نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١١

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 362

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 362
المشاهدات: 176932
تحميل: 2647


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 362 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 176932 / تحميل: 2647
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 11

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

وقال الذهبي: « قال أبو عبد الله الحاكم: ينظر في أمره »(١) وفي ( تهذيب التهذيب ) « قال ابن القطّان: لا نعلم عدالته »(٢) .

ومن هنا فقد ذكره ابن حجر العسقلاني في مقدمة ( فتح الباري ) في سياق أسماء من طعن فيه من رجال البخاري(٣) .

الحديث من طريق آخر

ورواه الطّبراني في ( المعجم الصّغير ) من رواية « عصمة بن مالك » لكنَّ إسناده ضعيف كذلك، قال المناوي: « لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. أخبر عمّا لم يكن لو كان كيف يكون، وفيه إبانة عن فضل ما جعله الله لعمر من أوصاف الأنبياء وخلال المرسلين، حم ت ك‍ عن عقبة بن عامر الجهني طب عن عصمة بن مالك وإسناده ضعيف »(٤) .

وقال بعد قول السيوطي: « طب عن عصمة بن مالك » قال: « قال البيهقي: وفيه: الفضل بن مختار، وهو ضعيف »(٥) .

ضعف الفضل بن المختار

أقول: ولنذكر بعض كلماتهم في ضعف هذا الرجل:

قال ابن الجوزي في ( الضعفاء والمتروكين ): « الفضل بن المختار أبو سهل

____________________

(١). ميزان الاعتدال: ١ / ٣٤٧.

(٢). تهذيب التهذيب: ١ / ٤٨٦.

(٣). هدي الساري ٣٩١.

(٤). التيسير في شرح الجامع الصغير: ٢ / ٣١٠.

(٥). فيض القدير في شرح الجامع الصغير: ٥ / ٣٢٥.

٢٢١

البصري. منكر الحديث. وقال ابو حاتم الرازي: يحدث بالأباطيل، سمع محمد ابن مسلم الطائفي، وأبان بن أبي عيّاش. روى عنه إبراهيم بن مخلّد، وسعيد بن عفير ».

وفي ( ميزان الاعتدال ): « الفضل بن المختار أبو سهل البصري، عن ابن أبي ذئب وغيره، قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة يحدّث بالأباطيل. وقال الأزدي: منكر الحديث جدّاً، وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة عامّتها لا يتابع عليها » ثم روى عنه أحاديث فقال: « فهذه أباطيل وعجائب»(١) .

وفي ( المغني في الضعفاء ): « الفضل بن المختار أبو سهل عن ابن أبي ذئب، مجهول، قال أبو حاتم: ويحدّث بأباطيل »(٢) .

وفي ( لسان الميزان ): « وقال العقيلي يحدِّث عن محمد بن مسلم الطّائفي، وهو منكر الحديث »(٣) .

وقال السّيوطي في ( ذيل اللآلي المصنوعة ): « ابن عدي: حدثنا الحسين بن عبد الغفار الأزدي، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير، حدثنا الفضل بن المختار، عن أبان، عن أنس قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر: يا أبابكر ما أطيب مالك، منه بلال مؤذّني وناقتي التي هاجرت عليها، وزوجتني ابنتك، وواسيتني بنفسك ومالك، كأني أنظر إليك على باب الجنّة تشفع لأمتي. أورده ابن الجوزي في الواهيات، وقال: أبان متروك، والفضل بن المختار قال أبو حاتم الرازي: يحدّث بالأباطيل، وأورده صاحب الميزان في ترجمة الفضل وقال: هذا باطل ».

____________________

(١). ميزان الاعتدال: ٣ / ٣٥٨.

(٢). المغني في الضعفاء: ٢ / ٥١٣.

(٣). لسان الميزان: ٤ / ٤٤٩.

٢٢٢

الحديث بلفظٍ آخر

وجاء بعض الوضّاعين فنسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال لعمر بن الخطاب: « لو كان بعدي نبي لكنته ».

لكنّ المحققّين النقاد من أهل السّنة كالخطيب البغدادي وابن عساكر أنكروه، فقد قال المتقي: « عن ابن عمر: قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر بن الخطاب: لو كان بعدي نبي لكنته. خط وقال: منكر، كر »(١) .

وقال: « لو كان بعدي نبي لكنته قاله لعمر. الخطيب في رواة مالك، وابن عساكر عن ابن عمر وقال: منكر »(٢) .

بل لقد أورده ابن الجوزي في ( الموضوعات ) قال البدخشاني في ( تحفة المحبين ): « لو كان بعدي نبي لكنته. قاله لعمر. خط في رواة مالك، عس وقال: منكر، كلاهما عن ابن عمر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ».

