نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٤

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 460

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 460
المشاهدات: 179870
تحميل: 2824


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 460 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 179870 / تحميل: 2824
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 14

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الأحبّ إلى الله ورسوله على الأحبّ إليهما في شأنٍ من الشؤون فضلاً عن الإِمامة والرئاسة العامة، لا سيّما إذا كان ذلك الغير غير محبوبٍ عند الله والرّسول أصلاً!!

قوله:

فما أكثر الأولياء الكبار والأنبياء العظام الذين كانوا أحبّ الخلق إلى الله ولم يكونوا أصحاب الرئاسة العامّة.

أقول:

على ( الدهلوي ) إثبات الأمرين المذكورين. وهما: أولاً: إنّ كثيراً من الأولياء الكبار كانوا أحبّ الخلق إلى الله. وثانياً: إنّ هؤلاء لم يكونوا أصحاب الرئاسة العامة. لكنّه لم يذكر شاهداً واحداً لما ادّعاه فضلاً عن جمعٍ منهم، فضلاً عن كثير منهم، فضلاً عن إثبات الأحبيّة لهم ونفي الرئاسة عنهم، بدليلٍ قابل للإِصغاء وبرهان صالح للاعتناء

إنّ مرادهم - غالباً - من « الأولياء » هم « الصوفية » الذين يدَّعون لهم المقامات المعنوية العالية، وبطلان دعوى أحبيّة هؤلاء من البديهيات الأوّلية إذ ليس مع وجود الأئمة المعصومين -عليهم‌السلام - أحبّ الخلق إلى الله ورسوله كائناً من كان وأهل السنّة لا يقدّمون أحداً - غير الثلاثة - على الأئمّة المعصومين، فالقول بوجود أولياء غير الأئمة المعصومين هم أحبّ الخلق إلى الله ولا يكونون أصحاب الرئاسة العامة من أفحش الأقاويل الباطلة، وأوحش الأكاذيب الفاضحة.

٣٠١

قوله:

مثل سيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى.

أقول:

إنّ ( الدهلوي ) بعد أن نفى الرئاسة العامة عن كثير من الأنبياء العظام ذكر زكريا ويحيى، وغرضه من ذلك أنّهما مع كونهما أحبّ الخلق إلى الله لم تكن لهما الرئاسة العامّة. لكن نفي الرئاسة العامة عن هذين النبيّين العظيمين كذب، لأنّه مع ثبوت النبوّة لا ريب في ثبوت الرئاسة العامّة، بل نفي الرئاسة نفي للنبوّة، لأنّ معنى النبوّة أنْ يختار الله رجلاً معصوماً وينصبه لهداية الخلق ويفرض عليهم طاعته في جميع اُمور الدين والدنيا، وهذه هي الرئاسة العامّة وهذا ما نصَّ عليه ولي الله والد ( الدهلوي ) أيضاً في غير موضعٍ من كتابه ( إزالة الخفا عن سيرة الخلفا ).

والحاصل: إنّه بعد ثبوت النبوّة لزكريّا ويحيى والرئاسة العامة ثابتة لهما، وإنكارها إنكار للنبوة، وهو كفر.

قوله:

بل شموئيل الذي كانت الرئاسة العامّة في زمانه بالنصّ الإِلهي لطالوت.

أقول:

هذا تخديع وتضليل، أمّا أوّلاً: فإنّ ثبوت الرئاسة العامة لطالوت غير متفّق عليه بين أهل السنّة. وأمّا ثانياً: فإنّه - على تقدير عموم الرئاسة - لم يكن باستقلاله كذلك، بل صريح المحقّقين منهم أنّ طالوت كان حاكماً في بني

٣٠٢

إسرائيل نيابةً عن شموئيل وممّن نصّ عليه والد ( الدهلوي ) في ( إزالة الخفاء ).

إذن، لم يثبت إنفكاك الرئاسة عن النبوة.

والحمد لله ربّ العالمين.

٣٠٣

٣٠٤

بقيّة كلام الدّهلوي

إحتمالان مردودان

٣٠٥

٣٠٦

(١)

إبطال إحتمال

عدم حضور أبي بكر في المدينة

قوله:

وأيضاً: يحتمل عدم حضور أبي بكر في المدينة المنّورة.

