نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٧

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 418

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 418
المشاهدات: 130470
تحميل: 2729


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 418 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 130470 / تحميل: 2729
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 17

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

عبارةً عنه لجاز الإستثناء عن الجمع المنكر، لجواز دخول المخرج فيه، لكنه لم يجز باتّفاق أهل النحو. فلذلك حملوا « إلّا » في قوله تعالى:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) على « غير » في كونه وصفاً، دون الإستثناء لتعذّره ههنا، وعلّلوا ذلك بعدم وجوب الدخول »(١) .

وقال كمال الدين ابن إمام الكامليّة: « ومعيار العموم جواز الإستثناء، أي يعرف العموم به، فإنه أي الإستثناء يخرج ما يجب اندراجه لولاه، أي لولا الإستثناء فلزم من جميع ذلك دخول جميع الأفراد في المستثنى منه، وإلّا أي لو لم يجب دخوله فيه لجاز أنْ يستثنى من الجمع المنكر، لكن الإستثناء منه لا يجوز باتفاق النحاة، قالوا: إلّا أن يكون المستثنى منه مختصّاً نحو: جاء رجال كانوا في دارك إلّا زيداً منهم »(٢) .

وقال جلال الدين المحلّي: « ومعيار العموم الإستثناء، فكلّ ما صحّ الإستثناء منه ممّا لا حصر فيه فهو عام، للزوم تناوله للمستثنى، وقد صحّ الإستثناء من الجمع المعرّف وغيره ممّا تقدم من الصيغ، نحو: جاء الرجال إلّا زيداً، ومن نفى العموم فيها يجعل الإستثناء قرينةً على العموم، ولا يصح الإستثناء من الجمع المنكر إلّا أن يخصّص فيعم فيما يتخصّص به، نحو قام رجال كانوا في دارك إلّا زيداً منهم، كما نقله المصنف عن النحاة. ويصح: جاء رجال إلاّزيد بالرفع، على أنّ إلاّصفة بمعنى غير، كما في( لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا ) »(٣) .

____________________

(١). شرح منهاج الوصول للعبري، المسألة الثانية من الفصل الأول من الباب الثالث - مخطوط.

(٢). شرح منهاج الوصول لابن إمام الكاملية، المسألة الثانية من الفصل الأول من الباب الثالث - مخطوط.

(٣). شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع للتاج السبكي - بحوث العموم والخصوص.

٢٦١

وقال محبّ الله البهاري بعد أنْ ذكر صيغ العموم وعمومها: « لنا جواز الإستثناء، وهو معيار العموم ».

قال شارحه: « لنا جواز الإستثناء من هذه الصيغ وهو معيار العموم، أي: الإستثناء معيار عموم المستثنى منه، وحاصله الإستدلال من الشكل الأول، يعني: إن هذه الصيغ يجوز الإستثناء منها، وكلّ ما يجوز الإستثناء منه فهو عام. أمّا الصغرى فلأن من تتبّع وجده كذلك، قال الله تعالى:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) (٢) وأما الكبرى فلأن معنى الإستثناء إخراج ما لولا الإستثناء لدخل ألبتة، ولذلك حملوا قاطبةً إلّا على الوصفية في صورة يكون المستثنى منه جمعاً منكوراً غير محصور، لفقد شرط الإستثناء، فلا بدّ من الدخول وهو العموم»(٣) .

وتلخص:

إنّ الأصوليين على أن الإستثناء دليل العموم، وعن هذا الطريق يثبتون العموم لصيغ العموم قاطبةً

وبهذا الدليل يتم دلالة لفظ « المنزلة » المضاف إلى العَلَم على « العموم » ولا نفع لـ ( الدهلوي ) في إنكار ذلك وجحده

والألطف من هذا: أن دلالة الإستثناء على العموم ظاهر كلام ( الدهلوي ) نفسه، فإنّه أيضاً معترف بهذه القاعدة، حيث يقول: « وصحة الإستثناء تدل على العموم، إذا كان الإستثناء متّصلاً » فصحة الإستثناء المتصل دليل على العموم، ومن الواضح جداً صحّة الإستثناء من لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم، إذ المراد من صحة الإستثناء جواز وروده عليه لا الإستثناء فعلاً.

فلو فرض فرضاً غير واقع عدم كون الإستثناء بـ « إلّا أنّه لا نبي بعدي »

____________________

(١). فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ١ / ٢٩١ ط هامش المستصفى.

٢٦٢

استثناءً متّصلاً، كما هو مزعوم من لا بصيرة له في الحديث واللسان، خلافاً لتصريحات الأئمة الأعيان، لكن لمـّا كان الإستثناء المتّصل من لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم على الإطلاق، ومن لفظ « المنزلة » المضاف إلى لفظ « هارون » صحيحاً بلا ريب، فعموم لفظ « المنزلة » المضاف إلى العلم مطلقاً، والمضاف إلى هارون ثابت بلا ريب.