الغرض من وضع هذا الحديث

ثمّ إنَّ الغرض من هذا الإِفتراء والتزوير هو مقابلة الحديث المتواتر الوارد في حق أمير المؤمنينعليه‌السلام : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » إذْ فيه إيماء لطيف إلى أنّه لو كان بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبي لكان عليعليه‌السلام ، وقد اعترف علماء أهل السنة بهذا المعنى، كما لا يخفى على من لاحظ ( المرقاة في شرح المشكاة ).

____________________

(١). كنز العمال: ١٤ / ٢٤٤.

(٢). كنز العمال: ١٢ / ١٨٦.

٢٢٣

بل لقد صرَّح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا في بعض طرق حديث المنزلة قال العلامة ابن شهرآشوب: « وفي رواياتٍ كثيرة: إلّا أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنته. رواه الخطيب في التاريخ، وعبد الملك العكبري في الفضائل، وأبوبكر بن مالك، وابن الثلاج، وعلي بن الجعد، في أحاديثهم، وابن فياض في شرح الأخبار عن عمّار بن مالك، عن سعيد بن خالد، عن أبيه »(١) .

وقال السيوطي في ( بغية الوعاة ) في « باب في أحاديث منتقاة من الطبقات الكبرى، عنَّ لنا أن نختم بها هذا المختصر، ليكون المسك ختامه والكلم الطيب تمامه » بعد أحاديث رواها بسنده عن الخطيب:

« وبه إليه: أنبأنا أبو القاسم الأزهري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا ابن أبي الأزهر، حدثنا أبو كريب محمد بن العلا، حدثنا محمد بن إسماعيل بن صبيح، حدثنا أبو أويس، حدثنا محمد بن المنكدر، حدثنا جابر قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ولو كان لكنته »(٢) .

بل إنَّ هناك أحاديث أخرى من فضائله تدل على هذا المعنى، ففي كتاب ( المودّة في القربى للهمداني ): « عن أنسرضي‌الله‌عنه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله اصطفاني على الأنبياء واختار لي وصيّاً وخيرت ابن عمي وصيّي، وشدّ به عضدي كما شدّ عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي ووزيري، ولو كان بعدي النبوة لكان نبيا ».

ويؤيّده أخبار أخرى، منها ما رواه النطنزي في ( الخصائص العلوية ) بقوله: « أخبرني أبو علي الحداد قال: حدّثني أبو نعيم الأصفهاني بإسناده عن الأشج قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١). مناقب آل أبي طالب: ٣ / ٦.

(٢). بغية الوعاة: ٤٤٠.

٢٢٤

يقول: يا علي إنَّ اسمك في ديوان الأنبياء الذين لم يوح إليهم ».

تقليب الحديث الموضوع

والجدير بالذكر أن بعض مهرة الوضع قلب متن ذاك الحديث الموضوع فذكره بلفظ « لو لم أبعث فيكم لبعث عمر » فقد جاء في ( ميزان الاعتدال ) ما نصه: « رشدين بن سعد المهري المصري، عن زهرة بن معبد، ويونس بن يزيد وعنه: قتيبة، وأبو كريب، وعيسى بن مثرود، وخلق. قال أحمد: لا يبالي عمّن روى، وليس به بأس في الرقاق وقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال الجوزجاني: عنده مناكير كثيرة. قلت: كان صالحاً عابداً سيّئ الحفظ غير معتمد. مات سنة ١٨٨. وقال أبو يوسف الرقي: إذا سمعت بقيّة يقول ثنا أبو الحجاج المهري فاعلم أنّه رشدين بن سعد، وعن قتيبة قال: ما وضع في يد رشدين شيء إلّا وقرأه، وقال س: متروك.

عمرو الناقد، ثنا عبد الله بن سليمان الرقي، ثنا رشدين، عن عقيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: لكلّ شيء قمامة وقمامة المسجد لا والله وبلى والله.

رشدين، عن ريان بن قائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه مرفوعاً: الذي يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة يتّخذ جسراً إلى جهنم.

أحمد بن الحجاج القهستاني، ثنا ابن المبارك، ثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحرث، عن أبي السمج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد: لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفاعل والمفعول به وقال: أنا منهم بريء.

ابن أبي السري العسقلاني، ثنا رشدين، ثنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعاً: لو لم أُبعث فيكم لبعث عمر نبياً. قال ابن

٢٢٥

عدي: قلّب رشدين متنه، إنما متنه لو كان بعدي نبي لكان عمر »(١) .

أورده ابن الجوزي في الموضوعات

بل لقد أورده ابن الجوزي في ( الموضوعات ) ضمن الأحاديث الموضوعة في فضل عمر قائلاً: « الحديث الثاني: أنبأنا إسماعيل بن أحمد قال: أنبأنا ابن مسعدة قال: أنبأ حمزة قال: أنبأ ابن عدي قال: ثنا علي بن الحسن بن قديد قال: ثنا زكريا ابن يحيى الوقار قال: ثنا بشر بن بكر، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن عصيف بن الحارث، عن بلال بن رباح قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.

