاعتقاد بنبوته أو إمامته.

إذن، لا ملازمة بين الأمرين حتى يستحقَّ من كان تحت التصرّف للدعاء المذكور، نعم من كان كذلك مع الاعتقاد بالامامة ووجوب الطاعة يستحقّه بلا ريب، فظهر أنّ المناسب ما كان لا ما توهّمه ( الدهلوي ).

قوله:

« فذكر محبته ومعاداته دليل صريح على أنّ المقصود إيجاب محبته والتحذير من معاداته لا التصرف وعدم التصرّف ».

____________________

(١). منهاج السنة ٤٠ / ١٦.

٢٢٣

أقول:

لقد دلّت الألفاظ العديدة من حديث الغدير - كبعض الأحاديث الأُخرى - على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخشى من تكذيب القوم إيّاه، فقد عرفت سابقاًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث: « رأيت الناس حديثي عهد بكفر ومتى أفعل هذا به يقولون صنع هذا بابن عمّه »(١) . و قوله في حديث آخر: « وعرفت أن الناس مكذّبيّ »(٢) . و قوله في ثالث: « يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع يجتمع عليَّ الناس »(٣) . ومن هنا تتضّح المناسبة التامّة بين دعائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن والى علياً وعلى من عاداه، وبين إمامته عليه الصلاة والسلام.

قال الحافظ محب الدين الطبري في الجواب عن حديث « علي مني وأنا منه وهو ولي كلّ مؤمن بعدي » قال: « وأما الحديث الثالث. فقوله: فتعين حمل المولى على الناصر والمتولي الى آخر ما قرر. قلنا: الجواب عنه من وجهين، الأول - القول بالموجب على المعنيين مع البيان بأنه لا دليل لكم فيه، أما على معنى الناصر فلما بيّناه في الحديث قبله، وأما بمعنى المتولي فقد كان ذلك وان كان بعد من كان بعده، إذ يصدق عليه بعده حقيقة. ومثل هذا قد ورد. وسيأتي في مناقب عثمان أن النبي رأى في منامه حورية فقال لها: من أنت؟ قالت: للخليفة من بعدك عثمان.

ويكون فائدة ذلك التنبيه على فضيلته، والأمر بالتمرن على محبته، فإنه سيلي عليكم ويتولّى أمركم ومن يتوقع إمرته، فالأولى أن يموت القلب على موّدته ومحبته ومجانبة بغضه، ليكون أدعى على الإِنقياد وأسرع للطواعية وأبعد من الخلف. ويشهد ذلك: إن هذا القول يعني إنّ علياً منّي وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي، صدر حين وقع فيه من وقع، وأظهر بغضه من أظهر، على ما تضمّنه

____________________

(١). الاربعين للمحدث الشيرازي - مخطوط.

(٢). الدر المنثور ٢ / ٢٩٨.

(٣). المصدر ٢ / ٢٩٨.

٢٢٤

الحديث، فأراد نفي ذلك عنهم والتمرن على خلافته، لحاجتهم إليه وحاجته إليهم »(١) .

ثم ماذا يقول ( الدهلوي ) في مقابلة ما فهمه الشاعر الصّحابي حسّان بن ثابت من حديث الغدير، وقال على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ورضيتك من بعدي إماماً وهادياً »؟ هل يتجاسر على القول بأن حسّاناً قد حمل الحديث على غير محمله الصحيح؟ هل يتجاسر على أن يقول ذلك ولا سيّما مع تقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لشعر حسان وسروره به؟

وماذا يقول في مقابلة مناشدة أمير المؤمنينعليه‌السلام الناس بحديث الغدير، في مقام إثبات امامته وخلافته بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

وماذا يقول في مقابلة أشعار قيس بن سعد بن عبادة؟

وماذا يقول في مقابلة كلمات أكبار علماء طائفته؟

[٤] إرادة الإِمامة منه تخالف طريقة النبي في بيان الواجبات والسّنن

قوله:

« ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بلّغ أدنى الواجبات بل السنن، بل آداب القيام والقعود والأكل والشرب بوجهٍ يفهم الكلّ - سواء الحاضر والغائب ممّن عرف لغة العرب المعاني المقصودة من ألفاظه بلا تكلّف ».

