نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٤

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 460

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 460
المشاهدات: 191441
تحميل: 2922


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 460 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 191441 / تحميل: 2922
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 14

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

بأفضليّته. والثاني: أن يكون حصل المحبّ من محبوبه نفع ديني عظيم لم يصل إليه من غيره. وهذا المعنى لا يستلزم اعتقاده الأفضلية، لأنّ هذه المحبّة موجودة بين كلّ شيخٍ ومريده، وكلّ تلميذ وأُستاذه، مع أنّه لا يعتقد تفضيله ».

ومن الواضح أنّ محبة الله ورسوله ليست إلّا من القسم الأول حيث الأحبيّة تستلزم الأفضلية كما اعترف ( الدهلوي ). فالحمد لله الذي أجرى الحقّ على لسانه، وأظهر صحّة استدلال الإماميّة بحديث الطّير من قبله.

وتفيد كلمات بعض الأساطين المحقّقين دلالة الأحبيّة على الأفضليّة:

قال أبو حامد الغزالي:

« بيان محبّة الله للعبد ومعناها: إعلم أنّ شواهد القرآن متظاهرة على أنّ الله تعالى يحب عبده، فلا بدَّ من معرفة معنى ذلك. ولنقدّم الشواهد على محبّته، فقد قال الله تعالى:( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) . ولذلك ردَّ سبحانه على من ادّعى أنّه حبيب الله فقال:( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) .

وقد روى أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: إذا أحب الله تعالى عبداً لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثمّ تلى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) . ومعناه: إنّه إذا أحبّه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت، كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام، وقد اشترط الله تعالى للمحبّة غفران الذنب فقال:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإِيمان إلّا من يحب.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبّر وضعه الله، ومن أكثر ذكر الله أحبّه الله

٢٠١

وقالعليه‌السلام : قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به. الحديث.

وقال زيد بن أسلم: إنّ الله ليحبّ العبد حتى يبلغ من حبّه له أن يقول: إعمل ما شئت فقد غفرت لك.

وما ورد من ألفاظ المحبّة خارج عن الحصر.

وقد ذكرنا أنّ محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز، إذ المحبة في وضع اللّسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط

فأمّا حبّ الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا، بل الأسامي كلّها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تطلق عليهما بمعنى واحد أصلا فكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق، وواضع اللغة إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق، فإنّ الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق، فكان استعمالها في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتّجوز والنقل

ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه ‌الله تعالى لمـّا قرئ عليه قوله تعالى( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فقال: بحق يحبّهم، فإنه ليس يحبّ إلّا نفسه على معنى أنّه الكلّ، وأن ليس في الوجود غيره، فمن لا يحبّ إلّا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبّه وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذا لا يحبّ إلّا نفسه.

وما ورد من الألفاظ في حبّه لعباده فهو مأوّل، ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلب عبده، فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له، كما قال تعالى: لا يزال عبدي [ العبد ] يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه. فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربّه. فكلّ ذلك فعل الله تعالى ولطفه به، فهو معنى حبّه

والقرب من الله في البُعد من صفات البهائم والسباع والشياطين،

٢٠٢

والتخلّق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإِلهية، فهو قرب بالصّفة لا بالمكان

فإذاً، محبّة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا، ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنّه يراه »(١) .

أقول : إذا كان هذا حال من أحبّه الله فيكف يكون حال أحبّ الخلق إلى الله؟ وهل تحصل المراتب الحاصلة لأحبّ الخلق إلى الله لغيره؟ وهل يكون أحد في الفضيلة في مرتبة أحبّ الخلق إلى الله؟ أفلا تدلّ الأحبيّة إليه على الأفضلية عنده؟

وقال القاضي عياض:

« وأصل المحبّة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ولكن هذا في حقّ من يصحّ الميل منه والانتفاع بالوفق، وهي درجة المخلوق. فأمّا الخالق - جلّ جلاله - فمنزّه عن الأعراض، فمحبّته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرّد لله والانقطاع إلى الله والإِعراض عن غير الله وصفاء القلب لله وإخلاص الحركات لله»(٢) .

