نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٧

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 418

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 418
المشاهدات: 130383
تحميل: 2728


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 418 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 130383 / تحميل: 2728
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 17

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

« قوله: نحو قام رجال كانوا فى دارك إلا زيداً منهم. قال الكمال: هذا المثال وإنْ تمشى فيه ما ادّعاه من العموم فيما تخصّص به، فلا يخصّ المثال من كون الدار حاصرة لهم، ولا يتمشّى فيما مثّل به ابن مالك من قوله: جاءنى رجال صالحون إلّا زيداً. واعترضه شيخ الإسلام حيث قال: قد يوجّه عمومه فيما تخصّص به بوجوب دخول المستثنى فى المستثنى منه لولا الإستثناء، لتكون الدار حاصرةً للجميع. ويردّ بمنع وجوب ذلك، وأن الدار حاصرة للجميع، لجواز أنْ لا يكون زيد منهم، ولهذا احتيج إلى ذكر منهم، مع أنّ فى عموم ذلك نظراً، إذ معيار العموم صحة الإستثناء لا ذكره، وهذا لا يعرف إلّا بذكره.

وأمّا ما اختاره ابن مالك من جواز الإستثناء من النكرة فى الإثبات نحو: جاءنى قوم صالحون إلّا زيداً، فهو مخالف لقول الجمهور، إذْ الإستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله فى المستثنى منه، وذلك منتف فى المثال. نعم إنْ زيد عليه منهم كان موافقاً لهم. لكن فيه ما مر آنفاً.

وقوله: وإنّ الدار حاصرة للجميع. قد يقال: ولو سلّم أنها حاصرة للجميع، فكونها كذلك لا يقتضى العموم فيما تخصّص به، لصدق اللفظ بجماعة ممّن كانوا فى الدار، ولا يتبادر من اللفظ جميع من كانوا فى الدار.

ويجاب بأنْ الإستثناء دليل العموم فيما تخصّص به وإلاّ لم يحتج إليه، والظاهر من الإستثناء هو الإحتياج إليه.

وقوله: ولهذا احتيج إلى ذكر منهم. يخالفه قول الشهاب.

قوله: منهم. حال من زيد. يعنى: لا يستثنى زيد - مثلاً - فى هذا التركيب، إلّا إذا كان من جملة الرجال المحدث عنهم، فلا يلزم ذكر لفظة منهم فى التركيب حين الإخبار.

٣٠١

وقوله فى توجيه نظره: إذ معيار العموم صحة الإستثناء لا ذكره.

قد يقال: من لازم ذكره على وجه صحيح صحته، ولا شك فى صحّة هذا التركيب مع صحة هذا الإستثناء.

وقوله: وأما ما اختاره ابن مالك الخ. فيندفع به إيراد الكمال هذا المثال على الشارح، فيقال كلامه مبنى على مذهب الجمهور.

واعلم أنّ ما تقدّم عن التلويح قد يدل على العموم فيما مثّل به ابن مالك أيضاً ».

أقول:

وعلى الجملة، فإنّ كلمات القوم صريحة فى أنّ المراد من صحّة الإستثناء من لفظٍ صحة وقوع الإستثناء بعده، لا ذكره بعده بالفعل، فكل لفظٍ صحّ ذلك فيه كان دالّاً على العموم وإنْ لم يوجد الإستثناء، فليس وجود الإستثناء منه شرطاً فى دلالته على العموم، بل يكفى مجرَّد صحة الإستثناء منه.

ومن الواضح جداً: إن لفظ المنزلة المضاف إلى العلم يصحّ الإستثناء منه قطعاً، لجواز أن تقول: زيد بمنزلة عمرو إلّا فى النسب، أو إلّافى العلم، أو إلّافى المال ونحو ذلك ولفظ « المنزلة » الوارد فى هذا الحديث - بالخصوص - يصحّ منه الإستثناء المتّصل، كما لو كان لفظ الحديث: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة، فإنّه استعمال صحيح ومتين قطعاً ولقد ورد هذا الحديث باللّفظ المذكور فى رواياتٍ عديدة كما تقدم ويأتى إن شاء الله.

وإذا صحّ الإستثناء من لفظ المنزلة المضاف إلى العلم، ظهر كون لفظ المنزلة المضاف إلى العلم من ألفاظ العموم

وعلى ما ذكرنا، يكون مجرَّد: « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » دالّاً

٣٠٢

بوضوح على عموم المنازل، وإنْ فرض عدم مجرد الإستثناء فيه.