ولو لم يقلع هذا البيان المؤيَّد باعتراف ( الدهلوي ) أساس الوساوس الفاسدة والخطرات الكاسدة، فلننقل بعض كلمات أئمة الأصول الصريحة في إفادة اسم الجنس المضاف للعموم:

إسم الجنس المضاف من صيغ العموم

قال عضد الدين الإيجي: « ثم الصيغة الموضوعة له. أي للعموم عند المحقّقين هي هذه:

فمنها: أسماء الشرط والإستفهام، نحو: من وما ومهما وأينما.

ومنها: الموصولات، نحو: من وما والذي.

ومنها: الجموع المعرَّفة تعريف جنس لا عهد، والجموع المضافة نحو: العلماء وعلماء بغداد.

ومنها إسم الجنس كذلك. أي معرّفاً تعريف جنس، أو مضافاً »(١) .

فاسم الجنس المضاف من صيغ العموم عند المحققين كاسم الجنس المعرَّف بلام الجنس. ومن الواضح أن « المنزلة » اسم جنس مضاف، فهو عام، حسبما نصّ عليه المحققون.

وقال العبرى الفرغاني:

____________________

(١). شرح مختصر الأصول ٢ / ١٠٢.

٢٦٣

« المسألة الثّانية فيما يفيد العموم فنقول: العموم إما أنْ يستفاد من اللفظ لغةً أو عرفاً أو عقلاً.

والذي يفيد العموم لغةً: إما أنْ يفيده لا بنفسه من غير أن يكون معه قرينةٌ تدل عليه، أو يفيده لا بنفسه بل لأجل قرينةٍ ضمّت إليه.

والعام بنفسه: إما أنْ يتناول كلّ الأشياء سواء كانت من ذوي العلم أو لا، كلفظة أي، فإنّها تتناول العالمين وغيرهم في الإستفهام، نحو: أيّ شيء عندك؟ وفي المجازاة نحو قولك: أي رجلٍ يأتيني فله درهم، وأيّ ثوبٍ تلبسه يتزيّن بك أو يتناول بعضها، وحينئذٍ إمّا أنْ يتناول جميع العالمين فقط، مثل من في الإستفهام، نحو: من عندك؟ وفي المجازاة نحو قولهعليه‌السلام : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذينّ جاره. أو يتناول جميع غير العالمين فقط، سواء كان زماناً أو مكاناً أو غيرهما، نحو لفظة: ما والذي وذا وغيرهما، وقيل: إنه يتناول العالمين أيضاً لقوله تعالى:( وَالسَّماءِ وَما بَناها ) (٢) وحينئذٍ يكون ما كأيّ في العموم. أو يتناول بعض غير العالمين كأين ومتى، فإنّ أين عام في المكان، ومتى عام في الزّمان، ولا يتناولان غيرهما.

والعام لقرينةٍ ضمّت إليه: إمّا أنْ يكون في الإثبات وذلك: إمّا الجمع المحلّى بالألف واللام، سواء كان جمع كثرة نحو قوله تعالى:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) أو جمع قلة نحو قولهعليه‌السلام : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وإمّا الجمع المضاف، سواء كان جمع كثرةٍ نحو قولهعليه‌السلام : أولادنا أكبادنا، وكذا اسم الجنس يكون عاماً إذا كان محلّى بالألف واللام، نحو قوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ) أو مضافاً نحو قوله تعالى:( عَنْ أَمْرِهِ ) »(١) .

____________________

(١). شرح منهاج الوصول - مخطوط.

٢٦٤

فاسم الجنس إذا كان مضافاً يفيد العموم كاسم الجنس المحلّى بالألف واللام، وقد مثّل له بقوله تعالى:( عَنْ أَمْرِهِ ) حيث لفظ جاء إسم الجنس « أمر » مضافاً إلى الضمير العائد إلى الله تعالى.

وقال الجلال المحلّي:

« والمفرد المضاف إلى معرفةٍ للعموم على الصحيح كما قاله المصنف في شرح المختصر. يعني ما لم يتحقق عهد نحو( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) أي: كلّ أمر الله. وخصّ منه أمر الندب »(١) .

وقال نظام الدين في الجواب عن الإعتراض الثالث ممّا اعترض به على الإستدلال بقوله تعالى:( وَمَنْ يُشاقِقِ الله ورَّسُولَ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) على حجّية الإجماع، وحاصله منع عموم لفظ « سبيل » في الآية. فأجاب:

« وأمّا عن الثالث، فلأنه قد تقدّم في المبادىء اللغويّة أن المفرد المضاف أيضاً من صيغ العموم، كيف ويصحّ الإستثناء عنه وهو معيار العموم »(٢) .

وعليه، يكون لفظ « المنزلة » في الحديث الشريف دالّاً على العموم أيضاً.