إذا، الأحبيّة سبب الأفضليّة

____________________

(١). إحياء علوم الدين ٤ / ٣٢٧ - ٣٢٨.

(٢). الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ٣ / ٣٧٢.

٢٠٣

وقال النووي:

« ومحبّة الله تعالى لعبده تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه، وتيسير ألطافه وهدايته، وإفاضة رحمته عليه. هذه مباديها. وأمّا غايتها فكشف الحجب عن قلبه حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث الصحيح: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره »(١) .

وقال الاسكندري:

« قال الشيخ أبو الحسن: المحبّة أخذة من الله لقلب عبده عن كلّ شيء سواه، فترى النفس مائلةً لطاعته والعقل متحصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسرّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمسّ أبكار الحقائق وثّيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس الله ولا يرى عرائس الله المجرمون »(٢) .

فهذه مراتب من أحبّه الله، فكيف إذا بلغت هذه المراتب أقصاها وأعلاها بسبب كون العبد أحبّ الخلائق بأجمعها عند الله عزّ وجلّ؟! إنّ هذا يدلّ على الأفضليّة والأكرميّة بلا ريب ولا شبهة.

وقال الفخر الرازي:

بتفسير قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) :

____________________

(١). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٥ / ١٥١.

(٢). لطائف المنن: ٣٨.

(٣). سورة آل عمران: ٣١.

٢٠٤

« والمراد من محبّة الله تعالى له إعطاؤه الثواب »(١) .

وعليه، فالأحبيّة إلى الله عزّ وجلّ تستلزم الأكثرية في الثواب، وهذه هي الأفضلية بلا شبهة وارتياب

في حديثٍ نبوي

ولو أنّ المتعصّبين والمتعنتين لم يقنعوا بما ذكرنا عن أكابر علمائهم فإنّا نستشهد بحديث يروونه في كتبهم المعتبرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

« عن أُسامة قال: كنت جالساً إذ جاء علي والعباس يستأذنان، فقالا لأُسامة: استأذن لنا على رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقلت: يا رسول الله، علي والعباس يستأذنان. فقال: أتدري ما جاء بهما؟ قلت: لا، فقال: لكني أدري. ائذن لهما. فدخلا. فقالا: يا رسول الله جئناك نسألك أيّ أهلك أحبّ إليك؟ قال: فاطمة بنت محمّد. قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك قال: أحبّ أهلي إليّ من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أُسامة بن زيد. قالا: ثمّ من؟ قال: ثمّ علي بن أبي طالب. فقال العباس: يا رسول الله جعلت فداك عمّك آخرهم؟ قال: إنّ علياً سبقك بالهجرة. رواه الترمذي »(٢) .

فظهر أنّ الأحبيّة عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس لميلٍ شخصي وهوى نفسي منه، بل إنّ ملاكها الفضائل والجهات الدينيّة، ولمـّا كان عليعليه‌السلام الأحبّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمقتضى حديث الطير، فهو متقدم على جميع الخلائق في الكمالات الدينية والفضائل المعنويّة، فيكون الأفضل من الجميع. وأمّا تقديم أُسامة عليه في هذا الحديث فلا يضرّ بالإِستدلال، لأنّ هذا من متفردّات أهل السنّة، فلا يكون حجة على الإِماميّة.

____________________

(١). التفسير الكبير ٨ / ١٨.

(٢). مشكاة المصابيح ٣ / ١٧٤٠.