قال ابن عدي: وثنا عمر بن الحسن بن نصر الحلبي قال: ثنا مصعب بن سعد أبو خيثمة قال: ثنا عبد الله بن واقد قال: حدّثنا حيوة بن شريح، عن بكر ابن عمرو، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.

قال المصنف: هذان حديثان لا يصحّان عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. أمّا الأوّل: فإن زكريا بن يحيى كان من الكذّابين الكبار، قال ابن عدي: كان يضع الحديث. وأمّا الثّاني: فقال أحمد ويحيى: عبد الله بن واقد ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبّان: انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به »(٢) .

____________________

(١). ميزان الاعتدال: ٢ / ٤٩.

(٢). الموضوعات: ١ / ٣٢٠.

٢٢٦

دفاع السّيوطي

ومن الصنائع المستفظعة: كلام السّيوطي في تعقيب كلام ابن الجوزي والدفاع عن هذا الحديث الباطل والكذب الواضح، إذ قال: « ابن عدي، ثنا علي بن الحسين بن قدير، ثنا زكريا بن يحيى الوقار، ثنا بشر بن بكر، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني، عن ضمرة، عن عصيف بن الحارث، عن بلال ابن رباح مرفوعاً: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.

وقال: ثنا عمر بن الحسن بن نصر الحلبي، ثنا معصب بن سعد أبو حنيفة، ثنا عبد الله بن واقد، ثنا حياة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن مشرح ابن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعاً: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر. لا يصح. زكريا كذّاب يضع، وابن واقد متروك، ومشرح لا يحتج به.

قلت: زكريا ذكره ابن حبان في الثقات، وابن واقد هو أبو قتادة الحراني وثّقه ابن معين وأحمد وغيرهما، ومشرح ثقة صدوق، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة.

وقال أبو العباس الزوزني في كتاب شجرة العقل: ثنا علي بن الحسين بالرقة، ثنا أبو عبد الله محمد بن عتبة المعروف بالرملي، ثنا الحسين بن الفضل الواسطي، ثنا عبد الله بن واقد، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن جبير الحضرمي قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر: لو لم أبعث لبعثت.

وقد ورد من حديث أبي بكر وأبي هريرة. قال الديلمي: أنا أبي، أنا عبد الملك بن عبد الغفار، أنا عبد الله بن عيسى بن هارون، عطاء بن ميسرة الخراساني، عن أبي هريرة رفعه: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر، أيّد الله عمر بملكين يوفّقانه ويسدّدانه، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صوابا قال الديلمي: تابعه راشد بن سعد، عن المقدام بن معدي كرب، عن أبي بكر الصديق. والله

٢٢٧

أعلم »(١) .

الرّد على دفاع السّيوطي

ودفاع السّيوطي عن هذا الحديث المصنوع الموضوع مردود وذلك:

أوّلاً: لأنّ السّيوطي قد حرَّف كلام ابن الجوزي، فقد جاء في كلامه في جرح ( زكريّا بن يحيى ) قوله: « كان من الكذابين الكبار » لكنّ السّيوطي ذكر بدل هذه الجملة كلمة « كذّاب ».

كما ذكر ابن الجوزي عن أحمد ويحيى قولهما في ( عبد الله بن واقد ): « ليس بشيء ». لكنّ السّيوطي أسقط ذلك من عبارة ابن الجوزي تمهيداً لزعمه بعد ذلك « وثّقه ابن معين وأحمد ».

وأيضاً، جاء في كلام ابن الجوزي عن ابن حبان « انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به » لكنّ السّيوطي حوّرها إلى كلمة « لا يحتج به ».

إلى غير ذلك من الدقائق التي لا تخفى على أهل النظر

وثانياً: لأنّ قوله في حق ( زكريا بن يحيى ): « ذكره ابن حبان في الثقات » لو سلّم فهو معارض بطعن وجرح جماعة من الأئمة، قال الذهبي: « زكريا بن يحيى المصري، أبو يحيى الوقار، عن ابن وهب فمن بعده، قال ابن عدي: يضع الحديث، كذّبه صالح جزرة، قال صالح: ثنا زكريا الوقار وكان من الكذّابين الكبار، وقال ابن يونس: كان فقيها صاحب حلقة، عاش ثمانين سنة، وقيل كان من الصلحاء العباد الفقهاء نزح عن مصر أيام محنة القرآن إلى طرابلس المغرب، ضعّفه ابن يونس وغيره »(٢) .

____________________

(١). اللئالي المصنوعة: ١ / ٣٠٢.

(٢). ميزان الاعتدال: ٢ / ٧٧.