وقال أبو البقاء:

« والمفرد المضاف إلى المعرفة للعموم، صرّحوا به في الإستدلال على أنّ الأمر للوجوب في قوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (٣) أي كلّ أمر الله »(٣) .

وهذا نصّ في أنّ كون المفرد المضاف إلى المعرفة من صيغ العموم، مذهب الكلّ، وبه صرّحوا.

____________________

(١). شرح جمع الجوامع - مبحث العموم والخصوص.

(٢). فواتح الرحموت ٢ / /٢١٥ هامش المستصفى.

(٣). الكليات: ٨٢٩.

٢٦٥

وقال ابن نجيم المصري:

« قاعدة - المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم. صرّحوا به في الإستدلال على أنّ الأمر للوجوب في قوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (٥) أي كلّ أمر الله تعالى.

ومن فروعه الفقهية: لو أوصى لولد زيد أو وقف على ولده وكان له أولاد ذكور وأناث، كان للكل. ذكره في فتح القدير، من الوقف. وقد فرّعته على القاعدة. ومن فروعها: لو قال لامرأته: إن كان حملك ذكراً فأنتِ طالق واحدة، وإنْ كان أنثى فثنتين. فولدت ذكراً وأنثى. قالوا: لا تطلّق. لأن الحمل اسم للكل، فما لم يكن الكل غلاماً أو جارية لم يوجد الشرط. ذكره الزيلعي، من باب التعليق. وهو موافق للقاعدة، ففرّعته عليها. ولو قلنا بعدم العموم للزم وقوع الثلاث »(١) .

فإفادة المفرد المضاف إلى المعرفة العموم قاعدة أصوليّة مسلّمة، ويتفرّع عليها فروع فقهية.

فهذه طائفة من كلمات أعلام المحققين من القوم في الأصول والفروع، وهلّا وقف عليها ( الدّهلوي ) الذي يُدّعى له التبحّر والإمامة في مختلف العلوم؟

والأعجب من ذلك غفلته عمّا جاء في ( شرحي التلخيص ) وحواشيهما، مع كونها في متناول أيدي جميع أهل العلم، ومن الكتب الدراسيّة للمبتدئين منهم فإن إفادة اسم الجنس للمضاف للعموم ظاهرة فيها

قال التفتازاني في ( المختصر ):

« فمقتضى الحال هو الإعتبار المناسب للحال والمقام.

يعني: إذا علم أنْ ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي إلّا

____________________

(١). الأشباه والنظائر: ٣٨١.

٢٦٦

بمطابقته للإعتبار المناسب على ما يفيده إضافة المصدر. ومعلوم أنه إنّما يرتفع بالبلاغة التي هي عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فقد علم أن المراد بالإعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد، وإلّا لَما صَدَقَ أنّه لا يرتفع إلّابالمطابقة للإعتبار المناسب، ولا يرتفع إلّابالمطابقة لمقتضى الحال، فليتأمل »(١) .

قال نظام الدين الخطائي في حاشيته على المختصر:

« قوله: على ما يفيده إضافة المصدر، لأنها تفيد الحصر، كما ذكروا في ضربي زيداً قائماً، إنه يفيد انحصار جميع الضربات في حال القيام، وفيه تأمّل: لأن إضافة المصدر إنّما تفيد العموم، لأنّ اسم الجنس المضاف من أدوات العموم، والإنحصار في المثال المذكور إنما هو من جهة أنّ العموم فيه يستلزم الحصر، فإنه إذا كان جميع الضربات في حال القيام لم يصح أنْ يكون ضرب في غير تلك الحال، وإلاّ لم يكن جميع الضربات في تلك الحال، لامتناع أنْ يكون ضرب واحد بالشخص في حالتين. وأمّا فيما نحن فيه فالعموم لا يستلزم الحصر، فإنه لا يلزم من كون المطابقة سبباً لجميع الإرتفاعات أنْ لا يحصل الإرتفاع بغير المطابقة، لجواز تعدد الأسباب لمسبب واحد، فيجوز حصوله بكلٍ منها. وإنما يلزم الحصر لو دلّ الكلام على حصر سببيّة جميع الإرتفاعات في المطابقة، وليس فليس.

ويمكن دفعه: بأنْ ليس معنى الكلام مجرد أن المطابقة سبب لجميع الإرتفاعات، بل إنّ جميعها حاصل بسبب المطابقة، ومعلوم أنّ ذلك يستلزم الحصر، إذ لو حصل الإرتفاع بغير المطابقة لم يصح أنْ يكون ذلك الإرتفاع حاصلاً بها، لامتناع تعدّد الحصول لشيء واحد ».

____________________

(١). المختصر في علم المعاني والبيان - تعريف البلاغة من مقدّمة الكتاب.

٢٦٧

وقال التفتازاني في ( المطوّل ):

« فمقتضى الحال هو الإعتبار المناسب للحال والمقام.