فثبت - والحمد لله - أن ما ذكره ( الدهلوي ) تبعاً لأئمّته - أعنى التفتازانى، والقوشجى، والكابلى - فى هذا الإستثناء، أعنى: « إلّا أنّه لا نبي بعدي ». وزعمهم أنّه إستثناء غير متصل بل منقطع، مندفع حتى بعد تسليم الإنقطاع، لكفاية صحة الإستثناء فى دلالة لفظ المنزلة على العموم، ولا حاجة إلى إثبات الإستثناء المتّصل.

٣٠٣

الردّ على دعوى أنّ الإستثناء في هذا الحديث منقطع

قوله:

والإستثناء هنا منقطع بالضرورة لفظاً ومعنىً.

أقول:

أولاً: إنّ ( الدهلوي ) يدّعى أنّ الإستثناء في هذا الحديث منقطع، وهو بعدُ لم يثبت انقطاع الإستخلاف!! وهذا إنْ دلّ على شيءٍ، فإنّما يدلّ على تشتّت باله واختلال أحواله!!

بين هذه الدعوى ومعيار العموم

وثانياً: قد عرفت أنّ صحّة الإستثناء معيار العموم، وأنّ ( الدهلوي ) يعترف بهذه القاعدة، فكان على ( الدهلوي ) أن يتكلَّم في صحة الإستثناء المتّصل، لا أنْ يكتفي بإنكار وجود الإستثناء المتّصل، إذ عدم كون الإستثناء الموجود متّصلاً - لو فرض فرضاً باطلاً - لا يضرّ المستدل ولا ينفع المجيب، لأنّ الكلام إنما هو فى صحة الإستثناء، و ( الدهلوي ) عاجز عن التكلّم في هذه النّاحية بشيء

والعجب من صلافة هذا الرّجل، كيف يدّعى في الباب الحادي عشر من كتابه وجود الأوهام في دلائل علمائنا الكرام، وهو يرتكب هذه الأوهام الطريفة والأغلاط اللطيفة، في فهم القواعد المشهورة والقوانين المعروفة التى ليس فيها أي إعضالٍ وإشكال؟!

والأعجب منه، إنّه ينسب - في الباب المذكور - إلى علماء الشيعة الوقوع في وهمِ أخذِ ما بالقوة مكان ما بالفعل، ويمثّل لذلك بحديث المنزلة، مع أنّه

٣٠٤

بنفسه قد أخذ هنا ما بالفعل مكان ما بالقوة، حيث جعل وجود الإستثناء - وهو بالفعل - مكان صحة الإستثناء وهو بالقوة. وأما نسبة ما ذكر إلى علماء الإمامية، فسيأتى دفعها فيما بعد بوجوه.

قوله:

أمّا لفظاً، فلأنّ: « إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » جملة خبريّة، فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون، وتكون هذه الجملة بعد تأويلها إلى المفرد بدخول « إنّ » فى حكم إلاّعدم النبوة، ومعلوم أنّ عدم النبوة لم يكن من منازل هارون حتى يصح استثناؤه.

الأصل في هذه الدعوى هو التفتازانى

أقول:

ولا يخفى أن الأصل في دعوى انقطاع الإستثناء في الحديث - على ما يظهر من التتبّع - هو سعد الدين التفتازاني، فإنه قال:

« وليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بمنزلة قولك: إلّا النبوّة، بل منقطع بمعنى لكن، على ما لا يخفى على أهل العربية، فلا يدل على العموم. كيف؟ ومن منازله الأخوّة في النسب ولم تثبت لعلي، اللهمّ إلّا أن يقال إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها »(١) .

وتبعه القوشجي حيث قال:

« وليس الإستثناء المذكور إخراجهاً لبقض أفراد المنزلة، بمنزلة قولك إلّا النبوة، بل هو منقطع بمعنى لكن، فلا يدل على العموم، كيف ومن منازلة الأخوة

____________________

(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.

٣٠٥

فى النسب ولم يثبت لعلي، اللهمّ إلّا أنْ يقال إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها »(١) .