أقول:

هذا مردود بوجوه:

١ - لا أثر لحضوره وعدم حضوره في المدينة

إنّه لا يخفى على الممعن المنصف أنْ لا أثر لحضور أبي بكر وعدم حضوره في المدينة المنوّرة يوم قصة الطير في استدلال الإماميّة بالحديث، ولا علاقة لذلك بوجهٍ من الوجوه في الإِحتجاج به لأنّ محطّ الإِستدلال قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّ الخلق إليك وإليَّ »، وهذه الجملة صريحة الدّلالة على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ إلى الله والرسول من جميع الحاضرين والغائبين والسّابقين واللاحقين، ومن كلّ من يدخل تحت عنوان

٣٠٧

« الخلق » ويشمله هذا اللفظ. وغياب أبي بكر لا يستلزم خروجه عن « الخلق » وولوجه في غير المخلوقات.

نعم لو كان أبو بكر غائباً وكذا عمر وعثمان و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم ائتني بأحبّ من حضر الآن وفي المدينة إليك وإليَّ » أو نحوه لكان لما احتمله ( الدهلوي ) وجه.

وعلى الجملة، إنّه لا يكفي إخراج أبي بكر عن المدينة، بل لا بدَّ من إخراجه - بل الثاني والثالث أيضاً - عن « الخلق » ثمّ التعرّض للاستدلال بالقدح والإِشكال

٢ - قول عائشة: أللّهم اجعله أبي. وكذا حفصة.

إنّ ما أخرجه أبو يعلى في ( المسند ) دليل قاطع على سقوط هذا الإِحتمال الذي أبداه ( الدهلوي ) تبعاً للكابلي وذلك لأنّ في الحديث المذكور: « فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام.

فقالت عائشة: اللّهم اجعله أبي. وقالت حفصة: اللّهم اجعله أبي

قال أنس: فقلت أنا: اللّهم اجعله سعد بن عبادة ».

فلو كان الأول والثّاني في خارج المدينة المنوّرة ساعة دعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ دعائه كان مختصّاً بالحاضرين في المدينة، فما معنى قول عائشة وحفصة: اللّهم اجعله أبي؟ وهلّا يكون دعاءً بلا طائل وكلاماً بدون حاصل؟

لقد حاول الكابلي و ( الدهلوي ) بإبداع هذا الإِحتمال حفظ شأن الشيخين، ولكنّ لازمه الإزراء والتهجين لاُمّهما المكرّمتين!!

٣٠٨

٣ - كان الشيخان حاضرين للحديث الصحيح

وكأنّ ( الدهلوي ) قد أقسم على تقليد الكابلي وإنْ خالف ما قالته الأحاديث الصحيحة الواردة في كتب قومه لقد احتمل في هذا المقام رجماً بالغيب غياب أبي بكر عن المدينة المنوّرة من دون أنْ ينظر في أحاديث وأخبار القصّة لقد سمعت - فيما تقدم - رواية أبي يعلى المشتملة على مجيء الشيخين، وهذا نصّها مرةً أُخرى:

« حدّثنا الحسن بن حماد الوراق، ثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع - ثقة -، ثنا عيسى بن عمر، عن إسماعيل السدّي، عن أنس بن مالك: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده طائر فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك يأكل معي من هذا الطير. فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء عثمان فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له »(١) .

ورواه النّسائي بقوله: « أخبرني زكريا بن يحيى قال: ثنا الحسن بن حماد قال: ثنا مسهر بن عبد الملك، ثنا عيسى بن عمر، عن السدّي، عن أنس بن مالك: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده طائر فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطّائر. فجاء أبو بكر فردّه ثمّ جاء عمر فردّه ثمّ جاء علي فأذن له »(٢) .

فإذا لم يكن هذا الحديث - وبهذا اللفظ - دليلاً على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فما هو مدلوله يا منصفون؟ فلقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المصداق الوحيد لـ « أحبّ الخلق » وأنّه الذي أذن له النبيّ بالدخول والأكل معه، وأمّا غيره فقد رُدّ فأيّ قصورٍ في دلالة هذا الحديث

____________________

(١). مسند أبي يعلى ٧ / ١٠٥ رقم: ١٢٩٧ باختلاف يسير.