٢٢٨

وقال ( المغني في الضعفاء ): « زكريا بن يحيى الوقار عن ابن وهب، وكان احد الفقهاء اتّهم بالكذب »(١) .

بل لقد ضعّفه السّيوطي نفسه ونقل كلمات الأعلام في ذلك، فقد جاء في كتاب الأنبياء والقدماء من ( ذيل اللآلي المصنوعة ) بعد حديث: « قلت: زكريا الوقار، قال ابن عدي: يضع الحديث. وقال صالح جزرة: كان من الكذّابين الكبار. وقال ابن حبان: أخطأ في هذا الحديث. وقال العقيلي: حدّث عن ابن وهب حديثاً باطلاً ».

وثالثاً: لأنّ ما ذكره لتوثيق « ابن واقد » مردود بما تقدّم في كلام ابن الجوزي عن احمد ويحيى من أنّه « ليس بشيء » وعن النسائي: « متروك الحديث ». لكنّ السّيوطي أسقط من كلام ابن الجوزي قدح أحمد ويحيى، ولم ينسب قدح النسائي إليه بل قال: « متروك » من دون ما نسبة إلى قائل وهل هذا إلّا تخديع شنيع؟!.

ولو كان السيوطي بصدد التحقيق في المسألة لكان مقتضى القاعدة عدم تحريف كلام ابن الجوزي، وذكر نصه بتمامه ثم التحقيق في ثبوت قدح أحمد ويحيى، فإمّا يذعن بذلك وإما يبطله ويثبت توثيقهما الرجل ببرهان مبين، أو يرجّح التوثيق على الجرح - لو ثبت كلا الطرفين - بدليل

لكنّه سلك غير سبيل المحقّقين وارتكب ما لا يجوز

والتحقيق: إنّه لو ثبت توثيق أحمد ويحيى « لابن واقد » لعارضه جرحهما إيّاه - بنقل ابن الجوزي - وتكون النتيجة سقوطهما معا، وبقاء جرح النسائي بلا معارض، وهو كاف لضعف الرجل. فكيف وقد وافقه على ذلك جماعة، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، وابن سعد، وصالح جزرة، والحربي، وابن عدي، والدار قطني، وأبى داود، وأبي نعيم، وغيرهم؟!. بل لو فرض ثبوت توثيق

____________________

(١). المغني: ١ / ٢٤٠.

٢٢٩

أحمد ويحيى لم يلتفت إليه مع ذلك قال الذهبي: « ق: عبد الله بن واقد، أبو قتادة الحراني، مات سنة عشر ومائتين. قال البخاري: سكتوا عنه، وقال أيضاً: تركوه، وقال أبو زرعة والدار قطني: ضعيف، وقال أبو حاتم: ذهب حديثه، وروى عبد الله بن أحمد عن ابن معين: ليس بشيء، وروى الدولابي عن عباس عن يحيى: ليس بشيء، وقال أيضا: ليس به بأس، كثير الغلط.

ابن عدي، ثنا ابن حوصا، ثنا عباس بن محمد عن ابن معين: أبو قتادة الحراني ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدّا وقال: هؤلاء أهل حران يحملون عليه، كان أبو قتادة يتحرّى الصّدق، ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث، وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك وربّما أخطأ وقال الجوزجاني: متروك.

وقال يحيى بن بكير: قدم ابو قتادة على الليث وعليه جبّة صوف وهو يكتب في كتف قد وضع صوفة في قشر جوزة فكتب منها، فلمـّا ذهب إلى منزله بعث إليه سبعين ديناراً فردّها.

وقال ابن حبان: كان أبو قتادة من عبّاد الجزيرة فغفل عن الإِتقان، فوقعت المناكير في أخباره، فلا يجوز أنْ يحتجّ بخبره »(١) .

وقال ابن حجر: « قال الميموني عن أحمد: ثقة إلّا أنّه كان ربما أخطأ، وكان من أهل الخير يشبه النسّاك، وكان له ذكاء، وقال عبد الله عن أبيه نحو ذلك، وزاد: فقيل له: إن قومه يتكلّمون فيه، قال: لم يكن به بأس، فقلت: إنهم يقولون: لم يكن يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أنيسة، قال: لعلّه اختلط، أما هو فكان ذكيا، فقلت: إن يعقوب بن إسحاق بن صبيح ذكر أنه كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدّا وقال: كان أبو قتادة يتحرى الصّدق وأثنى عليه قال: قد رأيته

____________________

(١). ميزان الاعتدال: ٢ / ٥١٧.

٢٣٠

يشبه أصحاب الحديث، وأظنّه كان يدلّس، ولعله كبر فاختلط.