النقض بحديث الإِثنا عشر خليفة

أقول:

إن هذا الكلام في الحقيقة طعن في الصحابة والعلماء الذين أثبتوا إمامة أمير

____________________

(١). الرياض النضرة ١ / ٢٠٥.

٢٢٥

المؤمنينعليه‌السلام من حديث الغدير، بل إنه طعن في تبليغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأدائه الرسالة الإِلهية

لقد غفل ( الدهلوي ) أو تغافل عمّا ذكر علماء مذهبه في معنى حديث « الإِثنا عشر خليفة» من الكلمات المشوّشة والأقاويل المضطربة من أجل صرفه عن مدلوله الواقعي، معرضين عن الأحاديث المفسّرة الواردة بطرق أهل الحق بل بطرقهم.

لقد كثرت تأويلاتهم الركيكة وتوجيهاتهم السخيفة لهذا الحديث الشريف الثابت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومع ذلك فقد اعترف بعض أعاظم علمائهم بالعجز عن بيان معناه وأعرض عن تأويله، قال ابن حجر العسقلاني: « قال ابن بطال عن المهلّب: لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث يعني بشيء معين »(١) .

قال: « وقال ابن الجوزي في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلّبت مظانه وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به، لأن الألفاظ مختلفة ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة »(٢) .

وقال أبو بكر ابن العربي: « ولم أعلم للحديث معنى » وهذا نص كلامه في شرح الحديث: « روى أبو عيسى عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش. صحيح فعددنا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ملك باسم الملك العام اثني عشر أميراً، فوجدنا أبا بكر، عمر، عثمان، علي، الحسن، معاوية، يزيد بن معاوية، معاوية ابن يزيد، مروان، عبد الملك بن مروان، الوليد، سليمان، عمر بن عبد العزيز، هشام بن عبد الملك، يزيد بن عبد الملك، مروان بن محمد بن مروان، السفاح المنصور، المهدي، الهادي، الرّشيد، الأمين، المأمون، المعتصم، الواثق المتوكل، المنتصر، المستعين، المعتز، المهتدي، المعتمد، المعتضد، المكتفي،

____________________

(١). فتح الباري - شرح البخاري - كتاب الفتن ١٦ / ٣٣٨.

(٢). المصدر نفسه ١٦ / ٣٣٩.

٢٢٦

المقتدر، القاهر، الراضي، المتقي، المستكفي، المطيع، الطائع القائم، المهتدي وأدركته سنة ٤٨٤، وعهد إلى المستظهر أحمد ابنه. وتوفي في المحرم سنة ٨٦. ثم بايع المستظهر لابنه أبي المنصور المفضل وخرجت عنهم سنة ٩٥.

وإذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان بن عبد الملك، وإذا عددناهم بالمعنى كان معنى منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز.

ولم أعلم للحديث معنى، ولعله بعض حديث. و قد ثبت أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: كلّهم من قريش»(١) .

ثم إن كلام ( الدهلوي ) هذا يقتضي أن ينسب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدم البلاغة وقصور البيان في كلّ كلامٍ له تحيرت في فهمه الأفهام والأفكار، بل يقتضي نسبة هذا النقص إلى القرآن الكريم لاختلاف العلماء والفقهاء وتحيرهم في فهم كثير من آيات الأحكام، ونعوذ بالله عز وجل من التفوه بمثل هذا الكلام.

إن ( الدهلوي ) يريد دفع دلالة حديث الغدير على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وانْ استلزم ذلك الأباطيل المنكرة، بل الطعن في كلمات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل القرآن العظيم، ولكن تلميذه محمد رشيد الدين الدهلوي ينص على أن ثبوت خلافة الأمير من حديث الغدير لا ينافي مذهب أهل السنة، وأنه لا حاجة إلى تمهيد المقدمات المطوّلة لهذا الدليل المختصر(٢) . وكلام الرشيد الدهلوي هذا يوضح مدى تعصّب ( الدهلوي ) وأسلافه وارتكابهم الأكاذيب والخرافات في ردّ حديث الغدير، ولقد اعترف - ولله الحمد - بدلالة الحديث المذكور على مطلوب أهل الحق.