(٢). خصائص علي ٢٩ / ١٠.

٣٠٩

الصحيح على مطلوب الإِماميّة، يا منصفون؟!

وعلى كلّ حالٍ، فقد سقط هذا الإِحتمال الذي أبداه ( الدهلوي ) للقدح في الاستدلال بحديث الطّير من حديثٍ صحيحٍ أخرجه الحافظ أبو يعلى في ( مسنده ) والحافظ النسائي في ( الخصائص ) الذي ذكره له ( الدهلوي ) في ( اُصول الحديث ) وفي ( التحفة ) في الكتب المصنّفة من قبل علماء أهل السنّة في مناقب أهل البيتعليهم‌السلام لكنْ لا ندري هل كان حين إبداع هذا الإِحتمال على علمٍ بوجود الحديث المذكور في ( الخصائص ) أو لا؟ إنّه - وإن كان الاحتمال الثاني هو الأقوى بالنظر إلى القرائن العديدة - فللأوّل أيضاً مجال، لأنّه - مضافاً إلى وجود النظائر العديدة للمقام حيث وجدناه ينكر شيئاً عن علمٍ وعمدٍ - أجاب عن سؤالٍ وُجّه إليه حول حديث الطّير في ( الخصائص ) بالطعن في راويه - وهو السدّي - لا بإنكار وجوده في الكتاب المذكور.

٤ - هل كانوا خارجين في جميع وقائع قضية الطير؟

لو سلّمنا ترتّب أثر على هذا التأويل، فإنّما يترتّب في حال احتمال خروج أبي بكر وعمر وعثمان كلّهم لا الأوّل وحده من المدينة المنّورة، في جميع وقائع حديث الطير، لثبوت تعدّد القضية وتكرّرها، ومن العجيب جدّاً خروجهم كذلك ولم يذكره أحد من أصحاب السّير، مع شدّة اعتنائهم بضبط الأحوال خاصةً أحوال الثلاثة، وعدم نقلهم هكذا خبرٍ دليلٌ على عدم وقوعه. كما قال ابن تيميّة في ( منهاجه ) في نظائر المقام.

لقد ادّعى الكابلي خروج الثلاثة جميعاً حيث قال: « ويحتمل أنْ يكون الخلفاء غير حاضرين في المدينة، والكلام يشمل الحاضرين فيها دون غيرهم، ودون إثبات حضورهم خرط القتاد »، لكن ( الدهلوي ) استبعد هذا الاحتمال فاستحيى من ذكره واكتفى باحتمال خروج أبي بكر فقط.

٣١٠

وبما أنّ الكابلي يعترف بأنّ الكلام يشمل الحاضرين في المدينة، وقد عرفت حضور الشيخين بل الثلاثة كلّهم بالدلائل القاطعة، فالكلام شامل لهم، فأمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الله والرسول منهم. والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً.

ولا يخفى اضطراب القوم وتناقضهم في مسألة خروج الشيخين من المدينة المنوّرة، فإذا اعترض على الشيخين وطعن فيهما بعدم تأمير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إياهما في بعثةٍ أو سريّة وعدم إرساله إيّاهما في أمرٍ من الأُمور - كما كان يفعل مع غيرهما من صحابته - قالوا بضرورة وجودهما عند النبيّ في المدينة، لكونهما وزيرين له، يشاورهما في أُموره وجميع شئونه، فلم يكن له غنىٌ عنهما حتى يرسلهما في عملٍ، ومن هنا وضعوا على لسانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث في هذا المعنى. أمّا إذا قيل لهم: إنّ حديث الطير و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك » يدلّ على أفضليّة عليعليه‌السلام منهما، قالوا: لعلّهما لم يكونا حاضرين في المدينة حينذاك!!

قوله:

وكان الدعاء خاصّاً بالحاضرين لا الغائبين.