كالتأكيد والإطلاق وغيرهما ممّا عدّدناه، وبه يصرح لفظ المفتاح، وستسمع لهذا زيادة تحقيق. والفاء في قوله: فمقتضى الحال، تدل على أنه تفريع على ما تقدم ونتيجة له. وبيان ذلك: إنه قد علم مما تقدم أن إرتفاع شأن الكلام الفصيح بمطابقته للإعتبار المناسب لا غير، لأن إضافة المصدر تفيد الحصر، كما يقال: ضربي زيداً في الدار »(١) .

وقال الچلبي في حاشيته على المطوّل:

« قوله: لأن إضافة المصدر تفيد الحصر.

كما ذكره الرضي من أنّ اسم الجنس إذا استعمل ولم تقم قرينة تخصّصه ببعض ما يقع عليه، فهو الظاهر لاستغراق الجنس، أخذاً من استقراء كلامهم، فيكون المعنى ههنا: أنّ جميع الإرتفاعات حاصل سبب مطابقة الكلام للإعتبار المناسب ألبتة، فيستفاد الحصر، إذ لو جاز أنْ يحصل ارتفاع بغيرها لم يكن هذا الإرتفاع حاصلاً بتلك المطابقة، فلم تصح تلك الكلية ».

وقال الچلبي في موضع آخر:

« قوله: واستغراق المفرد أشمل.

قد سبق تصريح الشارح بأن إضافة المصدر تفيد الحصر، وحقّق هناك أنّ مبناه كون المصدر المضاف من صيغ العموم، فهذه القضية كلّية لا مهملة كما توهّم ».

لكن التفتازاني المصرّح بهذه القواعد والمباني في الكتب المبحوث عنها فيها والمواضع المتعلّقة بها، يتناسى ذلك عندما يريد أنْ يجيب عن استدلال

____________________

(١). المطوّل في علم المعاني والبيان - تعريف البلاغة من مقدّمة الكتاب.

٢٦٨

الشّيعة بحديث المنزلة فيقول:

« والجواب منع التواتر، بل هو خبر واحد في مقابلة الإجماع، ومنع عموم المنازل، بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم الإطلاق، وربما يدّعى كونه معهوداً معيّناً كغلام زيد »(١) ؟!

وكما غفل - أو تغافل - ( الدهلوي ) عمّا في كتب أصول الفقه، وعمّا في شرحي التلخيص وحواشيهما، غفل - أو تغافل - عمّا في كتب النحو، وهي الأخرى كتب دراسيّة في جميع الحوزات العلميّة

ألا ترى أنّ إفادة اسم الجنس المضاف للعموم صريح المحقّق الرّضي، كما في حاشية الجلبي؟

وهو صريح الجامي شارح الكافية في مواضع وجوب حذف الخبر، قال:

« وثانيها: كل مبتدء كان مصدراً صورةً أو بتأويله منسوباً إلى الفاعل أو المفعول به أو كليهما، وبعده حال أو كان اسم تفضيل مضافاً إلى ذلك المصدر، مثل: ذهابي راجلاً وضرب زيد قائماً إذا كان زيد مفعولاً به، ومثل ضربي زيداً قائماً أو قائمين، وأنْ ضربت زيداً قائماً أو قائمين، وأكثر شربي السويق ملتوتاً، وأخطب ما يكون الأمير قائماً.

فذهب البصريون إلى أنَّ تقديره: ضرب زيداً حاصل إذا كان قائماً. فحذف حاصل كما يحذف متعلّقات الظروف نحو: زيد عندك، فبقي إذا كان قائماً ثم حذف إذا مع شرطه العامل في الحال وأقيم الحال مقام الظرف، لأن في الحال معنى الظرفية. فالحال قائم مقام الظرف القائم مقام الخبر، فيكون الحال قائماً مقام الخبر.

قال الرضي: هذا ما قيل فيه، وفيه تكلّفات كثيرة. والذي يظهر لي أن

____________________

(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.

٢٦٩

تقديره نحو: ضربي زيداً يلابسه قائماً، إذا أردت الحال من المفعول، وضربي زيداً يلابسني قائماً، إذا كان حالاً عن الفاعل، أولى، ثم تقول: حذف المفعول الذي هو ذو الحال، فبقي ضربي زيداً يلابس قائماً. ويجوز حذف ذي الحال مع قيام قرينة، تقول: الذي ضربت قائماً زيد. أي ضربته، ثم حذف يلابس الذي هو خبر المبتدأ والعامل في الحال، وقام الحال مقامه، كما تقول: راشداً مهديّاً، أي: سر راشداً مهديّاً. فعلى هذا يكونون مستريحين من تلك التكلّفات البعيدة.

وقال الكوفيون: تقديره: ضربي زيداً قائماً حاصل، بجعل قائماً من متعلّقات المبتدأ. ويلزمهم حذف الخبر من غير سدّ شيء مسدّه، وتقييد المبتدء المقصود عمومه بدليل الاستعمال »(١) .