واعترف ملك العلماء شهاب الدين الدولت آبادي بدلالة حديث الغدير

____________________

(١). عارضة الأحوذي في شرح الترمذي ٩ / ٦٧ - ٦٩.

(٢). ايضاح لطافة المقال - مخطوط.

٢٢٧

على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال: « قال أهل السّنة: المراد منالحديث من كنت مولاه فعلي مولاه. أي في وقت خلافته وإمامته »(١) .

فهم يعترفون بدلالته على الامامة والخلافة، وهذا يبطل تأويل ( الدهلوي ) وبعض أسلافه، أما حمل معنى الحديث على الامامة والخلافة في وقتها فيبطله فهم الأصحاب وتهنئة الشيخين وغيرهما وغير ذلك.

قوله:

« وفي ذلك - في الحقيقة - كمال البلاغة، وهو مقتضى منصب الإرشاد والهداية ».

أقول:

فأين كان مقتضى منصب الإرشاد والهداية في حديث « سيكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش » الذي زعموا عدم وضوح معناه، ولم يخل وجه من الوجوه التي ذكروها في شرحه من نقد وإشكال، ولم يتم له توجيه يقبله أهل الفضل والكمال؟

قوله:

« فدعوى الاكتفاء حينئذ بمثل هذا الكلام الذي لا تساعده قواعد لغة العرب يستلزم إثبات قصور البيان والبلاغة، بل المساهلة في أمر التبليغ والهداية في حق النبي. والعياذ بالله من ذلك ».

النقض بحديث خوخة أبي بكر

أقول:

أولاً: إن دعوى عدم مساعدة قواعد اللغة العربية لاستفادة الامامة من حديث الغدير من عجائب التقوّلات، لثبوت دلالته من استشهاد أمير المؤمنين

____________________

(١). هداية السعداء - مخطوط.

٢٢٨

عليه‌السلام ومناشدته، ومن صريح أشعار حسان بن ثابت مع تقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشعار قيس بن سعد بن عبادة، ومن تصريحات كبار أئمة أهل السنة كما علمت آنفاً.

وثانياً: إن نفي دلالة حديث الغدير على الامامة يساوق نفي دلالة « لا إله إلّا الله » على التوحيد، ويساوق نفي دلالة « محمد رسول الله » على الرسالة.

وثالثاً: إن كلام ( الدهلوي ) هذا ينتقض بحديث خوخة أبي بكر المزعوم، ذاك الحديث الذي جعلوه من أدلة خلافة أبي بكر، فإنا نقول لمخاطبنا: إنْ لم يدل حديث الغدير على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام مع وجود تلك القرائن والشواهد فأيّ علاقة لِحديث خوخة أبي بكر مع خلافته حتى جعلوه من أدلتها؟

قال القاري بشرح حديث: « لا تبقينَّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي بكر » قال: « قال التوربشتي: وهذا الكلام كان في مرضه الذي توفي فيه في آخر خطبة خطبها، ولا خفاء بأن ذلك تعريض بأن أبابكر هو المستخلف بعده وهذه الكلمة إنْ أريد بها الحقيقة فكذلك، لأن أصحاب المنازل اللاصقة بالمسجد قد جعلوا من بيوتهم مخترقاً يمرّون فيه إلى المسجد أو كوة ينظرون إليها منه، وأمر بسدّ جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريماً له بذلك أولاً، ثم تنبيهاً للناس في ضمن ذلك على أمر الخلافة حيث جعله مستحقاً لذلك دون الناس.

وإنْ أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد باب المقالة دون التطرق إليها والتطّلع عليها، والمجاز فيه أقوى، إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة، ثم إنه مهّد المعنى المشار إليه وقرّره بقوله: ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا. ليعلم أنه أحق الناس بالنيابة عنه، وكفانا حجة على هذا التأويل تقديمه إياه في الصلاة وإباؤه كلّ الإِباء أن يقف غيره ذلك الموقف »(١) .

____________________

(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٢٤.