قال عبد الله بن أحمد: وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الدوري عن يحيى: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقلت: ضعيف الحديث؟ قال: نعم لا يحدّث عنه. قال: وسألت أبي عنه، فقال: تكلّموا فيه، منكر الحديث وذهب حديثه، وقال البخاري: تركوه منكر الحديث وقال في موضع آخر: سكتوا عنه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: متروك الحديث. قال البخاري مات سنة ٢٠٧. وقال أبو عروبة الحراني: ذكر أصحابنا أنه مات سنة ٢١٠.

قلت: وقال ابن سعد: كان لأبي قتادة فضل وعبادة ولم يكن في الحديث بذاك، وقال البزار: لم يكن بالحافظ، وكان عفيفاً متفّقهاً بقول أبي حنيفة، وكان يغلط ولا يرجع إلى الصواب. وقال ابن حبان: كان من عبّاد الجزيرة فغفل عن الإِتقان وحدّث عن الوهم فوقع المناكير في حديثه، فلا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال صالح جزرة: ضعيف مهين. وقال الحربي: غيره أوثق منه - وهذه العبارة يقولها الحربي في الذي يكون شديد الضعف - وقال أبو عروبة: كان يتكّل على حفظه فيغلط، وقال ابن عدي: ليس هو عندي ممّن يتعمّد الكذب، إنما يخطئ، وقال أبو داود: أهل حرّان يضعّفونه وأحمد ثنا عنه. وقال: إنما كان يؤتى من لسانه، وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بقائم، وقال أبو نعيم الاصبهاني: روى عن هاشم وابن جريح منكرات »(١) .

وأمّا دعوى السيوطي توثيق « غيرهما » - أي غير أحمد ويحيى - « لابن واقد » فلم نجد في كتب الرجال ما يدلّ عليها، وعلى المدّعي إثبات ذلك نعم ذكروا القدح فيه عن جماعة من الأساطين بالاضافة إلى أحمد ويحيى، كما علم من عبارات ( الميزان ) و ( تهذيب التهذيب ) وكذا في غيرهما من الكتب ففي

____________________

(١). تهذيب التهذيب: ٦ / ٦٦.

٢٣١

( الضعفاء المتروكين لابن الجوزي ): « عبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني مشهور بالحديث والزهد. قال أبو حاتم: ذهب حديثه. وقال الدار قطني وغيره: ضعيف. وأما أحمد فقال: ما به بأس وربما أخطأ، وقال البخاري: تركوه ».

وفي ( تقريب التهذيب ): « عبد الله بن واقد الحراني أبو قتادة، أصله من خراسان -: متروك، وكان أحمد يثني عليه وقال: لعلّه كبر واختلط وكان يدلّس. من التاسعة. مات سنة ٢١٠ »(١) .

وقال السندي في ( مختصر تنزيه الشريعة ): « عبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، روى خبراً موضوعاً مهتوكاً قال الذهبي هو آفته، وقال ابن الجوزي: دسّ في حديثه، وكان مغفّلاً ».

بل انّ السّيوطي نفسه طعن فيه، وهذا من العجائب المستطرفة - فقد جاء في كتاب الجهاد من ( ذيل اللآلي المصنوعة ) ما نصه: « الديلمي: أنبأنا أبي، أنبأنا عبد الباقي بن محمد، أنبأنا أحمد بن محمد بن عمران، أنبأنا الحسن بن أحمد بن سعيد الرهاوي، حدثني سعيد، عن عثمان بن مطر، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن واقد، عن أبي سعيد رفعه: من رابط يوماً في سبيل الله كان له كعتاقه ألف رجل كل رجل عبد الله ألف عام.

عثمان بن مطر متروك، وكذا عبد الله بن واقد ».

فتخلّص: أن ضعف « عبد الله بن واقد » ثابت لدى المحققين. بل لقد زاد الحديث المفتعل « لو لم أبعث فيكم لبعث عمر » ضعفاً وهواناً وقوعه في سنده، ومن هنا ذكره الذهبي في ( الميزان ) بترجمة ابن واقد ضمن الأحاديث الضّعيفة بسببه حيث قال: « ابو خيثمة مصعب بن سعيد، ثنا عبد الله بن واقد، ثنا حياة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن مشرح، عن عقبة بن عامر قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر »(٢) .

____________________

(١). تقريب التهذيب: ١ / ٤٥٩.

(٢). ميزان الاعتدال: ٢ / ٥١٩.

٢٣٢

ورابعاً: لأنَّ ما ذكره بصدد توثيق « مشرح » يبطله ما تقدم سابقا من وجوه ضعفه عن العقيلي، وابن حبان، وابن الجوزي

وخامساً: لأنّ ما أورده عن الزوزني في سنده « ابن واقد » أيضاً وقد عرفته، وأيضاً في سنده « راشد بن سعد الحمصي » وقد ضعّفه الدار قطني وابن حزم. قال ابن حجر بترجمته: « وذكر الحاكم أن الدار قطني ضعّفه، وكذا ضعّفه ابن حزم. وقد ذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية»(١) .