٢٠٥

الأحبيّة دليل الأحقيّة بالخلافة في رأي عمر

وبعد، فمن الضروري أن ننقل هنا ما يروونه عن عمر بن الخطاب، الصريح في دلالة الأحبيّة عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأحقيّة بالخلافة عنه فقد روى البخاري قائلاً:

« حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثني سليمان بن بلال، عن هشام ابن عروة، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وأبو بكر بالسنح - قال إسماعيل يعني بالعالية - واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقال أبو بكر: نحن الاُمراء وأنتم الوزراء. فقال عمر: نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فبايعه. فبايعه الناس »(١) .

فالأحبيّة المزعومة عند عمر تدل على الأحقيّة بالخلافة، فلم لا تكون الأحبيّة الثابتة باعتراف الخصوم - بمقتضى حديث الطّير - دالة على ذلك؟!

حبّ الله حقّاً دليل الأحقيّة بالخلافة عند عمر

بل إنّ « حبّ الله حقاً » دليل الأحقيّة بالخلافة عنده أنظر إلى ما يرويه أبو نعيم: « حدّثنا أبو حامد بن جبلة، نا محمّد بن إسحاق الثقفي السرّاج، نا محمود بن خداش، نا مروان بن معاوية، نا سعيد قال: سمعت شهر بن حوشب يقول: قال عمر بن الخطاب: لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة، فسألني عنه ربّي ما حملك على ذلك لقلت: ربّي سمعت نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول: إنّه يحبّ الله حقّاً من قلبه »(٢) .

____________________

(١). صحيح البخاري ٥ / ٧ - ٨.

(٢). حلية الأولياء ١ / ١٧٧.

٢٠٦

ورواه الطبري وابن الأثير باللفظ الآتي:

« لمـّا طعن عمر قيل له: لو استخلفت! فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الاُمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك إنّ سالماً شديد الحبّ لله »(١) .

____________________

(١). تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٧، الكامل ٣ / ٦٥

٢٠٧

٢٠٨

إبطال حُملِ الأحبّية من الخلق

على خصوص الأحبّية في الأكل مع النبيّ

٢٠٩

٢١٠

قوله:

« إذ القرينة تدلّ على أنّ المراد هو أحبّ الناس في الأكل مع النبيّ ».

أقول:

١ - إنّه خلاف الظّاهر

إنّ هذا الحمل خلاف الظّاهر فإنّ كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهر في أنّ عليّاًعليه‌السلام أحبّ الخلق إليه مطلقاً، والحمل المذكور تأويل لا وجه له، وهو غير جائز.

وقد نصّ ( الدهلوي ) في أوّل كتاب ( التحفة ) على أنّ مذهب أهل السنّة هو الأخذ بظواهر كلمات المرتضى - لا حملها على التقيّة وغيرها - كما هو الحال بالنسبة إلى كلام الله عزّ وجلّ وكلام الرسول، وعليه، فيجب الأخذ بما ورد عن المرتضى في تفضيل بعض الأصحاب على نفسه.

هذا كلامه، وهو كاف لإِبطال جميع ما ورد عنه وعن غيره من أسلافه وأتباعه من التأويل لهذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث الواردة في إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ولله الحمد على ذلك.

٢١١

٢ - لو كان المراد ذلك لم يجز إطلاق أفعل التفضيل

فهذا الكلام الصادر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلق، ولو كان المراد الأحب في خصوص الأكل - لا مطلقاً - كان الكلام غلطاً مستبشعاً، لانّ إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الحيثيّات غير المعتد بها غير جائز، إذْ لو جاز ذلك لزم أنْ يكون العالِم بمسألةٍ جزئيّةٍ واحدةٍ من مسائل الوضوء « أعلم» أو « أفقه » ممّن اتفّق جهله بها، وهو عالم بما سواها من مسائل الوضوء بل الطّهارات كلها بل سائر الأبواب الفقهية وهذا بديهيّ البطلان

وأيضاً: لو كان معظم أعضاء بدن زيد أجمل من عمر إلّا عضواً واحداً من عمر وكإصبعه مثلاً فكان أجمل فإنّه لا يستريب عاقل في بطلان قول القائل: عمر وأجمل من زيد.