أقول:

إنّ ( الدهلوي ) بعد أنْ ذكر احتمال عدم حضور أبي بكر في المدينة المنوّرة لدى دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ادعى اختصاص هذا الدعاء بالحاضرين، ولكنّ الدليل الذي أقامه على هذه الدعوى - وهو: عدم جواز خرق العادة على الأنبياء إلّا في حال التحدّي مع الكفّار - باطل جدّاً ومعارض بما ستعلم.

٣١١

وأيضاً، فإنّ أحداً لم يدّع اختصاص دعاء النبيّ في قصة الطير بالغائبين، بل ليس هذا الإِحتمال ممّا يلتفت إليه أحد من العقلاء، سواء من الشّيعة أو غيرهم فنفي ( الدهلوي ) احتمال اختصاصه بالغائبين لم يكن مناسباً لشأنه المزعوم في البلاغة والرصانة في البيان، فاستبصر ولا تكن من الغافلين.

نعم لو كانت عبارته: وكان الدعاء خاصّاً بالحاضرين ولا يعمّ الغائبين، لم يرد عليه هذا الإِعتراض.

قوله:

بدليل أنّه قال: اللّهم ائتني

أقول:

لو قال بدليل « ائتني » لكانت عبارته أخصر وأمتن كما لا يخفى على من له ذوق سليم، وهذا التطويل غريب ممّن يدّعي التمييز والفهم المستقيم، ويرمي كلمات عليعليه‌السلام بما ينبو عنه الأسماع لوهمه السقيم.

قوله:

لأنَّ إحضار الغائب من المسافة البعيدة عن طريق خرق العادة في تلك اللّمحة الواحدة التي كانت مجلس الأكل والشرب أمر متصوّر.

أقول:

كون مطلوبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضور من طلب إتيانه « في لمحةٍ واحدة » لا دليل عليه في شيء من ألفاظ حديث قضيّة الطير، فمن أين جاء ( الدهلوي ) بهذا؟

وأيضاً: إذا كان التخصيص باللّمحة الواحدة مستفاداً من الحديث عنده

٣١٢

فلماذا تجشّم مؤنة إيجاد احتمال غيبة أبي بكر عن المدينة المنوّرة؟ هلّا اكتفى باحتمال بُعد أبي بكر عن مجلس الأكل بمسافةٍ لا يكون حضوره متصوّراً في لمحةٍ واحدة من دون خرق العادة؟

قوله:

والأنبياء لا يطلبون خرق العادة من الله تعالى إلّا عند التحدّي مع الكفّار.

أقول:

إنّ ( الدّهلوي ) يدّعي هذا المطلب لكونه في مقام التحدّي مع الإِماميّة، وإلّا فكيف ينسى الكرامات العجيبة الغريبة التي يدّعونها لأئمتهم في التصوّف ولا شيء منها في مقام التحدّي مطلقاً؟ فإذا جاز هذا المشايخ الصّوفيّة فما المانع عنه بالنّسبة للأنبياء؟!

بل لقد أجاز ابن تيمية صدور خوارق العادة من آحاد النّاس، في جوابه عن كرامةٍ لأمير المؤمنينعليه‌السلام أوردها العلّامة الحلّيرحمه‌الله ، قال ابن تيمية:

« روى جماعة أهل السير بأنّ عليّاً كان يخطب على منبر الكوفة، فظهر ثعبان فرقى المنبر، وخاف الناس وأرادوا قتله فمنعهم، فخاطبه ثمّ نزل، فسأل الناس عنه فقال: إنّه حاكم الجن، التبست عليه قضيّة فأوضحتها له. وكان أهل الكوفة يسمّون الباب الذي دخل فيه باب الثعبان. فأراد بنو اُمية إطفاء هذه الفضيلة، فنصبوا على ذلك الباب قتلى مدةً طويلةً حتى سمّي باب القتلى.