ومنهما أخذ الكابلي، لكنّه أسقط من الكلام قولهما: « إلّا أنْ يقال » وهذه عبارته: « والإستثناء ليس إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بل منقطع بمنزلة غير، وهو غير عزيز في الكتاب والسنة، ولا يدل على العموم، فإنَّ من منازل هارون من موسى الاُخوة فى النسب، ولم يثبت ذلك لعلي»(٢) .

وقلّدهم ( الدّهلوي ) ولكنه لو كان له أقل خبرة بالقواعد العلمية، وأقل ممارسة للكتب الفقهية والأصولية، لما وقع في هذا الوهم الذي وقع فيه غيره

لا يجوز الحمل على الإنقطاع إلّاعند تعذّر الإتّصال

وذلك، لأنّ ممّا تقرر عند المحققين وتسالموا عليه، عدم جواز حمل الإستثناء على الإنقطاع إلا عند تعذّر الإتصال، وإليك نصوص بعض عباراتهم في ذلك:

قال ابن الحاجب: « الإستثناء في المنقطع قيل: حقيقة، وقيل: مجاز، وعلى الحقيقة قيل: متواطىء، وقيل: مشترك. ولابدَّ لصحته من مخالفة في نفي الحكم أو في المستثنى حكم آخر له مخالفة بوجه، مثل: ما زاد إلّا ما نقص. ولأن المتّصل أظهر، لم يحمله علماء الأمصار على المنقطع إلّا عند تعذّره، ومن ثمَّ قالوا فى: له عندي مائة درهم إلّاثوباً، وشبهه: إلّاقيمة ثوب »(١) .

وقال عضد الدين الإيجي بشرحه: « واعلم أنّ الحق أن المتصل أظهر، فلا

____________________

(١). شرح التجريد: ٣٧٠.

(٢). الصواقع الموبقة - مخطوط.

(٣). المختصر في علم الاصول ٢ / ١٣٢.

٣٠٦

يكون مشتركاً، ولا للمشترك، بل حقيقة فيه ومجازاً في المنقطع، فلذلك لم يحمله علماء الأمصار على المنفصل إلّاعند تعذّر المتّصل، حتى عدلوا للحمل على المتّصل عن الظاهر وخالفوه، ومن ثمَّ قالوا في قوله: له عندي مائة درهم إلّاثوباً، وله عليَّ إبل إلّا شاة معناه: إلّا قيمة ثوب أو قيمة شاة، فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متّصلاً، ولو كان في المنقطع ظاهراً لم يرتكبوا مخالفة ظاهرٍ حذراً عنه ».

وقال البهاري: « أداة الإستثناء مجاز في المنقطع، وقيل حقيقة، فقيل: مشترك، وقيل: متواطىء، أي وضعت لمعنى فيها وضعاً واحداً. لنا: إن المتّصل أظهر، فلا يتبادر من نحو: جاء القوم إلّا إرادة إخراج البعض، فلا يكون مشتركاً ولا للمشترك، ومن ثمّة لم يحمله علماء الأمصار عليه ما أمكن المتّصل ولو بتأويل، فحملوا: له عليَّ ألف إلّاكرّاً على قيمته »(١) .

وقال عبد العزيز البخاري: « وقال [ الشافعي ] في رجل قال: لفلان عليَّ ألف درهم إلّا ثوباً: إن الإستثناء صحيح، ويسقط من الألف قدر قيمة الثوب، لأنّ معناه إلّاثوباً فإنّه ليس عليَّ من الألف، لأنه ليس بياناً إلّاهكذا.

ثم الدليل المعارض - وهو الإستثناء - واجب العمل بقدر الإمكان، إذ لو لم يعمل به صار لغواً، والأصل في كلام العاقل أنْ لا يكون كذلك، فإن كان المستثنى من جنس المستثنى منه يمكن إثبات المعارضة في عين المستثنى، والإمكان ههنا في أن يجعل نفياً لقدر قيمة الثوب لا لعينه، فيجب العمل به كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - في قول الرجل: لفلان عليَّ ألف إلّا كراً حنطةً: إنه يصرف إلى قيمة الكر، تصحيحاً للإستثناء بقدر الإمكان. قال: ولو كان الكلام عبارةً عمّا وراء المستثنى كما قلتم ينبغي أنْ يلزمه الألف كاملاً، لأن

____________________

(١). مسلّم الثبوت ١ / ٣١٦ هامش المستصفى.