إذن، لا يجوز رفع اليد عن الإِطلاقات بلحاظ هكذا حيثيّات في شيء من الكلمات، فكيف بكلمات الشارع المقدّس، فإنّ إرادة مثل هذه الحيثيّات من الإِطلاقات أشبه بالألغاز

٣ - لو جاز لزم تفضيل غير الأنبياء على الأنبياء

ولو جاز إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الْأُمور غير المعتبرة في التفضيل لزم جواز تفضيل من اخترع صناعةً أو اكتشف علماً مثلاً على الأوصياء والأنبياء المرسلين وأنْ لا يكون مثل هذا من التعريض وسوء الأدب لكنّ شناعة هذا واضح لدى المميّزين من الأطفال فضلاً عن أرباب الأدب والكمال ولا نظنّ بأحدٍ من أهل السنّة الإِلتزام بجوازه، وكيف يظنّ بهم ذلك وهم يوجبون الضرب الشديد والحبس الطويل على من أقرّ على قول من عرّض بابنة أبي بكر؟ قال السّيوطي:

« أفتى أبو المطرف الشعبي في رجلٍ أنكر تحليف امرأة باللّيل قال: ولو

٢١٢

كانت بنت أبي بكر الصدّيق ما حلفت إلّا بالنهار. وصوّب قوله بعض المتسمّين بالفقه. فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر رضي الله عنها يوجب عليه الضّرب الشديد والحبس الطويل، والفقيه الذي صوّب قوله هو أحقّ باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويؤخر ولا يقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة تامة، ويبغض في الله »(١) .

فإذا كان هذا فيمن لم يسب ولم يعرض بل أقرّ على قول من عرّض، فما ظنّك بمن عرّض أو صرّح بالسب، والغرض من هذا كلّه تقرير أنّه فاسق مرتكب لعظيم من الكبائر، لا مخلص له إلى العدالة بسبيل.

٤ - إذا جاز رفع اليد عن الإِطلاق لجاز فيما رووه عن ابن العاص

وإذا جاز حمل « الأحبّ المطلق » على « الأحب بالمعنى الخاص » مثل « الأحبّ في الأكل» ونحو ذلك جاز للإِماميّة أن تقول بأنّ المراد من أحبيّة أبي بكر وعمر - فيما رواه أهل السنّة عن عمرو بن العاص، وبالنظر إليه حمل ابن حجر والمحبّ الطبري الأحبيّة في حديث الطّير على المحمل المذكور وسيأتي الكلام على ذلك - هو « الأحبيّة في اللّعن » بقرينة ما أخرجه البخاري: « اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً ».

أو « الأحبيّة في ترك الإِستخلاف » بقرينة ما رواه الشبلي في ( آكام المرجان ) عن ابن مسعود، الظّاهر في إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن استخلاف الشيخين.

أو « الأحبيّة في ترك النفاق والرجوع إلى الإِيمان الخالص وتطهير قلوبهم من البغض والحسد لأهل البيت » هذا الحسد الذي ظهر من الشيخين فيما تكلّما به في قضية النجوى، وغير ذلك.

____________________

(١). إلقام الحجر - مخطوط.

٢١٣

أو « الأحبيّة في الهلاك حتى لا تنعقد سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبيّ ».

وأمثال ذلك من وجوه الحمل والتأويل

إذن خلق هذا الإِحتمال في حديث الطّير يفتح الباب لتوجّه ما ذكرناه إلى الحديث الذي اختلقوه في أحبيّة الشيخين، فيكون مصداقاً لقوله تعالى:( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ) .