٢٢٩

وقال القاري أيضاً: « قال أبو حاتم: وفي قوله: سدّوا دليل على حسم أطماع الناس كلّهم من الخلافة إلّا أبابكر »(١) .

فأي علاقة بين « الخوخة » و« الخلافة » يا منصفون؟

وأي الحديثين أولى بالاستدلال: حديث الغدير لإِمامة علي أو حديث الخوخة لإِمامة أبي بكر يا منصفون؟

ولـمّا رأى الحافظ الطبري عدم دلالة حديث خوخة أبي بكر، فإنّه لم يجد بدّاً من الاعتراف بذلك فصّرح بأنه « لا ينهض في الدلالة، وإنما بانضمام القرائن الحالية إليه » وهذا نص كلامه حديث قال: « عن ابن عباس: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه، فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد آمن عليّ بنفسه وماله من ابن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر لكن خلة الاسلام سدّوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر. خرّجه أحمد والبخاري وأبو حاتم واللفظ له. وقال في قوله: سدّوا عني كلّ خوخة إلى آخره دليل على حسم أطمع الناس كلهم من الخلافة إلّا أبا بكر.

قلت: وهذا القول وحده لا ينهض في الدلالة، وإنما بانضمام القرائن الحالية التي حصلت، وذلك بارتقائه المنبر في حال المرض ومواجهة الناس بذلك وتعريفهم بحق أبي بكر وتفضيله بذكر الخلة، وذلك تنبيه على أنه الخليفة من بعده. وكأن هذا القول كالتوصية لهم به لأنه قرب الموت، وكذلك فهمه الصحابة من القال والحال »(٢) .

أقول: فإذا كان حديث الخوخة يدل على خلافة أبي بكر بانضمام القرائن من ارتقاء المنبر ومواجهة الناس والتعريف بحق أبي بكر وتفضيله كما قال المحب الطبري فإن حديث الغدير - بغض النظر عن دلالته بوحده - يدل

____________________

(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٢٥.

(٢). الرياض النضرة ١ / ١١٢.

٢٣٠

على إمامة وخلافة أمير المؤمنين بانضمام تلك القرائن إليه، من ارتقاء المنبر قرب الموت، والتعريف بحق علي وأهل البيتعليهم‌السلام ، وأنه مولى من كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مولاه - هذا الكلام الذي يفيد التساوي من جميع الوجوه وتفضيل علي بذلك كما فهمه الدهلوي - ونزول الآيات الكريمة من القرآن الكريم في تلك الواقعة، وشدة اهتمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأمر، وخوفه من شرّ المخالفين، وكون الواقعة في زمان ومكان لم يتعارف فيه هكذا اجتماع، ثم أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بردّ من تقدم وإلحاق من تخلّف، وصنعه منبراً له من أقتاب الإِبل، ثم رفعه لعلي حتى رآه الناس كلّهم، مع تغيير ملابسه وتعميمه إياه بيده، ثم تهنئة الشيخين وعامة الأصحاب والأزواج لعلي، وترتّب الثواب العظيم على صوم هذا اليوم المبارك إلى غير ذلك

ذكر من روى تعميم النبي عليّاً يوم الغدير بيده

وقد روى حديث تعميم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده علياًعليه‌السلام يوم غدير خم جماعة من أكابر أئمة أهل السنة أمثال:

١ - سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي.

٢ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي.

٣ - أحمد بن منيع البغوي.

٤ - أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.

٥ - محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري.

٦ - إبراهيم بن محمد الحمويني.

٧ - محمد بن يوسف الزرندي.

٨ - علي بن محمد المعروف بابن الصبّاغ.

٩ - جلال الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر السّيوطي.

١٠ - جمال الدّين عطاء الله بن فضل الله المحدّث الشيرازي.

٢٣١

١١ - علاء الدين علي بن حسام الدين الشّهير بالمتّقي.

١٢ - محمود بن علي الشيخاني القادري.

١٣ - أحمد بن محمد القشاشي.