بل يكفي في سقوطه ما ذكره البخاري من خروجه مع الفئة الباغية على أنّه من أهل حمص، وأهل حمص معروفون ببغض أمير المؤمنينعليه‌السلام ونصبهم العداء له، كما أنّهم موصوفون بالرّقاعة، كما لا يخفى على من راجع ( معجم البلدان )(٢) و ( شرح مقامات الحريري ) وغيرهما.

وسادساً: لأنَّ حديث أبي هريرة - الذي رواه الديلمي وذكره السيوطي مؤيّداً للحديث المفتعل - في طريقه « إسحاق بن نجيح » وهو من أكذب النّاس لدى نقّاد الحديث وعلماء الرجال:

قال ابن الجوزي في ( الضعفاء والمتروكين ): « إسحاق بن نجيح أبو صالح الملطي أكذب الناس».

وقال الذهبي في ( ميزان الاعتدال ): « قال أحمد: هو من أكذب الناس. وقال يحيى: معروف بالكذب ووضع الحديث، وقال يعقوب الفسوي: لا يكتب حديثه، وقال س والدار قطني: متروك. وقال الفلّاس: كان يضع الحديث صراحاً

وقال يزيد بن مروان الخلّال: ثنا إسحاق بن نجيح، عن عطا، عن أبي

____________________

(١). تهذيب التهذيب: ٣ / ٢٢٦.

(٢). معجم البلدان: ٢ / ٣٠٤: « ومن عجيب ما تأملّته من أمر حمص فساد هوائها وتربتها اللذين يفسدان العقل حتى يضرب بحماقتهم المثل، ان أشد الناس على عليرضي‌الله‌عنه بصفين مع معاوية كان اهل حمص وأكثرهم تحريضاً عليه وجدّاً في حربه ».

٢٣٣

هريرة مرفوعاً: إن لكلّ نبي خليلاً من أمته وإنّ خليلي عثمان. وهذا باطل، ويدل على ذلك قولهعليه‌السلام : لو كنت متّخذاً من هذه الأمة خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً. قال أحمد بن حنبل فيما رواه عنه ابنه عبد الله: إسحاق بن نجيح من أكذب الناس، يحدّث عن النّبي وعن ابن سيرين برأي أبي حنيفة. وقال أحمد بن محمد القاسم بن المحرز: سمعت يحيى بن معين يقول: إسحاق بن نجيح الملطي كذاب عدوّ الله رجل سوء خبيث. وقال عبد الله بن علي المديني: سألت أبي عن إسحاق الملطي فقال بيده هكذا، أي ليس بشيء. ومن علي المديني: سألت أبي عن إسحاق الملطي فقال بيده هكذا، أي ليس بشيء. ومن أباطيل الملطي »(١) .

وذكره الذهبي في ( المغني في الضعفاء ) قائلاً: « إسحاق بن نجيح الملطي، عن عطاء الخراساني وابن نجيح: معروف بالوضع »(٢) .

وقال ابن حجر: « قال أحمد: إسحاق من أكذب الناس يحدّث عن النبيّ - يعني عثمان - وعن ابن سيرين برأي أبي حنيفة. وقال ابن محرز: سمعت ابن معين يقول: كذاب عدوّ الله رجل سوء خبيث. وقال ابن أبي شيبة عنه: كان ببغداد قوم يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح الملطي، وقال ابن أبي مريم عنه: من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه فقال بيده هكذا، أي ليس بشيء وضعّفه، وقال في موضعٍ آخر: روى عجائب، وقال عمرو بن علي: كذّاب كان يضع الحديث، وقال الجوزجاني: غير ثقة ولا من أوعية الأمانة، وقال علي بن نصر الجهضمي والبخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال يعقوب الفسوي: لا يكتب حديثه، وقال صالح بن محمد: ترك حديثه، وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه موضوعات وضعها هو وعامّة ما أتى عن ابن جريح بكلّ منكر وضعه عليه، وهو بيّن الأمر في الضعفاء، وهو ممّن يضع الحديث.

____________________

(١). ميزان الاعتدال: ١ / ٢٠٠.

(٢). المغني في الضعفاء: ١ / ٧٤.

٢٣٤

قلت: وقال النسائي في التمييز: كذّاب، وقال أبو أحمد الحاكم: منكر الحديث، وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة يضع الحديث صراحاً، وقال البرقي: نسب إلى الكذب، وقال الجوزجاني: كذّاب وضّاعٌّ لا يجوز قبول خبره ولا الاحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره، وأبو سعيد النّقاش: مشهور بوضع الحديث، وقال ابن طاهر: دجال كذاب، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على أنه كان يضع الحديث. وذكره الدولابي والساجي والعقيلي وغيرهم في الضعفاء »(١) .