٥ - أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة غير وارد قط

هذا، وقد نصّ على عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » وإرادة معنى « الزيادة في الجملة » المحقّقون من أهل السنّة، بل نصّ بعضهم على أنّ هذا غير وارد في اللّغة والعرف قطّ فقد قال القوشجي في شرح قول المحقق الطّوسي: « وعلى أكرم أحبّائه » قال:

« أي: آله وأصحابه الذين هم موصوفون بزيادة الكرم على من عداهم ». ثمّ قال القوشجي:

« قيل: لم يرد به معيّناً بل ما يتناول متعدداً، أعني من اتصّف من محبوبيّة بزيادة الكرم في الجملة.

وفيه نظر، لأنّ أفعل التفضيل إذا اُضيف فله معنيان، الأوّل - وهو الشائع الكثير - أنْ يقصد به الزيادة على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. والثاني: أن يقصد به الزيادة مطلقاً لا على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. وهو بالمعنى الأوّل يجوز أن يقصد بالمفرد منه المتعدد، دون المعنى الثاني. وأمّا أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة فلم يردّ قط »(١) .

إذن، ليس « الأحبّ » في حديث الطّير بمعنى « الأحبّ في الجملة » بل هو الأحبّ على طريقة العموم والإِستغراق، فبطل التأويلات السّخيفة التي

____________________

(١). القوشجي على التجريد: ٣٧٩.

٢١٤

اخترعها أرباب الشّقاق.

وقال صدر الدين الشيرازي في الردّ على التوّهم المذكور:

« وأيضاً: لو كان معناها - أي معنى صيغة التفضيل - ذلك - أي الزيادة في الجملة - فإذا قال سائل: أيّ ابنيك أعلم؟ يصحّ أن يجاب بكليهما. والعارف باللّسان لا يشك في عدم جواز هذا الجواب.

فتبيَّن أن معناها ليس على ما ظنّه، وإصراره على ذلك أدلّ دليل »(١) .

٦ - إختلاف المسلمين في الأفضليّة دليل على عدم الجواز

ثمّ إنّ المسلمين مختلفون في أفضليّة بعض الصّحابة من بعض وهذا واضح ولو كانت الأفضليّة في الجملة جائزة وصحّ إطلاق « الأفضل » وإرادة الأفضليّة من بعض الجهات والوجوه، لانتفى الخلاف وهذا ممّا استدل به صدر الّدين الشيرازي على عدم الجواز حيث قال:

« ثمّ اختلف المسلمون في أفضليّة بعض الصّحابة على بعض، فذهب أهل السنّة إلى أنّ أبا بكر أفضلهم، وأثبتوا ذلك بوجوه مذكورة في موضعها، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا إطلاق الأفضل على غيره منهم.

وذهب الشيّعة إلى أنّ عليّاً أفضلهم، وأثبتوا ذلك بما لهم من الدلائل، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا أنْ يطلق الأفضل على آخر من الصحابة.

واستمرّ الخلاف بينهما، وفي كل من الطائفتين علماء كبار عارفون باللغة حقّ المعرفة، فلو كان معنى الصيغة ما ظنّه هذا القائل لصحّ أن يكون كل واحد منهما أفضل من الآخر، ولم يتمشّ هذا الخلاف والبناء والمنع.

____________________

(١). الحاشية على القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.

٢١٥

وكيف يجوز أنْ يكون معناها ذلك ولم يتنبّه به أحد من هذه الجماعات الكثيرة، ونفي الخلاف والبناء والمنع المذكورة بين الطائفتين من قريب ثمانمائة سنة »(١) .

وعليه، فإنّه لمـّا ثبت « أحبيّة » أمير المؤمنينعليه‌السلام من حديث الطّير والأحاديث الكثيرة غيره، كان إطلاق « الأحبّ » على غيره غير جائز، وبذلك أيضاً يسقط التأويل المذكور، كما يسقط ما وضعوه في « أحبيّة » غيره عليه الصلاة والسلام.