قال علي المتقي: « عن علي قال: عممّني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدلها خلفي. وفي لفظ: فسدل طرفيها على منكبي. ثم قال: إنّ الله أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العمة. وقال: إن العمامة حاجزة بين الكفر والايمان. وفي لفظ بين المسلمين والمشركين، ورأى رجلاً يرمى بقوس فارسية فقال: إرم بها. ثم نظر إلى قوس عربية فقال: عليكم بهذه وأمثالها ورماح القنا، فإن بهذه يمكّن الله لكم في البلاد ويؤّيد لكم. ش. ط وابن منيع ق»(١) .

و قال محب الدين الطبري: « ذكر تعميمه إياه بيده، عن عبد الأعلى بن عدي البهراني: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا علياً يوم غدير خم فعمّمه وأرخى عذبه من خلفه »(٢) .

وقال شهاب الدين أحمد: « عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه رضي الله تعالى عنهم: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم عمّم علي بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه عمامته السحابة وأرخاها من بين يديه ومن خلفه، ثم قال: أقبل فأقبل. ثم قال: أدبر فأدبر. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم: هكذا جاءتني الملائكة ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله »(٣) .

وقال الحمويني: « أخبرنا القاضي جلال الدين أبو المناقب محمود بن مسعود

____________________

(١). كنز العمال للملا علي المتقي. والمراد من « ش » هو ابن أبي شيبة. ومن « ط » أبو داود الطيالسي.

ومن « ق » البيهقي.

(٢). الرياض النصرة ٢ / ٢٨٩.

(٣). توضيح الدلائل - مخطوط.

٢٣٢

ابن أسعد بن العراقي الطاووس القزويني إجازة بروايته عن الشيخ إمام الدين عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم إجازة قال: أنبأنا أبو منصور شهردار بن شيرويه ابن شهردار الحافظ إجازة قال: أنبأنا أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الامام أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة الحافظ بقراءتي عليه بإصفهان في داره، أنبأنا أبو عمر عثمان بن محمد بن أحمد بن سعيد الخلّال، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن جميل، أنبأنا جدّي إسحاق، أخبرنا أحمد بن منيع عن علي بن هاشم عن أشعث بن سعيد عن عبد الله ابن بشر عن أبي راشد عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله عز وجل أيّدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين هذه العمة، والعمة الحاجز بين المسلمين والمشركين. قاله لعلي لما عمّمه يوم غدير خم بعمامة سدل طرفها على منكبيه »(١) .

وقال أيضاً: « عن جعفر بن محمد قال: حدثني أبي عن جدي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عممّ علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه عمامته السحاب فأدخلها من بين يديه ومن خلفه، ثم قال: أقبل فأقبل ثم قال: أدبر فأدبر، قال: هكذا جاءتني الملائكة »(٢) .

وقال أيضاً: « عن علي بن أبي طالب قال: عممّني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفها على منكبي وقال: إن الله أمدّني يوم بدر بملائكة معتمين بهذه العمامة »(٣) .

روى محمد بن يوسف الزرندي الحديث الثاني المذكور عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه وأضاف: « ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من

____________________

(١). فرائد السمطين ١ / ٧٥.

(٢). المصدر ١ / ٧٦.

(٣). المصدر ١ / ٧٦.

٢٣٣

والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله »(١) .

ورواه نور الدين ابن الصباغ: « عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه قال: عممني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل نمرقها على منكبي وقال: إن الله تعالى أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين هذه العمامة »(٢) .

وقال المحدّث الشيرازي: « ورواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّهعليهم‌السلام وفيه من الزيادة: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمّم علي بن أبي طالب عمامته السحابة أرخاها بين يديه ومن خلفه. ثم قال: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر. فقال: هكذا جاءتني الملائكة يوم بدر ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث »(٣) .

وقال محمود بن محمد بن علي الشيخاني القادري المدني: « وفي الفصول المهمة عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه قال: عممّني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل نمرقها على منكبي وقال: إن الله تعالى أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين هذه العمامة »(٤) .

وقال أحمد القشاشي: « فقد روينا بالسّند السابق إلى الحافظ جلال الدين السيوطي أنه قال في الجامع الكبير معزواً إلى ابن أبي شيبة والطيالسي وابن منيع والبيهقي ما نصه: عن عليرضي‌الله‌عنه قال: عممني رسول الله »(٥) .