وقال ابن الحاجب بشرح قول الزمخشري: « وممّا حذف فيه الخبر لسدّ غيره مسدّه قولهم: أقائم الزيدان، وضربي زيداً قائماً، وأكثر شربي السويق ملتوتاً » قال:

« وقولهم: ضربي زيداً قائماً. قال الشيخ: ضابطة هذا أنْ يتقدّم مصدر أو ما هو في معناه، منسوباً إلى فاعله أو مفعوله، وبعده حال منهما أو من أحدهما، على معنىً يستغنى فيه بالحال عن الخبر. وللنحويّين فيه ثلاثة مذاهب:

مذهب أكثر محققي البصريين: أن التقدير: ضربي زيداً حاصل إذا كان قائماً المذهب الثاني: مذهب الكوفيين أن تقديره: ضربي زيداً قائماً حاصل الثالث: مذهب المتأخرين - واختاره الأعلم - إنّ التقدير: ضربت زيداً قائماً

والصحيح هو الأول. وبيانه: إن معنى « ضربي زيداً قائماً »: ما ضربته إلّا

____________________

(١). الفوائد الضيائية: ٢٩٦ - ٢٩٧، مبحث المبتدء والخبر من المرفوعات، في مواضع لزوم حذف الخبر.

٢٧٠

قائماً. وكذلك: أكثر شربي السويق ملتوتاً، معناه: ما أكثر الشرب إلّا ملتوتاً. وهذا المعنى لا يستقيم لذلك إلّاعلى تقدير البصريين.

وبيانه: إن المصدر المبتدأ اُضيف، وإذا أضيف عمّ بالنسبة إلى ما اُضيف إليه، كأسماء الأجناس التي لا واحد لها، وجموع الأجناس التي لها واحد، فإنها إذا اُضيفت أيضاً عمّت. ألا ترى أنك إذا قلت « ماء البحار حكمه كذا » عم جميع مياه البحار. وكذلك إذا قلت: « علم زيد حكمه كذا » عمّ جميع علم زيد. فقد وقع المصدر أولاً عاماً غير مقيد بالحال، إذ الحال من تمام الخبر، ثم اُخبر عنه بحصوله في حال القيام، فوجب أن يكون هذا الخبر للعموم، لما تقرر من عمومه، لأنّ الخبر عن جميع المخبر عنه، فلو قدّرت بعض ضرب زيد ليس في حال القيام لم تكن مخبراً عن جميعه، وإذا تقرر ذلك كان معناه: ما ضربي زيداً إلا في حال القيام

وفساد المذهب الثالث من وجهين: اللفظ والمعنى. أما اللفظ فإنه لو كان المبتدأ قائماً مقام الفعل لاستقلّ بفاعله كما استقل اسم الفاعل في أقائم الزيدان. ولو قلت: ضربي أو ضربي زيداً لم يكن كلاماً. وأما من حيث المعنى فإن الإخبار يقع بالضرب عن زيد في حال القيام، ولا يمنع هذا المعنى أن يكون ثمَّ ضرب في غير حال القيام. ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب زيداً قائماً، لم يمتنع من أن يكون زيد ضرب قاعداً، وهو عين ما ذكرناه في بطلان مذهب أهل الكوفة »(١) .

ومن هذا الكلام أيضاً يظهر بوضوحٍ تام، دلالة اسم الجنس المضاف إلى العلم وغيره على العموم.

____________________

(١). شرح المفصّل في علم النحو، في مواضع لزوم حذف الخبر.

٢٧١

قوله:

بل صرحوا بأنه للعهد كما في غلام زيد ونحوه.

الدلالة على العموم ما لم تكن قرينة على العهد

أقول:

لا يخفى أنّ تبادر العهد في مثل: « غلام زيد » لوجود القرينة، لا يستلزم عدم الدلالة على العموم في كلّ اسم مضاف، لأنّ اسم الجنس المعرف باللام، والجمع المعرّف باللام أو المضاف - هذه الصّيغ المفيدة للعموم بتصريح عموم الاُصوليين - إذا قامت قرينة على العهد فيها حملت عليه، وليس ذلك مخرجاً لها عن الدلالة على العموم حيث لا قرينة، فكذا في اسم الجنس المضاف.

قال الجلال المحلّي:

« والجمع المعرف باللام نحو( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) أو الإضافة نحو( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن »(١) .

قال البناني في حاشيته:

« قوله: ما لم يتحقق عهد.

ينبغي اعتبار هذا القيد في الموصولات أيضاً، فإنّها قد تكون للعهد كما هو مصرّح به، وقد يقال: لا حاجة إلى هذا القيد، لأن الكلام في هذا الوضع للجمع المعرف وهو العموم. ولا يخفى أنّه ثابت مع تحقق العهد، غايته أنّه انصرف عن معناه لقرينة العهد، غير أن ذلك لا يمنع ثبوت ذلك المعنى له »(٢) .