٧ - شواهد عدم الجواز في أخبار الصّحابة وأقوالهم

ولِما ذكرنا من عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » على « المفضول »، وبطلان حمل « أفعل التفضيل » على « الأفضلية الجزئيّة غير المعتنى بها » شواهد في أقوال الصّحابة والآثار المنقولة عنهم وإليك بعض ذلك:

* قال الغزّالي: « وروي عن ضبّة بن محصن العنزي قال: كان علينا أبو موسى الأشعري أميراً بالبصرة، فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنشأ يدعو لعمررضي‌الله‌عنه . قال: فغاظني ذلك منه، فقمت إليه فقلت له: أين أنت من صاحبه تفضّله عليه؟ فصنع ذلك جمعاً.

ثمّ كتب إلى عمر يشكوني يقول: إنّ ضبّة بن محصن العنزي يتعرّض لي في خطبتي.

فكتب إليه عمر أن أشخصه إليَّ.

قال: فاشخصني إليه، فقدمت فضربت عليه الباب، فخرج إليَّ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا ضبّة بن محصن العنزي. قال فقال لي: فلا مرحباً ولا

____________________

(١). الحاشية على شرح القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.

٢١٦

أهلاً. قلت: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل لي ولا مال، فبماذا استحللت - يا عمر - إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ولا شيء أتيته؟

فقال: ما الذي شجر بينك وبين عاملي؟ قال قلت: الآن أخبرك به، إنّه كان إذا خطبنا

قال: فاندفع عمر -رضي‌الله‌عنه - باكياً وهو يقول: أنت - والله - أوفق منه وأرشد، فهل أنت غافر لي ذنبي، يغفر الله لك؟

قال: قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين.

قال: ثمّ اندفع باكياً وهو يقول: والله لليلة أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر، فهل لك أن احدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم.

قال: أمّا اللّيلة، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمـّا أراد الخروج من مكّة هاربا من المشركين، خرج ليلا، فتبعه أبو بكر فهذه ليلته. وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتدّت العرب

ثمّ كتب إلى أبي موسى يلومه »(١) .

فإنّ هذا الخبر يفيد أنّه - بالإِضافة إلى عدم جواز إطلاق صيغة أفعل التفضيل على المفضول، وإلى بطلان حمل أفعل التفضيل على الأفضليّة غير المعتنى بها - لا يجوز الفعل أو الترك المشعر بتفضيل المفضول على الفاضل، وأنّه لا يجوز تأويل ذلك بإرادة التفضيل من بعض الوجوه، وإلّا لما توجّه غيظ ضبّة ولا لوم عمر على أبي موسى الأشعري، بل كان على عمر أن يذكر الوجوه الجزئيّة التي يكون بها أفضل من أبي بكر، فيحمل ما كان يصنعه أبو موسى على ذلك.

* وروى المتقي: « عن ضبّة بن محصن العنزي قال قلت لعمر بن

____________________

(١). إحياء العلوم ٢ / ٢٤٤.

٢١٧

الخطّاب: أنت خير من أبي بكر؟

فبكى وقال: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر عمر. هل لك أنْ أحدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: أمّا ليلته، فلمـّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هارباً وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وارتدّ العرب

الدينوري في المجالسة، وأبو الحسن ابن بشران في فوائده، وق في الدلائل، واللّالكائي في السنّة»(١) .

ولو كان يجوز أن يقال « عمر خير من أبي بكر » ويراد « أنّه خير منه من بعض الوجوه » لمـّا « بكى عمر » فقدّم وفضّل ليلة أبي بكر ويومه على « عمر عمر »!! بل كان له إثبات أفضليته من أبي بكر من بعض الوجوه أمثال « الشدّة » و « الغلظة » و « الفظاظة »!!

* وروى المتّقي قال: « جبير بن نفير - إن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: والله ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقول بالحقّ، ولا أشدّ على المنافقين، منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عوف بن مالك: كذبتم، والله لقد رأينا خيراً منه بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال: من هو يا عوف؟

فقال: أبو بكر.

فقال عمر: صدق عوف وكذبتم والله، لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضلّ من بعير أهلي.