٣٠٧

مع وجوب الألف عليه نحن نعلم أنه لا كرّ عليه، فكيف يجعل هذا عبارةً عمّا وراء المستثنى، والكلام لم يتناول المستثنى أصلاً، فظهر أن الطريق فيه ما قلنا ».

ثم قال البخاري في الجواب عن استدلال الشافعي نقلاً عن أصحابه:

« وكذا صحة الإستثناء في قوله: عليَّ ألف إلّا ثوباً. ليست مبنيّةً على أنّ الإستثناء معارضة أيضاً، بل هي مبنيّة على أنّ الإستثناء المتصل حقيقة، والإستثناء المنقطع مجاز، فمهما أمكن حمل الإستثناء على الحقيقة وجب حمله عليها، إذ الأصل في الكلام هو الحقيقة، ومعلوم أنّه لابدّ في الإستثناء المتّصل من المجانسة، فوجب صرف الإستثناء إلى القيمة ليثبت المجانَسة ويتحقّق الإستخراج كما هو حقيقة، ألا ترى أنّه لا يمكن جعله معارضة إلاّ بهذا الطريق، إذ لا بدّ من اتحاد المحلّ أيضاً. وإذا وجب ردّ الثوب إلى القيمة تصحيحاً للإستثناء لا ضرورة إلى جعله معارضة، بل يجعل عبارة عما وراء المستثنى »(١) .

وقال البخاري أيضاً: « قوله: وقوله تعالى:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) (٢) إستثناء منقطع. ذهب بعض مشايخنا منهم القاضي الإمام أبو زيد إلى أنّ هذا إستثناء منقطع، وتقريره من وجهين وذهب أكثرهم إلى أنّه إستثناء متصل، لأنّ الحمل على الحقيقة واجب مهما أمكن، فجعلوه استثناء حال بدلالة الثنيّا، فإنها تقتضى المجانسة، وحملوا الصدر على عموم الأحوال، أي: أضمروا فيه الأحوال فقالوا: التقدير أولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال، أي حال المشافهة والغيبة، وحضور القاضي وحضور الناس وغيبتهم، وحال الثبات والإصرار على القذف وحال الرجوع والتوبة ».

____________________

(١). كشف الأسرار في شرح البزدوي ٣ / ٢٥٠ - ٢٥١.

٣٠٨

قال: « قوله: وكذلك قوله تعالى:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) أي: ومثل قوله تعالى:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) قوله عزوجل:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) ، فإنّه استثناء حال أيضاً، إذ لا يمكن استخراج العفو الذي هو حالهنَّ عن نصف المفروض حقيقة، لعدم المجانسة، فيحمل الصدر على عموم الأحوال، أي: لهنَّ نصف ما فرضتم، أو عليكم نصف ما فرضتم في جميع الأحوال، أي: في حال الطلب والسكوت، وحال الكبر والصغر، والجنون والإفاقة، إلّا في حالة العفو، إذا كانت العافية من أهله، بأنْ كانت عاقلة بالغةً، فكان تكلّماً بالباقي نظراً إلى عموم الأحوال ».

قال: « قوله: وكذلك. أي ومثل قوله تعالى:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) قوله عليه الصلاة والسلام: إلّاسواء بسواء. فإنه استثناء حال أيضاً، لانّ حمل الكلام على الحقيقة واجب ما أمكن، ولا يمكن استخراج المساواة من الطعام، فيحمل الصدر على عموم الأحوال، فصار كأنّه قيل: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال من المفاضلة والمجازفة والمساواة إلّا في حالة المساواة، ولا يتحقق هذه الأحوال إلّا في الكثير

فإنْ قيل: لا نسلّم أنّ هذا إستثناء متصل، بل هو إستثناء منقطع، لاستحالة استخراج المساواة التي هي معنىً من العين، فيكون معناه: لكن إنْ جعلتموها سواء فبيعوا أحدهما بالآخر، فيبقى الصدر متناولاً للقليل والكثير. وقولكم: العمل بالحقيقة أولى، مسلّم، ولكن إذا لم يتضمّن بالعمل بها مجازاً آخر وقد تضمّن ههنا، لأنّه لا يمكن حمله على الحقيقة إلّابإضمار الأحوال في صدر الكلام، والإضمار من أبواب المجاز

قلنا: حمل الكلام على الحقيقة واجب، فلا يجوز حمله على المنقطع الذي هو مجاز من غير ضرورة. وقولهم: حمله على الحقيقة يتضمّن مجازاً آخر. قلنا: قد قام الدليل على هذا المجاز وهو الإضمار، فوجب العمل به. فأما

٣٠٩

المجاز الذي ذكرتم فلم يقم عليه دليل، فترجّحت الحقيقة عليه

فثبت أن حمله على المتّصل مع الإضمار أولى من حمله على المنقطع »(١) .