والجواب: إنّه لا ريب أنّ مَن دون علي بكثير يحتاج الجن إليه وتستفتيه وتسأله، وهذا معلوم قديماً وحديثاً. فإنْ كان هذا قد وقع فقدره أجلّ من ذلك، وهذا من أدنى فضائل من هو دون علي. وإن لم يكن وقع لم ينقص فضله بذلك، وإنّما من باشر أهل الخير والذين لهم أعظم من هذه الخوارق، أو رأى

٣١٣

من نفسه ما هو أعظم من هذه الخوارق، لم تكن هذه ممّا توجب أن يفضّل بها عليّاً، ونحن لو ذكرنا ما باشرناه من هذا الجنس ممّا هو أعظم من ذلك لذكرنا شيئاً كثيراً، ونحن نعلم أنَّ من هو دون علي بكثير من الصحابة خير منّا بكثير، فكيف يمكن مع هذا أن يجعل مثل هذا حجةً على فضيلة علي على الواحد منّا، فضلاً عن أبي بكر وعمر؟

ولكنّ الرافضة لجهلهم وظلمهم وبعدهم عن طريق أولياء الله ليس لهم من كرامات الأولياء المتقين ما يعتدّ به، فهم لإِفلاسهم منها إذا سمعوا شيئاً من خوارق العادات عظّموه تعظيم المفلس للقليل من النقد، والجائع للكسرة من الخبز. والرافضة لفرط جهلهم وبعدهم عن ولاية الله وتقواه ليس لهم نصيب كثير من كرامات الأولياء، فإذا سمعوا مثل هذا على علي ظنّوا أنّ هذا لا يكون إلّا لأفضل الخلق، وليس الأمر كذلك.

بل هذه الخوارق المذكورة وما هو أعظم منها يكون لخلق كثيرٍ من اُمة محمّد المعترفين بأنّ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً خير منهم، الذين يتولّون الجميع ويحبّونهم ويقدّمون من قدّم الله ورسوله، لا سيّما الذين يعرفون قدر الصدّيق ويقدّمونه، فإنّه أخصّ هذه الاُمة بولاية الله وتقواه، واللبيب يعرف ذلك بطرقٍ، إمّا أن يطالع الكتب المصنّفة في أخبار الصالحين وكرامات الأولياء، مثل كتاب ابن أبي الدنيا، وكتاب الخلّال، وكتاب اللالكائي، وغيرهم. ومثل ما يوجد من ذلك في أخبار الصالحين مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، وغير ذلك. وإمّا أن يكون قد باشر من رأى منه ذلك. وإمّا أنْ يخبره بذلك من هو عنده صادق، فما زال الناس في كلّ عصرٍ يقع لهم من ذلك شيء كثير، ويحكي ذلك بعضهم لبعض، وهذا كثير في كثير من المسلمين. وإمّا أنْ يكون نفسه وقع له بعض ذلك.

وهذه جيوش أبي بكر وعمر ورعيّتهما، لهم من ذلك ما هو أعظم من ذلك، مثل: العلاء بن الحضرمي وعبوره على الماء كما تقدّم ذكره، فإنّ هذا

٣١٤

أعظم من نضوب الماء، ومثل: استسقائه وتغيّيب قبره، ومثل: النفر الذين كلّمهم البقر وكانوا جيش سعد بن أبي وقاص في وقعة القادسية، ومثل: نداء عمر: يا سارية الجبل - وهو بالمدينة وسارية بنهاوند - ومثل: شرب خالد بن الوليد السمّ، ومثل: إلقاء أبي مسلم الخولاني في النار فصارت عليه بردا وسلاما لمـّا ألقاه فيها الأسود العنسي المتنبّي الكذّاب، وكان قد استولى على اليمن، فلمـّا امتنع أبو مسلم من الإيمان به ألقاه في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، فخرج منها يمسح جبينه، وغير ذلك ممّا يطول وصفه »(١) .

قوله:

وإلّا لم يقوموا بحربٍ وقتالٍ وتجهيز للأسباب الظاهرية، وتوَصلّوا إلى مقاصدهم بخرق العادة.

أقول:

كأنّ ( الدهلوي ) لم يفهم أنّ الإِيجاب الجزئي لا ينافي السّلب الكلّي، فأخذ الأنبياءعليهم‌السلام في بعض الأحيان بالأسباب الظاهرية لا يستلزم أن يكونوا دائماً كذلك، وأنّه إذا لم يطلبوا من الله سبحانه إجراء المعجزة على أيديهم وخرق العادات، فإنّه لا يستلزم عدم جواز طلبهم ذلك منه بالكليّة

إنّ الحرب والقتال والتوسّل بالأسباب الظّاهرية، كلّ ذلك لا يدلّ بإحدى الدلالات الثلاث على عدم جواز طلبهم من الله بغير تحدٍّ خرق العادة

إنّ الأنبياء يتبعون في أفعالهم وتروكهم المصالح التي شاءها الله سبحانه لهم، يمتثلون ما يأمرهم به، وبأمره يعملون وإنْ كانوا لو أرادوا شيئاً من الله

____________________

(١). منهاج السنة ٤ / ١٩٦.