____________________

(١). شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.

(٢). حاشية شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.

٢٧٢

وقال الجلال أيضاً:

« والمفرد المحلّى باللام مثله. أي مثل الجمع المعرف بها، في أنّه للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن نحو:( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) أي كلّ البيع، أي كل بيع، وخصّ منه الفاسد كالرّبا »(١) .

وقال عبد العزيز البخاري بأنّ دلالة المفرد والجمع المعرَّفين باللام على العموم، مذهب جمهور الاُصوليين وعامة مشايخ الحنفية وأهل اللغة(٢) .

وقال ابن نجيم بعد عبارته السّابقة التي صرّح فيها بإفادة المفرد المضاف إلى المعرفة للعموم:

« وخرج عن القاعدة لو قال: زوجتي طالق أو عبدي حر، طلّقت واحدة وعتق واحد والتعيين إليه، ومقتضاها طلاق الكل وعتق الجميع.

وفي البزازية، من الأيمان: إن فعلت كذا فامرأته طالق - وله امرأتان فأكثر - طلّقت واحدة، والبيان إليه. انتهى.

وكأنّه إنما خرج هذا الفرع عن هذا الأصل، لكونه من باب الايمان المبنيّة على العرف، كما لا يخفى »(١) .

قوله:

وإنْ لم تكن قرينة، فغاية الأمر ثبوت الإطلاق.

____________________

(١). شرح جمع الجوامع، مباحث العام من الكتاب الأول.

(٢). كشف الاسرار في شرح اصول البزدوي ٢ / ٢٦.

(٣). الأشباه والنظائر: ٣٨١.

٢٧٣

رّد دعوى الدلالة على الاطلاق حيث لا قرينة على العهد

أقول:

كيف يثبت الإطلاق حيث لا قرينة على العهد؟ بل هو العموم لصحة الإستثناء، والإستثناء دليل العموم كما تقدّم فما ذكره ( الدهلوي ) تبعاً لبعض أسلافه دعوى مجرَّدة لا دليل عليها ولا شاهد لها

وعلى فرض التنزّل عن أنَّ اسم الجنس المضاف من صيغ العموم، لتصريح كبار الأئمة به، ولصحّة الإستثناء منه وهو دليل العموم كما صرحوا به أيضاً وتسليم أنّ غاية أمره هو الاطلاق فلا يخفى أنّ الإطلاق كذلك كاف في إثبات مطلوب الإمامية من الحديث، لأنّ اللفظ المطلق الصادر عن الحكيم من غير نصب قرينةٍ على التّخصيص يفيد العموم، وإلّا لزم الإهمال وهو قبيح منه:

قال القاضي عبيد الله المحبوبي البخاري:

« ومنها ( أي من الألفاظ العامة ) الجمع المعرف باللام، إذا لم يكن معهوداً، لأنّ المعرف ليس هو الماهيّة في الجميع، ولا بعض الأفراد لعدم الأولوية، فتعيَّن الكل »(١) .

قلت: وهذا البرهان جارٍ في المطلق أيضاً. فإنّ حمل المطلق على بعض أفراده دون بعض ترجيح بلا مرجّح، لعدم الأولوية، فلابدّ من حمله على الكلّ.

وقال أيضاً:

« إعلم أنّ لام التعريف إمّا للعهد الخارجي أو للذهني وإمّا لاستغراق الجنس وإمّا لتعريف الطبيعة. لكن العهد هو الأصل ثم الاستغراق ثم تعريف

____________________

(١). التوضيح في حلّ غوامض التنقيح. فصل في ألفاظ العام، من الباب الأول، من الركن الأول من القسم الأول.

٢٧٤

الطبيعة، لأن اللفظ الذي يدخل عليه اللام دال على الماهيّة بدون اللام، فحمل اللام على الفائدة الجديدة أولى من حمله على تعريف الطبيعة. والفائدة الجديدة إمّا تعريف العهد أو استغراق الجنس، وتعريف العهد أولى من تعريف الاستغراق، لأنه إذا ذكر بعض أفراد الجنس خارجاً أو ذهناً فحمل اللام على ذلك البعض المذكور أولى من حمله على جميع الأفراد، لأن البعض متيقَّن والكل محتمل.

فإذا علم ذلك، ففي الجمع المحلّى باللام لا يمكن حمله بطريق الحقيقة على تعريف الماهية، لأن الجمع وضع لأفراد الماهية لا للماهية من حيث هي، لكن يحمل عليها بطريق المجاز على ما يأتي في هذه الصفحة، ولا يمكن حمله على العهد إذا لم يكن عهد، فقوله: ولا بعض الأفراد لعدم الأولوية، إشارة إلى هذا، فتعيّن الإستغراق ».