رجوع « إلّا أنّه لا نبي بعدي » إلى الإتصال بوجهين:

إذا عرفت أنّ الأصل في الإستثناء هو الإتصال وهو الحقيقة فيه، وأنّه لا يجوز حمله على الإنقطاع إلّا عند تعذّر الإتصال، فاعلم أنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحديث: « إلّا أنّه لا نبي بعدي» يرجع إلى الإستثناء المتصل بوجهين:

١ - الأصل فيه: إلّا النبوّة لأنّه لا نبيّ بعدي

الأول: أنْ نقول إنّ الأصل في الحديث: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة لأنه لا نبي بعدي » فحذف لفظ « النبوّة » الذي هو المستثنى في الحقيقة وقامت العلّة مقام المعلول كما حذف لفظ « القيمة » في الأمثلة المتقدمة في كلمات الائمة، وأقيم لفظ « ثوباً » أو « شاةً» أو « كراً » مقامه.

والوجه في حذف لفظ « النبوة » هو: إيثار الإيجاز، ولا يخفى حسن الإيجاز على العارف بأساليب الكلام والماهر في علم المعانى:

قال السكّاكي: « والعلم في الإيجاز قوله علت كلمته:( فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) (١) وإصابته المحزّ بفضله على ما كان عند أوجز كلام في هذا المعنى، وذلك قولهم: القتل أنفى للقتل. ومن الإيجاز قوله تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) ذهاباً إلى أنّ المعنى: هدى للضالّين الصائرين إلى التقوى بعد الضلال، لما أنّ

____________________

(١). كشف الاسرار في شرح أصول البزدوي ٣ / ٢٦٢ - ٢٦٥.

٣١٠

الهدى أيْ الهداية إنما تكون للضالّ لا للمهتدي. ووجه حسنه قصد المجاز المستفيض نوعه، وهو وصف الشيء بما يؤول إليه، والتوصّل به إلى تصدير أولى الزهراوين بذكر أولياء الله. وقوله:( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) أظهر من أن يخفى حاله في الوجازة، نظراً إلى ما ناب عنه. وكذا قوله:( وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) .

وانظر إلى الفاء التي تسمى فاء فصيحة في قوله:( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ) ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ ) كيف أفادت: فامتثلتم فتاب عليكم. وفي قوله:( فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ ) مفيدة: فضرب فانفجرت. وتأمّل قوله:( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى ) أليس يفيد فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيى الله الموتى!

وقدّر صاحب الكشّافرحمه‌الله قوله:( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) نظراً إلى الواو في « وقالا »: ولقد آتينا داود وسليمان علماً فعملا به وعلّماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله. ويحتمل عندي: أنه أخبر تعالى عمّا صنع بهما وأخبر عمّا قالا، كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد، تفويضاً استفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع، مثله في قم يدعوك بدل قم فإنه يدعوك. وإنه فن من البلاغة لطيف المسلك.

ومن أمثلة الإختصار: قوله:( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً ) (١) بطيّ أبحت لكم الغنائم لدلالة فاء التسبيب في « فكلوا ». وقوله:( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) (٢) بطيّ إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم فعدّوا عن الإفتخار لدلالة الفاء في فلم. وكذا قوله:( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ) (٣) إذ المعنى: إذا كان ذلك فما هي إلّازجرة واحدة. وكذا قوله:( فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ ) تقديره: إنْ