٣١٥

أعطاهم ولو طلبوا منه إظهار المعجزة على أيديهم أجابهم، سواء حال تحدّي أهل الكفر والضّلالات وعدمه

* * *

٣١٦

(٢)

إبطال احتمال

كون المراد: بمَن هو مِن أحبّ النّاس

قوله:

ويحتمل أن يكون المراد بمَن هو مِن أحبّ النّاس إليك.

أقول:

١ - هو باطل بالوجوه المبطلة للتأويل الأوّل

إنّ البراهين الدّامغة والحجج السّاطعة الّتي أقمناها على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحب الخلق إلى الله ورسوله مطلقاً، من الأحاديث النبويّة، ومن تصريحات الصّحابة، ومن إفادات العلماء لا تدع مجالاً لأيّ تأويلٍ في حديث الطّير، ولا حاجة - بالنظر إليها - إلى دفع هذا التأويل أو غيره بوجهٍ أو وجوه أُخرى لا سيّما هذا التأويل الذي يبطله كثير من تلك البراهين فلاحظ.

٢ - هو منقوض باستدلالهم بقوله تعالى: ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) .

ومع ذلك ينبغي أن نذكر جواباً نقضيّاً واحداً، وآخر حليّاً عن هذا الاحتمال الواضح الاختلال أمّا الجواب النقضي فهو:

إنّ علماء أهل السنّة يزعمون نزول الآية:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي

٣١٧

مالَهُ يَتَزَكَّى ) (١) في أبي بكر. ويدّعون أنّ وصف أبي بكر فيها بـ « الأتقى » تصريح بأنّه أتقى من سائر الاُمة قال ابن حجر المكّي في الآيات الدالّة بزعمه على فضل أبي بكر: « أمّا الآيات، فالأولى قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى ) قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنّها نزلت في أبي بكر. ففيها التصريح بأنّه أتقى من سائر الاُمة، والأتقى هو الأكرم عند الله لقوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) والأكرم عند الله هو الأفضل، فينتج أنّه أفضل من بقيّة الاُمة »(٢) .

فنقول:

إذا كان لفظ « الأتقى » في هذه الآية تصريحاً بأنّ من نزلت فيه « أتقى من سائر الاُمّة » فلا ريب في كون لفظ « أحبّ » في حديث الطير تصريحاً بأنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام « أحبّ الخلق إلى الله ورسوله من سائر الاُمة »

فتأويل الحديث بتقدير « مِن » فاسد وكيف يكون لفظ « الأتقى » نصّاً صريحاً في كون أبي بكر « أتقى الاُمة » عندهم، ولا يكون لفظ « أحبّ الخلق » نصّاً صريحاً في كون أمير المؤمنينعليه‌السلام « أحبّ الخلق » من الشيخين وغيرهم إلى الله ورسوله؟! مع أنّ حديث الطّير معتضد بأحاديث اُخرى رووها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صريحة الدلالة على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

أليس لفظ « الأتقى » ولفظ « الأحبّ » كلاهما من صيغة أفعل التفضيل؟

فهل من فارق إلّا التعصّب والعناد؟!

نعم بينهما فرق من جهة أن لفظ « أحبّ » في الحديث مضاف إلى

____________________

(١). سورة الليل: ١٧ - ١٨.

(٢). الصواعق المحرقة: ٩٨.

٣١٨

« الخلق » فيكون دلالته أصرح من دلالة « الأتقى » فيما يزعمون فهل هذه الزيادة في الصّراحة هي المانعة عن الدلالة على الأحبيّة من جميع الخلق؟!