فقد نصَّ على أنه « لا يمكن حمله على العهد إذا لم يكن عهد ». وأنه لا يمكن حمله على بعض الأفراد، لعدم الأولوية: « فتعيَّن الاستغراق ».

ونفس هذا البرهان جارٍ في المطلق، « فتعيَّن الإستغراق ».

وقال التفتازاني:

« واستدلَّ على مذهب التوقف تارةً ببيان أن مثل هذه الألفاظ التي اُدعي عمومها مجمل، وأخرى ببيان أنه مشترك. أمّا الأول: فلأنَّ أعداد الجمع مختلفة من غير أولوية البعض، ولأنه يؤكَّد بكل وأجمعين مما يفيد بيان الشمول والإستغراق، فلو كان للإستغراق لما احتيج إليه، فهو للبعض وليس بمعلوم فيكون مجملاً ». فقال بعد ذكر الوجه الثاني:

« والجواب عن الأول: إنّه يحمل على الكل، احترازاً عن ترجيح البعض بلا مرجّح »(١) .

____________________

(١). التلويح في شرح التوضيح، فصل في حكم العام، من التقسيم الأول من الباب الأول من الركن الأول من القسم الأول.

٢٧٥

وإذنْ، تم إثبات العموم لصيغ العموم بهذا البرهان ثمَّ إثبات العموم للمطلق بنفس هذا البرهان، أعني بطلان الترجيح بلا مرجح.

قوله:

والقرينة على العهد موجودة هنا، وهو قوله: أتخلّفني في النّساء والصبيان.

ردّ دعوى أنّ « أتخلّفني » قرينة العهد

أقول:

إنّ هذا الكلام مخدوش بوجوه:

١ - هذا عين مدّعى النواصب

قد تقدّم قريباً نقل ( الدهلوي ) عن النواصب دعوى قصر دلالة هذا الحديث على الخلافة الخاصّة، وأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلف أمير المؤمنينعليه‌السلام في أهله وعياله فقط نَقل هذا عنهم واستقبحه، وأحال جوابه إلى كتب أصحابه من أهل السنّة لكنّ هذا الّذي ادّعاه هنا رجوع إلى مقالة النواصب وتصديق لها لأن حاصله يطابق تلك المقالة حذو القدّة بالقذة، وبيان ذلك:

إنّ ( الدهلوي ) يدّعي أنّ المراد من « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » هو المنزلة المعهودة، ثم فسّر المنزلة المعهودة بالخلافة في النساء والصبيان، وهذا ينتهي إلى قصر الخلافة في الأهل والعيال، وهو مزعوم النّواصب

وإنّ ما أورده ( الدهلوي ) في الحاشية عن ابن حزم تأييداً لهذا الذي ذكره

٢٧٦

في المتن دليل آخر على موافقة ( الدهلوي ) للنواصب، وأنّه بصدد تأييد مرامهم وتقوية مزاعمهم، وهذه عبارة ابن حزم على ما في الحاشية:

« هذا لا يوجب استحقاق الخلافة فضلاً عن تفويضها إليه، لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى، وإنما ولي الأمر بعد موسى يوشع بن نون فتى موسىعليه‌السلام ، وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضرعليه‌السلام ، كما ولي الأمر بعد نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن عليرضي‌الله‌عنه نبيّاً كما كان هارون نبيّاً، ولم يكن هارون خليفةً بعد موسى على بني إسرائيل، فقد صحّ أن كونهرضي‌الله‌عنه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة ».

فلماذا أورد ( الدهلوي ) هذا الكلام الباطل، والمناقض لما صرّح به نفسه في المتن، من دلالة هذا الحديث الشريف على استحقاق أمير المؤمنينعليه‌السلام للخلافة؟! أليس تأييداً لدعوى النواصب وابن حزم منهم كما ذكروا بترجمته؟

كما أنه يناقض كلامه هنا في المتن أيضاً، لأنّه يذعن بالدلالة على الخلافة، لكن يحصرها في الأهل والعيال، وابن حزم - في هذا الكلام - ينكر أصل الدلالة على الخلافة كما هو مزعوم النواصب

فلماذا هذا التناقض؟

٢ - جملة « أتخلفني » غير موجودة في كثير من ألفاظ الحديث

ثم إن جملة: « أتخلفني في النساء والصبيان » غير موجودة في كثير من ألفاظ حديث المنزلة، وحتى أنها غير موجودة في رواية البخاري في كتاب المناقب، وكذا فيما أخرجه مسلم أوّلاً عن عامر بن سعد عن أبيه، وما أخرجه

٢٧٧

في الآخر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه

فالإستدلال بالحديث العاري عن هذه الفقرة تام، ولا وجه لإلزام الإمامية بقبول اللفظ الواجد لها، كي يدّعى كون الجملة قرينة على العهد، ويبطل بذلك عموم المنزلة