٣١١

أرادوا وليّاً بحق فالله هو الولي بالحق لا وليّ سواه. وكذا قوله:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) أصله: فإنْ لم يتأتَّ أنْ تخلصوا العبادة لي في أرض فإيّاي في غيرها اعبدوا فاعبدون، أي فاخلصوها في غيرها، فحذف الشرط وعوّض عنه تقديم المفعول، مع إرادة الإختصاص بالتقديم. وقوله:( كَلّا فَاذْهَبا بِآياتِنا ) أي: ارتدعا عن خوف قتلهم، فاذهبا أي: فاذهب أنت وأخوك بدلالة كلّا على المطويّ. وقوله:( إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) أصله: إذ يلقون أقلامهم ينظرون، ليعلموا أيّهم يكفل مريم لدلالة أيّهم على ذاك بوساطة علم النحو. وقوله:( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) المراد: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ما فعل. وكذا قوله:( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ) أصل الكلام: ولنجعله آيةً فعلنا ما فعلنا. وكذا قوله:( لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ) أي لأجل الإدخال في الرحمة كان الكف ومنع التعذيب. وقوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) إذا لم يفسّر الحمل بمنع الأمانة والغدر، وأريد التفسير الثاني وهو تحمل التكليف كان أصل الكلام: وحملها الإنسان ثم خان به منبّهاً عليه بقوله( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) الذي هو توبيخ للإنسان على ما هو عليه من الظلم والجهل في الغالب. وقوله:( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) تتمّته ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذفت لدلالة:( فإن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ) »(١) .

أقول:

فالعجب من التفتازاني الإمام في علمي الأصول والبلاغة كيف يغضي

____________________

(١). مفتاح العلوم: ٢٧٧ - ٢٧٩.

٣١٢

طرفه عن قاعدة وجوب حمل الإستثناء على حقيقته وهو الإتصال، وعدم جواز حمله على المنقطع الذي هو مجاز؟ وعمّا تقرّر لدى علماء الأمصار من إرجاع الإستثناء إلى المتصل ولو بارتكاب الإضمار وصرف الكلام عن ظاهره؟ مع أنّ هذه القاعدة التي مشى عليها كافة العلماء مذكورة في ( المختصر ) و ( شرح العضدي )، وأنّ التفتازاني نفسه شرحها وأوضحها في ( شرحه على شرح العضدي )!! حيث قال ما نصّه:

« قوله: واعلم أنّ الحق إشارة إلى الدليل على كونه مجازاً في المنقطع، وذلك لأنّ المتّصل هو المتبادر إلى الفهم، فلا يكون الإستثناء يعني صيغته مشتركاً لفظاً ولا موضوعاً للقدر المشترك بين المتّصل والمنقطع، إذْ ليس أحد معاني المشترك أو أفراد المتواطي أولى بالظهور والمتبادر عند قطع النظر عن عارض شهرة أو كثرة ملاحظة أو نحو ذلك »(١) .

فالتفتازاني يوافق العضدي في أن الإستثناء حقيقة في المتّصل، وأنّ المتصل مقدم على المنقطع، وأنه يجب حمل الإستثناء على المتّصل ولو بارتكاب الإضمار والصرف عن الظّاهر

مضافاً إلى أنّه يمدح كتاب المختصر وشرح العضدي ويصفهما بالأوصاف الجليلة ففي ( كشف الظنون ): « وشرح العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ أوّله: الحمد لله الذي وفقنا للوصول إلى منتهى اصول الشريعة. الخ. قال: إنّ المختصر يجري من كتب الاُصول مجرى الغرة من الكميه الدرة من الحصى والواسطة من العقد. الخ. وكذلك شرح العلّامة المحقق عضد الدين، يجري من الشروح مجرى العذب الفرات من البحر الاجاج بين عين الحياة، لم ير مثله في زبر الأوّلين، ولم يسمع

____________________

(١). شرح مختصر الاصول ٢ / ١٣٢. الهامش.

٣١٣

بما يوازيه أو يدانيه »(١) .

وأيضاً، فقد نصَّ التفتازاني في ( شرح التنقيح ) على أنّ الإستثناء حقيقة في المتّصل ومجاز في المنقطع وهذه عبارته: « قوله: مسألة المستثنى إنْ كان بعض المستثنى منه فالإستثناء متّصل وإلّا فمنقطع. ولفظ الإستثناء والمستثنى حقيقة عرفية في القسمين على سبيل الإشتراك. وأمّا صيغة الإستثناء فحقيقة في المتّصل ومجاز في المنقطع، لأنها موضوعة للإخراج ولا إخراج في المنقطع، وكلام المصنفرحمه‌الله محمول على أنّ الإستثناء أي الصيغة التي يطلق عليها هذا اللفظ مجاز في المنقطع، فإنّ لفظ الإستثناء يطلق على فعل المتكلّم وعلى المستثنى وعلى نفس الصيغة »(٢) .

فلماذا ينكرون ما يقرّرونه إذا احتجّ به الإماميّة؟!