بل لقد ضعّفه السيوطي نفسه، فقد قال في ( ذيل اللآلي المصنوعة ) بعد أنْ روى حديثه « إن لكلّ نبي خليلاً من أمته وإن خليلي عثمان بن عفان » قال: أورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: إسحاق بن نجيح معروف بالكذب ووضع الحديث. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على رسول الله صراحاً. ويزيد بن مروان قال يحيى: كذّاب. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به. وقال في الميزان: هذه من أباطيل إسحاق ».

وفي كتاب الأطعمة منه بعد حديثٍ: « إسحاق بن نجيح كذّاب يضع الحديث ».

فالعجب كيف يذكر في هذا المقام حديث هذا الدجّال الكذّاب مؤيّداً للحديث المفتعل الموضوع في فضل عمر؟!

هذا كلّه مضافاً إلى:

أن في إسناد حديث أبي هريرة « عطاء الخراساني » وقد ذكره البخاري والعقيلي في الضعفاء، وكان يكذب على سعيد بن المسيب، وقال ابن حبان: كان رديَّ الحفظ يخطئ ولا يعلم، فبطل الاحتجاج به جاء ذلك بترجمته في ( ميزان الاعتدال ٣ / ٧٤ ) و ( تهذيب التهذيب ٧ / ٢١٢ ).

وإلى أنَّ عطاء عن أبي هريرة مرسل، قال ابن حجر: « روى عن الصحابة

____________________

(١). تهذيب التهذيب: ١ / ٢٥٢.

٢٣٥

مرسلاً كابن عباس، وعدي بن عدي الكندي، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأنس، وكعب بن عجرة، ومعاذ بن جبل. وغيرهم ».

قال « وقال الطبراني: لم يسمع من أحدٍ من الصّحابة إلّا من أنس »(١) .

واذا كان مرسلاً ولم يعرف الواسطة فلا اعتبار لهذا الحديث من هذه الجهة كذلك.

وباختصار: إنَّ هذا الحديث موهون للغاية، ومن هنا قال المناوي: « وأما خبر الديلمي عن أبي هريرة: لو لم أبعث لبعث عمر فمنكر »(٢) .

وأمّا حديث أبي بكر الذي جعله السيوطي مؤيّداً للحديث الموضوع فمداره على « راشد بن سعد ». وقد عرفته فيما تقدّم.

فظهر: بطلان حديث الديلمي بكلا طريقيه وسقوطه عن درجة الاعتبار، ومن هنا أورده البدخشاني في ( تحفة المحبّين ) عن الفردوس عن أبي بكر وأبي هريرة، في الفصل الثالث - من باب فضائل عمر - الذي خصّه بالأحاديث الضّعاف، كما لا يخفى على من راجع الكتاب المذكور.

فسقط دفاع السّيوطي عن الحديث المفتعل الموهون، وسقوط ما ذكره بالتفصيل، ولله الحمد على ذلك حمداً كثيراً.

____________________

(١). تهذيب التهذيب: ٧ / ٢١٢.

(٢). فيض القدير: ٥ / ٣٢٥.

٢٣٦

وجوه استدلال الشيعة بروايات أهل السنة

قوله:

« فإنّ اعتبرت روايات أهل السنة فهي معتبرة بالنسبة إلى الكل، وإلّا سقط إلزامهم، لأنهم لا يلزمون بروايةٍ واحدة ».

أقول:

يتضّح سقوط هذا الكلام وسخافته بالوجوه التالية:

١ - بطلان إحتجاجاته به

إنه يجوز للشّيعة إلزام ( الدهلوي ) وسائر علماء أهل السنة بنفس هذا البيان الذي أورده لإلزامهم، فلهمْ أن يقولوا - لمن احتجّ بروايةٍ من رواياتهم من باب

٢٣٧

الالزام - هذا الكلام في جوابه، وعلى هذا الأساس تبطل جميع احتجاجات ( الدهلوي ) في كتابه ( التحفة ).

٢ - النقض باستدلال المسلمين

ولو كان هذا الكلام صحيحاً لبطل استدلال المسلمين بروايات المخالفين من اليهود والنصارى وغيرهم وإلزامهم بها، إذْ يجوز لهم - بناءً عليه - أن يجيبوا عن ذلك بمثل هذا الكلام، وبه يبطل ما يذكره المسلمون ويستدلون به على نبوّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ضوء روايات المخالفين.

وكأنَّ ( الدهلوي ) حيث يريد نصرة المشايخ الثلاثة لا يدري - أو لا يلْتفت - إلى ما يترتّب على كلامه من المفاسد!!