____________________

(١). نظم در السمطين ١١٢.

(٢). الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ٢٧.

(٣). الأربعين للمحدّث الشيرازي - مخطوط.

(٤). الصراط السوى - مخطوط.

(٥). السمط المجيد في سلاسل التوحيد: ٩٩.

٢٣٤

ترجمة أحمد القشاشي

والشيخ أحمد القشاشي من أعاظم مشايخ والد ( الدهلوي ) في الإجازة، وقد ترجم له المحبي في ( خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ) ذاكراً فضائله منوّهاً بمقاماته وجلالته فراجع(١) .

قوله:

« فقد ظهر أن غرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إفادة هذا المعنى الذي يفهم من هذا الكلام بلا تكلّف، أي إن محبة علي فرض كمحبة النبي ومعاداته محرّمة كمعاداة النبي، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المطابق لفهم أهل البيت ».

أقول:

لقد - ظهر - مما - ذكرنا - سابقاً - أن غرضه - صلّى الله عليه - وآله وسلّم - إفادة ما هو الظاهر المفهوم من كلامه بلا تكلّف، أي كون أولوية أمير المؤمنينعليه‌السلام بالتصرف مثل أولوية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتصرف، وأن طاعته فرض واجب مثل إطاعة النبي. وهذا هو مذهب أهل الديانة وهو المطابق لفهم أهل البيتعليهم‌السلام.

معنى حديث الغدير عند أهل البيت والأصحاب

فقد روى العلامة المجلسي: « عن أبي إسحاق قال: قلت لعلي بن الحسينعليه‌السلام : ما معنى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه؟

قال: أخبرهم أنه الامام بعده »(٢) .

____________________

(١). خلاصة الاثر ١ / ٣٤٣.

(٢). بحار الانوار للعلامة محمد باقر المجلسي ٣٧ / ٢٢٣.

٢٣٥

ومثله روايات عديدة في ( بحار الأنوار ) وغيره من كتب الأخبار، ونحن نكتفي بالخبر المذكور لغرض المعارضة به مع الخبر الذي سيذكره ( الدهلوي ) عن طريق أهل مذهبه، على أن الخبر الذي ذكرناه له شواهد تصدّقه وهي أشعار أمير المؤمنين، وأشعار حسان بن ثابت - التي قالها في حضور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ومع تقريره - وأشعار قيس بن سعد وغير ذلك من الشواهد والقرائن المذكورة سابقاً.

ومع ذلك كله ترى الفضل ابن روزبهان يقول في جواب ( نهج الحق وكشف الصدق ): « والعجب أن هذا الرجل لا ينقل حديثاً إلّا من جماعة أهل السنة، لأن الشيعة ليس لهم كتاب ولا رواية ولا علماء مجتهدون مستخرجون للأخبار، فهو في إثبات ما يدّعيه عيال على كتب أهل السنة ».

وقد جعل هذا الرجل أو تجاهل أو نقل الشيعة الحديث عن جماعة أهل السنة هو لأجل الإِفحام والإِلزام كما هو قاعدة البحث والمناظرة، وهذا لا يدل على أن الشيعة ليس لهم كتاب ولا رواية ولا علماء مجتهدون مستخرجون للأخبار.

إذن، يجوز للشيعة الاحتجاج بأحاديثهم، بل قد يجب عليهم ذلك أحياناً لأغراضٍ عديدة، ومنها إثبات أن لهم كتباً وروايات وعلماء.

وبنقل الحديث المذكور عن الامام السّجاد زين العابدينعليه‌السلام ثبت أن الذي فهمه أئمة أهل البيتعليهم‌السلام من حديث الغدير، هو الأولوية بالامامة والخلافة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فظهر بطلان دعوى ( الدهلوي ).

[٥] التمسك بكلام يروونه عن الحسن المثنى

قوله: « أخرج أبو نعيم عن الحسن المثنى ابن الحسن السبط رضي الله عنهما أنه سئل: هل حديث من كنت مولاه نص على خلافة عليرضي‌الله‌عنه ؟ فقال: لو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني بذلك الخلافة لأفصح لهم بذلك، فإن

٢٣٦

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أفصح الناس، ولقال لهم: يا أيها الناس هذا والي أمركم والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا.