٢ - إنّ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » محمول على « إلّا النبوّة »

الثانى: أنْ نقول: إنّ « إلّا أنّه لا نبي بعدي » محمول على « إلّا النبوة » بقاعدة الحمل على المعنى، والوجه في كون الجملة بمعنى « إلّا النبوة » أنّه متى كانت النبوة مطلقاً منتفية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنبوّة أمير المؤمنينعليه‌السلام أيضاً بعده منتفية، فيكون « إلّا النبوة » لازم « إلّا أنّه لا نبي بعدي » فكان قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إلّا أنّه لا نبي بعدي » من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللّازم

وأما القاعدة المذكورة فمن القواعد المعروفة المشهورة كذلك:

قال السيوطى: « الحمل على المعنى: قال في الخصائص: إعلم أن هذا

____________________

(١). كشف الظنون ٢ / ١٨٥٣.

(٢). التلويح في كشف حقائق التنقيح، خاتمة الركن الثاني من القسم الأول باب البيان.

٣١٤

الشرح غور من العربية بعيد، ومذهب نازح فسيح، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثوراً ومنظوماً، كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث، وتصوّر معنى الواحد في الجماعة والجماعة في الواحد، وفي حمل الثاني على لفظٍ قد يكون عليه الأول، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعاً وغير ذلك.

فمن تذكير المؤنث قوله تعالى:( فَلمـّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي ) أي هذا الشخص.( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) لأن الموعظة والوعظ واحد.( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أراد بالرحمة هنا المطر.

ومن تأنيث المذكّر قراءة من قرأ: تلتقطه بعض السيارة. وقولهم: ذهبت بعض أصابعه. انّث ذلك لما كان بعض السيارة سيارة في المعنى، وبعض الأصابع إصبعاً

ومن باب الواحد والجماعة قولهم: هو أحسن الصبيان وأجمله. أفرد الضمير لأنَّ هذا موضع يكثر فيه الواحد، كقولك: هو أحسن فتىً في الناس وقال تعالى:( وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ) (٤) فحمل على المعنى. وقال تعالى:( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (٥) فأفرد على لفظ مَن ثم جمع من بعد.

والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدّاً. منه قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ) (٦) ثم قال:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ) (١) قيل فيه: إنه محمول على المعنى، حتى كأنه قال: أرأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك وكذا قوله: علّفتها تبناً وماءً بارداً. أي: وسقيتها ماءً

ومنه باب واسع لطيف ظريف وهو: اتصال الفعل بحرف ليس ممّا يتعدّى به، لأنه في معنى فعلٍ يتعدّى به، كقوله تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى

٣١٥

نِسائِكُمْ ) لما كان في معنى الإفضاء عدّاه بإلى. ومثله قول الفرزدق: قد قتل الله زياداً عني. لأنه في معنى صَرَفه.

وقال الزمخشري: من المحمول على المعنى قولهم: حسبك يَتَمُ الناسُ. ولذا جُزم به كما يجزم بالأمر، لأنه بمعنى اكفف. وقولهم: اتّقى الله امرؤٌ فعل خيراً يُثَب عليه، لأنه بمعنى ليتق الله امرؤٌ وليفعل خيراً.

وقال أبو علي الفارسي في التذكرة: إذا كانوا قد حملوا الكلام في النفي على المعنى دون اللفظ حيث لو حمل على اللفظ لم يؤد إلى اختلالٍ معنىً ولا فساد فيه، وذلك نحو قولهم: شر أهرّ ذا ناب، وشيء جاء بك، وقوله: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي. وقولهم: قلّ أحد إلاّيقول ذاك. وقولهم: نشدتك الله إلّا فعلتَ. وكل هذا محمول على المعنى، ولو حمل على اللفظ لم يؤد إلى فساد والتباس، فأنْ يحمل على المعنى حيث يؤدي إلى الإلتباس يكون واجباً، فمن ثمَّ نفى سيبويه قوله: مررت بزيد وعمرو، إذا مرّ بهما مرورين، ما مررت بزيد ولا بعمرو فنفى على المعنى دون اللّفظ. وكذلك قوله: ضربت زيداً أو عمراً ما ضربت واحداً منهما، لأنه لو قال: ما ضربت زيداً أو عمراً أمكن أنْ يظن أنّ المعنى ما ضربتهما.