٣ - لزوم غلق باب الإِلزام

بل إنّه يستلزم غلق باب الالزام والاحتجاج، وهو أهمّ أبواب علم الكلام والمناظرة، لأنَّ كلاً من المتخاصمين يحتجّ بروايات الآخر ليلزمه بها، فلكلٍ منهما أنْ يقول هذا الكلام في جواب الآخر، وحينئذٍ ينسدّ باب المناظرة، وتبطل جميع إستدلالات المتكلّمين في سائر كتب الكلام.

٤ - وجه استدلال الشّيعة

إنَّ إستدلال أهل الحق بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بإخراج أهل السّنة إيّاه في كتبهم، ليس من جهة أنّهم يعتقدون صحة تلك الروايات واعتبارها، بل إنّما يستدّلون بتلك الرّوايات لإِتمام الحجة على أهل السّنة،

٢٣٨

ودعوتهم الى الأخذ به والعمل بمقتضاه، وبذلك يسقط ما ذكره ( الدهلوي ) ولا يصغى إليه.

٥ - قاعدة الاقرار

إنّه لمـّا كانت قضّية ( إقرار العقلاء على أنفسهم مقبول وعلى غيرهم مردود ) مسلَّمة لدى جميع العقلاء، وكان حديث مدينة العلم قد رواه وأخرجه كبار علماء أهل السّنة، وأوضحوا دلالته على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وخلافته بلا فصل، صحّ للشّيعة الاستدلال على مطلوبهم بروايات أهل السّنة، وكان في غاية المتانة.

وأمّا احتجاج ( الدهلوي ) بروايات بعض أهل نحلته في فضل الخلفاء فهي من متفردات رواتها وواضعيها، فلا يجوز له الإِستناد إليها، وإلزام أهل الحق بها ألبتة

وبهذا الوجه أيضاً يبطل هذا الكلام

٦ - اعتبار اقرار الخصم

إن موقف أهل السّنة - حيث يروون ويثبتون حديث « أنا مدينة العلم » وغيره من فضائل امير المؤمنينعليه‌السلام - موقف الخصم المقر، وفي مورد رواية فضائل الشّيوخ موقف الخصم المدعي، وقد تقرَّر لدى الجميع إعتبار إقرار الخصم على كلّ حالٍ، وبطلان دعواه إلّا أن يقيم عليها الدليل والبرهان.

وعلى هذا الأساس يتم إستدلال أهل الحق بروايتهم حديث « مدينة العلم » ولا يتمُّ ( للدهلوي ) الاحتجاج بحديث « ما صبّ الله » وحديث « لو كان بعدي ». لأنّه إدعاء محض، وكان على ( الدهلوي ) إقامة البرهان والدليل

٢٣٩

على صحّة هذين الحديثين ليجوز له الاحتجاج بهما.

ولا يخفى أنّ الشَّواهد على ما ذكرنا من اعتبار إقرار الخصم دون دعواه - إلّا مع الدليل - كثيرة جدا، لكنّا نكتفي هنا بذكر واحدٍ منها، وذلك ما جاء في ( تاريخ الخلفاء ) حيث قال: « وأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال قال المدائني للمأمون: إن معاوية قال: بنو هاشم أسود وأحداء ونحن أكثر سيداً، فقال المأمون: إنّه قد أقرّ وادّعى، فهو في ادّعائه خصم وفي إقراره مخصوم »(١) .

فظهر أنَّ ما أراده ( الدهلوي ) من إلزام أهل الحق - الذين يحتجون برواية أهل السنة فضائل الامامعليه‌السلام - بقبول « ما صبّ الله » وغيره من الخرافات لا يلتفت إليه أدنى إلتفات

٧ - كلام رشيد الدين

ولقد قال رشيد الدين خان تلميذ ( الدهلوي ) في ( الشوكة العمرية ): « إنّه وإنْ كان الأئمة الأطهارعليهم‌السلام - بمقتضى الأحاديث التي ذكرها صاحب الرسالة وغيرها من الأحاديث الشائعة المستفيضة - سادة الأمّة، وإن أخبار أولئك الأخيار هي مفاتيح المغلقات ومصابيح الظلمات ومصادر الحكمة ومظاهر الشريعة، إلاّ أنّ الكلام في أسانيد تلك الأخبار، وكثيرا ما يكون رواة إحدى الفرق لديهم مأمونين ولدي غيرهم مطعونين، ولذا ترى كلّ فرقة صحّة ما ورد عن طريق رواتها وتقدح ما ورد عن طريق رواة الفرقة المخالفة لها ».

فمن العجيب تغافل ( الدهلوي ) عن هذا الأصل الذي ذكره تلميذه في مقام البحث والمناظرة فيطالب الشيعة بقبول « ما صبّ الله » وأمثاله من الخرافات، في مقابل احتجاجهم بروايات أهل السّنة في باب فضائل أمير المؤمنين

____________________

(١). تاريخ الخلفاء: ٣٢٥.

٢٤٠