ولو كان الأمر إن الله جلّ وعلا ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إختار علياً لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده، فإنّ علياً أعظم الناس خطيئة وجرماً، إذ ترك أمر رسول الله أن يقوم فيه كما أمره ويعذر إلى الناس.

فقيل له: ألم يقل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟

فقال: أما والله لو يعني رسول الله بذلك الأمر والسلطان لأفصح به كما أفصح بالصّلاة والزكاة ولقال يا أيها الناس: إنّ علياً والي أمركم من بعدي والقائم في الناس ».

أقول: إحتجاج ( الدهلوي ) بهذه الرواية الموضوعة باطل لوجوه:

١ - هذه الرواية من متفردات الجماعة

إنّ هذه الرواية لم ينقلها الشيعة، وإنما هي من متفرّدات أهل السنّة والجماعة، وأنت تعلم أنّ روايات كلّ طائفة لا تكون حجة على الطائفة الأَخرى في مقام البحث والمناظرة والاستدلال، فانْ جعلت روايات أهل السنة حجة على الشيعة فلتجعل روايات الشيعة على أهل السنة حجة كذلك.

٢ - استدلاله بها يخالف ما التزم به

ثم إنّ ( الدهلوي ) قد خالف وعده ونكث عهده وذلك لأنه قد التزم في كتابه ( التحفة ) بأن ينقل في باب الامامة من كتب أهل الحق فقط، فقال - بعد ذكر الآيات التي استدل بها بزعمه على خلافة أبي بكر -: « وأمّا أقوال العترة فإن المروي منها من طريق أهل السنة خارج عن حدّ الحصر والإِحصاء، فلتلحظ في ذاك

٢٣٧

الكتاب ( يعني ازالة الخفاء ) ولـمّا وقع الالتزام في هذه الرسالة بعدم التمسّك بغير روايات الشيعة في جميع المسائل فإنه يذكر من اقوال العترة في هذا الباب ما جاء منها في كتبهم المعتبرة ومرويّاتهم الصحيحة ».

فنقول: العجب أن ( الدهلوي ) يلتزم هنا بأن لا ينقل من أقوال العترة حديثاً إلّا من كتب الشيعة المعتبرة ومرويّاتهم الصحيحة، ومع ذلك يخالف في هذا المقام ومقامات كثيرة غيره ما التزم به( وَ مَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) .

٣ - اعترافه بعدم حجية روايات فرقة على أُخرى

وقال ( الدهلوي ) في صدر كتابه ( التحفة ): « وفي نقل مذهب الشيعة وبيان أصولهم وما يمكن إلزامهم به فقد التزم في هذه الرسالة بعدم النقل من غير كتبهم المعتبرة، كما أن الزام أهل السنة يجب أن يكون بحسب روايات أهل السنة، وإلّا توجه إلى كلّ واحد من الطرفين التهمة بالتعصب والعناد، ولم يتحقق الاعتماد والوثوق بينهما ».

وهذا الكلام صريح في عدم حجية روايات كلّ فرقة من الفرقتين على الفرقة الأُخرى، فالعجب أن هذا الرجل يقول هذا الكلام ثم ينسى أو يتناسى ما قاله، فيخالفه في موارد عديدة من البحث والكلام، ومن ذلك احتجاجه بهذا الحديث الذي رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى، وهو حديث مزعوم موضوع لم يروه إلّا أهل السنة.

٤ - ليس هذا الحديث في الكتب الصحيحة

وهذا الحديث المزعوم لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الصحاح عند أهل السنة، أو الكتب التي التزم فيها بالصحة، ولا هو من الأحاديث الصحيحة سنداً، وقد ذكر ( الدهلوي ) في كتاب ( التحفة ) في باب الامامة عند الجواب عن

٢٣٨

الحديث السادس فيه: « إن القاعدة المقررة لدى أهل السنة هي: إن كل حديث رواه بعض أئمّة فن الحديث في كتاب لم يلتزم فيه بصحة ما فيه، مثل البخاري ومسلم وبقية أصحاب الصحاح، أو لم يصرّح بصحة ذاك الحديث صاحب الكتاب أو غيره من المحدثين الثقات، فهو غير قابل للاحتجاج ».