٣ - هو غير مانع من دلالة الحديث على أحبية علي من الشيخين

وأمّا الجواب الحلّي فهو: إنّ الغرض من هذا التأويل ليس إلّا منع دلالة حديث الطير على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام من الشيخين، فيكونعليه‌السلام من أحبّ الخلق إلى الله ورسوله، لا الأحب مطلقاً ليلزم كونه أحبّ منهما، ولكنَّ٠ دلالة الحديث على أحبيّتهعليه‌السلام منهما ثابتة حتى على هذا التأويل، وذلك لأنّ النسائي وأبا يعلى رويا الحديث وفيه: « فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له ».

فظهر أنّ الشيخين لم يكونا أحبّ إلى الله ورسوله حتى « من بعض الخلق » فيكون هذا التأويل مستوجباً لمزيد الحطّ من شأنهما وقدرهما، إذن، بناءً على تقدير « من » أيضاً يكون الحديث دالاً على أنّه هو الأحبّ إلى الله ورسوله وأنّ الشيخين ليسا الأحبّ إليهما.

لكن ( الدهلوي ) ومن قبله الكابلي لم يفهما ما يستلزمه كلامهما وما ينتهي إليه مرامهما!!

وعلى كلّ حالٍ، فإنّ هذا التأويل لا يضرّ باستدلال الشيعة بحديث الطير على كون أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ وأفضل من الشيخين ومن سائر الخلق أجمعين هذه الأحبيّة المطلقة الثابتة له من أحاديث العترة الطاهرة والأحاديث التي رواها أهل السنّة - المتقدّم بعضها - الآبية عن كلّ تأويل، واللازم هو الأخذ بها - وبحديث الطير - على المعنى الذي هي صريحة فيه والحمد لله ربّ العالمين.

وأمّا دعوى نزول قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) في أبي بكر فقد

٣١٩

أثبت علماء الشّيعة بطلانها بما لا مزيد عليه. فراجع(١) .

قوله:

وهذا استعمال رائج ومعروف، كما في قولهم: فلان أعقل النّاس وأفضلهم.

أقول:

نعم التّسويل في هؤلاء القوم رائج إنّهم يحاولون صرف أدلّة

____________________

(١). قد استدلوا بالآية الكريمة على أفضلية أبي بكر، في أغلب كتبهم في التفسير كتفسير الرازي والكلام كالمواقف وشرحها، وشرح المقاصد، ووجه الاستدلال ما ذكرناه، وقد أبطلناه في كتابنا ( الإمامة في أهم الكتب الكلاميّة وعقيدة الشيعة الإماميّة ) في ( الطرائف على شرح المواقف ) و ( المراصد على شرح المقاصد ) بأنّ الاستدلال موقوف على نزول الآية في أبي بكر وصحّة الخبر في ذلك، وهذا أوّل الكلام، لأنّ:

١ - هذا الخبر ممّا تفرّدوا بنقله، فلا يكون حجة في مقام الاستدلال والإحتجاج.

٢ - نزول الآية في حق أبي بكر غير متّفق عليه بينهم، ولذا نسب القول به في ( شرح المواقف ) إلى أكثر المفسّرين.

٣ - من المفسّرين من حمل الآية على العموم، ومنهم من قال بنزولها في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة، كما في ( الدر المنثور ٦ / ٣٥٨ ).

٤ - خبر نزولها في أبي بكر إنّما يرويه آل الزبير، وانحراف هؤلاء عن علي عليه‌السلام مشهور، فلا يكون قولهم حجة.

٥ - سند الرواية غير معتبر. قال الحافظ الهيثمي في ( مجمع الزوائد ٩ / ٥٠ ): « وعن عبد الله الزبير قال: نزلت في أبي بكر الصدّيق: (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى ). رواه الطبراني وفيه: مصعب بن ثابت، وفيه ضعف ».

قلت : وهو من آل الزبير، فهو: « مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير » قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أراه ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه، وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن حبان: انفرد بالمناكير عن المشاهير فلما كثر ذلك فيه استحقّ مجانبة حديثه، وقال ابن سعد: يستضعف، وقال الدار قطني: ليس بالقوي: ( تهذيب التهذيب ١٠ / ١٤٤ ).

٣٢٠