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٣ رقم: ٣٥٦١٥.

٢١٨

أبو نعيم في فضائل الصحابة. قال ابن كثير: إسناده صحيح »(١) .

ومن الواضح أنه لو جاز إطلاق أفعل التفضيل ببعض الوجوه عير المعتبرة، كان الواجب حمل قول القائلين لعمر: « أنت خير الناس بعد رسول الله » على تلك الوجوه، فلا يقول عوف وعمر لهم: « كذبتم والله ».

* وروى المتقي: « عن عمر قال: خير هذه الاُمة بعد نبيّها: أبو بكر، فمن قال غير هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، وعليه ما على المفتري. اللالكائي »(٢) .

ولو جاز التفضيل بلحاظ وجه غير معتبر لما حكم عمر على من فضّله على أبي بكر بما حكم

* وروى المتقي: « عن زياد بن علاقة قال: رأى عمر رجلاً يقول: إنّ هذا لخير الاُمّة بعد نبيّها. فجعل عمر يضرب الرّجل بالدّرة ويقول: كذب الآخر، لأبو بكر خير منّي ومن أبي ومنك ومن أبيك. خيثمة في فضائل الصّحابة »(٣) .

فلو جاز إطلاق ألفاظ التفضيل - ولو بلحاظ بعض الوجوه - لَما فعل عمر ذلك قطعاً.

* وقال أبو إسماعيل محمّد بن عبد الله الأزدي في أخبار وقعة فحل « فأرسلوا إلى أبي عبيدة أن أرسل إلينا رجلاً من صلحائكم نسأله عمّا تريدون وما تسألون وما تدعون إليه، نخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظّكم إن قبلتم. فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلمـّا دنا منهم نزل عن فرسه وأخذ بلجامه، ثمّ أقبل إليهم يقود فرسه فقالوا لبعض غلمانهم: إنطلق إليه فأمسك فرسه، فجاء الغلام ليمسك له دابّته، فقال معاذ: أنا أمسك فرسي،

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٧.

(٢). كنز العمال ١٢ / ٤٩٦.

(٣). كنز العمال ١٢ / ٤٩٥.

٢١٩

لا أُريد أنّ يمسكه أحد غيري، فأقبل يمشي إليهم، فإذا هم على فرش وبسط ونمارق ثمّ أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط.

فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إنّ جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، وإنّ جلوسك على الأرض متنحياً صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلّا قد أزريت بنفسك.

فأخبره الترجمان بمقالتهم، فجثا معاذ على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه وقال للترجمان: قل لهم

فلمـّا فسّر هذا الترجمان لهم نظر بعضهم إلى بعض وتعجّبوا ممّا سمعوا منه وقالوا لترجمانهم: قل له أنت أفضل أصحابك.

فقال معاذ عند ذلك: معاذ الله أن أقول ذلك، وليتني لا أكون شرّهم »(١) .

ولو كان إطلاق صيغة التفضيل على المفضول بلحاظ بعض الحيثيّات جائزاً، لما استنكر معاذ قولهم: « أنت أفضل أصحابك » قطعاً.

٨ - لو كان مراد النبيّ « الأحب في الأكل » لصرّح به

وبعد، فإنّه لو كان مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصّة الطير طلب أحب الخلق إليه في الأكل لصرّح به، إذ كان يمكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يقول: اللّهم ائتني بالأحبّ في الأكل. لكنّه لم يقل هكذا بل قال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطائر.

إن تركهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك العبارة المختصرة، وقوله هكذا، يدلّ بكلّ وضوح وصراحة على معنى فوق الأحبيّة في الأكل، وليس ذلك إلّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد إثبات أنّ الرجل الذي يطلبه أحبّ الخلق إلى الله وإلى رسوله على الإِطلاق والعموم وإلّا فما وجه العدول عن

____________________

(١). فتوح الشام - ذكر وقعة فحل.

٢٢٠