٣ - هذه الجملة استفهاميّة ولا وجه لجعلها قرينة

على أن هذه الجملة لا تصلح لأن تكون قرينةً على العهد - حتى لو كانت في جميع الألفاظ -، كي تكون الخلافة خاصّة لا عامّة، لبداهة كون الجملة استفهامية، والإستفهام لا يستدعي الوقوع والتحقّق، فيجوز أنّ الإمامعليه‌السلام إنّما قال هذا الكلام طلباً لظهور بطلان زعم المنافقين وإثبات كذب المرجفين على لسان النبيّ الأمين وخاتم النبيّينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فأجابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى

وهذا الجواب من النبي - بقطع النظر عن إثباته سائر المنازل - يثبت منزلة الخلافة الهارونية لمولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام وبه اعترف ( الدهلوي ) أيضاً كما يدل عليه قوله: « أي كما أنّ هارون كان خليفة موسى عند توجّهه إلى الطور، كذلك الأمير كان خليفة الرسول عند توجّهه إلى غزوة تبوك ».

ولما كان من المعلوم أنّ خلافة هارون لم تكن في الأهل والعيال فقط، كذلك حال خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو يقول له: إني ما استخلفتك في الأهل والعيال فحسب، ولم أتركك في المدينة استثقالاً - كما زعم المنافقون - بل أنت مني بمنزلة هارون، ومن منازله كونه خليفة عن موسى على جميع المتخلّفين.

٢٧٨

وبهذا البيان يكون سوق كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدفع توهّم تخصيص الإستخلاف بالأهل والعيال، ولإظهار مزيد الشرف ورفعة المقام للأميرعليه‌السلام .

وإذْ لم تكن هذه الجملة دالةً على استخلافه في النساء والصبيان أصلاً، فكيف تكون دالّةً على سلب خلافته بالنسبة إلى من عدا النساء والصبيان؟ فإن هذا السلب إنْ استفيد فإنّما يستفاد من المفهوم، وثبوت المفهوم فرع ثبوت المنطوق، والإستفهام لا يدل على ثبوت المنطوق، فكيف يدل على ثبوت المفهوم؟

٤ - خصوصية السؤال لا تستلزم خصوصية الجواب

وعلى فرض إفادة جملة: « أتخلّفني في النساء والصّبيان » اختصاص خلافتهعليه‌السلام بالنسبة إلى النساء والصّبيان، فإنّه لا ينفع النواصب وأتباعهم، لأنّ خصوصية السؤال لا تستلزم تخصيص الجواب، فلو قال زيد لبكر: « أتملّكني دارك؟ » فأجابه: « ملّكتك ما أملكه » كان هذا الجواب عاماً، ولا يخصّصه السؤال الخاص بالدار.

٥ - جواب التفتازاني عن هذه الدعوى

وأوضح التفتازاني بطلان هذا التوهّم الذي وقع فيه ( الدهلوي ) حيث قال:

« فأمّا الجواب بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمـّا خرج إلى غزوة تبوك استخلف علياًرضي‌الله‌عنه على المدينة، فأكثر أهل النفاق في ذلك، فقال عليرضي‌الله‌عنه : يا رسول الله أتتركني مع الخوالف؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي. وهذا لا يدل على خلافته بعده، كابن اُم مكتوم رضي الله تعالى عنه استخلفه على المدينة في

٢٧٩

كثير من غزواته.

فربما يدفع: بأنَّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب »(١) .

إذاً، لو سلّمنا ما زعمه ( الدهلوي ) استناداً إلى هذه الجملة، فإنها غير موجبة لتخصيص الحديث الشريف وإرادة العهد منه.

ثم إنّ من الهفوات الشنيعة: زعم ( الدهلوي ) صدور جملة: « أتخلفني » من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، اعتراضاً منه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلافه إيّاه في المدينة وكأنه يقصد من هذا أنْ يقلّل من شناعة قول عمر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والعياذ بالله -: « إنّ النبي ليهجر »

جاء ذلك في باب المطاعن من ( التحفة ) في الجواب عن المطعن الأول من مطاعن عمر المتضمن لقصّة القرطاس

ولكنّه زعم فاسد وتوهّم باطل، وكيف يقاس الكلام الصادر - على تقدير صدوره - لإثبات كذب المرجفين، بمثل قولة عمر المذكورة، ثم يستنتج من ذلك أن كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن وحياً يوحى؟!

٦ - ما ذكره ابن تيمية في سبب الحديث

هذا، وفي كلام ابن تيميّة المذكور سابقاً: أن السّبب في قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : « أتخلّفني في النساء والصبيان » هو توهّم وهن استخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه ونقص درجته، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى » دفعاً لهذا التوهّم.

وعلى هذا، كيف تجعل هذه الجملة قرينةً على إرادة العهد في جواب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها بقوله: أنت منّي

____________________

(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.

٢٨٠