فهذه هي القاعدة المقررة لدى أهل السنة كما يقول ( الدهلوي )، فكيف يحتج بهذا الحديث المزعوم الذي ليس مصداقاً لهذه القاعدة؟!.

٥ - مالا سند له لا يصغى إليه

ومن القواعد المقرّرة لدى أهل السنّة - كما ذكر ( الدهلوي ) - أنهم لا يصغون إلى الحديث الذي لا سند له، وعلى هذا الأساس حاول ( الدهلوي ) نفسه الجواب على المطعن الثالث من مطاعن أبي بكر بعد إنكاره قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لعن الله من تخلّف عنها » وإن كان الشهرستاني صاحب ( الملل والنحل ) وغيره من رواته فقال: إنّ كلّ حديث لم يكن في الكتب المسندة للمحدّثين مع الحكم بالصحة فلا يصغى إليه.

وعلى ضوء ما ذكر ( الدهلوي ) في ذاك المقام نعترض عليه إستناده إلى هذا الحديث المزعوم في محلّ الكلام، لأنّه ليس حديثاً مسنداً في كتب المحدّثين فضلاً عن كونه صحيحاً عندهم، فيلزم أن لا يصغى إليه، فكيف يستند إليه والحال هذه؟

ونظير المقام إستناده إلى الحديث المختلق: « ما صبّ الله في صدري شيئاً إلّا وصببته في صدر أبي بكر » وهو أيضاً لا سند له أبداً. كما نصّ عليه ابن الجوزي وغيره في ( الموضوعات ).

٦ - احتجاج الدهلوي بهذا الحديث تعسف

إن ( الدهلوي ) يردّ في باب الامامة أحاديث عديدة يرويها أكابر أئمة أهل

٢٣٩

مذهبه ومشاهير محدثيهم بالأسانيد المتكررة والطرق المختلفة، أمثال حديث الطائر وحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » وحديث الأشباه، بل إنّ هذه الأحاديث الثلاثة المذكورة يرويها والده أيضاً في جملة فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فالعجب من هذا الرجل الذي يرد هكذا أحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة، كيف يستند إلى حديث أبي نعيم في هذا المقام؟

وأيضاً نرى ( الدهلوي ) يستهزئ بالشيعة ويطعن فيهم لأنهم يحتجّون بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » - مع أنه حديث متواتر يرويه كبار أئمة المحدثين والحفاظ من أهل السنة، ويثبته والده الشاه ولي الله الدهلوي - لأنه بزعمه حديث موضوع!! وهو في نفس الوقت يحتجّ برواية أبي نعيم التي لا تبلغ درجة حديث « أنا مدينة العلم » ونحوه من أحاديث فضائل الامامعليه‌السلام !!

ألا يتوَجّه عليه ما تلفّظ به بالنسبة إلى الشيعة من ألفاظ الاستهزاء والسخرية؟!

٧ - بطلان المعارضة من كلام والد الدهلوي

وكما ثبت بطلان استدلال ( الدهلوي ) برواية أبي نعيم من كلام نفسه، فإنه يثبت بطلان استدلاله بهذه الرواية من كلام والده الشاه ولي الله الذي نصَّ في آخر كتابه ( قرة العينين في تفضيل الشيخين ) على عدم جواز المناظرة مع الزيدية بل الامامية بأحاديث الصحيحين فضلاً عن غيرها.

فنقول: فاستناد ولده إلى رواية أبي نعيم في هذا المقام تعسّف باطل ومخالفة للقواعد المقرّرة وعقوق لوالده.

٨ - بطلان المعارضة من كلام تلميذه

وكما بطل استناد ( الدهلوي ) إلى رواية أبي نعيم من كلام والده، فهو باطل لدى تلميذه محمد رشيد الدين خان الدهلوي الذي ذكر في كتابه ( الشوكة

٢٤٠