ولما كان قوله: ما مررت بزيد وعمرو لو نفي على اللفظ لا يمكن أن يكون مروراً واحداً، فنفاه بتكرير الفعل ليتخلّص من هذا المعنى، كذلك جمع قوله مررت بزيد أو عمرو ما مررت بواحدٍ منهما، ليتخلّص من المعنى الذي ذكرنا »(١) .

قال السّيوطى: « وقال ابن هشام في المغني: قد يعطى الشيء حكم ما أشبهه في معناه أو في لفظه أو فيهما »(٢) .

____________________

(١). الأشباه والنظائر للسيوطي ٢ / ١١٤ - ١١٥.

(٢). الأشباه والنظائر ٢ / ١٨٣.

٣١٦

وقال نجم الأئمة رضي الدين الإسترابادي: « وقد يجري لفظة أبى وما تصرّف منها مجرى النفي. قال تعالى:( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) ( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) والمفرغ لا يجري في الموجب إلّاناراً. فعلى هذا يجوز نحو: أبى القوم أنْ يأتوني إلّازيد. إذ حيث يجوز المفرغ يجوز الإبدال، وتأويل النفي في غير الألفاظ المذكورة نادر كما جاء في الشواذ: فشربوا منه إلّاقليل، أي لم يطيعوه إلّا قليل »(١) .

وقال في:

« اُنيخت فألقت بلدةً فوق بلدة

قليل بها الأصوات إلّا بغامها »

« يجوز في البيت أنْ يكون الإستثناء وما بعدها بدلاً من الأصوات، لأنّ في قليل معنى النفي كما ذكرنا »(٢) .

لا يصح الإستثناء المنقطع في الحديث لعدم شرطه

وبعد ملاحظة هذه التصريحات وأمثالها، لا يستبعد العاقل الفاضل جواز حمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » على « إلاّ النبوة » لأن تلك العبارات صريحة في أنّ الحمل على المعنى من الأساليب اللطيفة الشائعة في كلام العرب.

وبغض النّظر عن ذلك، فإنّه لا يخفى على مهرة كلام العرب وحذاق فنون العربية عدم جواز الإستثناء المنقطع في هذا المقام أصلاً إذ بناءً عليه يكون « إلّا أنّه لا نبي بعدي » بمعنى « إلّا عدم النبوة » فيكون تقدير الحديث « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّاعدم النبوة » ومن المعلوم أنْ لا مخالفة لعدم النبوة

____________________

(١). شرح الكافية في النحو ١ / ٢٣٢.

(٢). شرح الكافية في النحو ١ / ٢٤٧.

٣١٧

مع الحكم السابق أصلاً، فلا يكون الإستثناء منقطعاً حينئذٍ، لما تقرّر عند أئمة العربية والاصول من اشتراط وجود مخالفةٍ بوجهٍ من الوجوه في صحّة الإستثناء المنقطع ...:

قال ابن الحاجب: « ولا بدّ لصحته من مخالفة في نفي الحكم أو المستثنى حكم آخر له مخالفة بوجه ».

وقال العضد الإيجي: « واعلم أنّه لا بدّ لصحة الإستثناء المنقطع من مخالفةٍ بوجهٍ من الوجوه، وقد يكون بأنْ ينفى من المستثنى الحكم الذي يثبت للمستثنى منه نحو جاءني القوم إلّاحماراً، فقد نفينا المجيء عن الحمار بعد ما أثبتناه للقوم، وقد يكون بأنْ يكون المستثنى نفسه حكماً آخر مخالفاً للمستثنى منه بوجه، مثل: ما زاد إلّا ما نقص، فإن النقصان حكم مخالف للزيادة. وكذا: ما نفع إلّاما ضرّ. ولا يقال: ما جاءني زيد إلّا أنَّ الجوهر الفرد حق. إذ لا مخالفة بينهما بأحد الوجهين. وبالجملة: فإنه مقدر بـ « لكن » فكما تجب فيه مخالفة إمّا تحقيقاً مثل: ما ضربني زيد لكن ضربني عمرو، وإمّا تقديراً مثل: ما ضربني لكن أكرمني، فكذا هنا »(١) .

إذن، يكون حال: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا عدم النبوة » حال: « ما جاءني زيد إلّا أن الجوهر الفرد حق » في عدم الصحة، لعدم مخالفة بوجه من الوجوه بين « عدم النبوة » وبين « ثبوت منزلة هارون لأمير المؤمنينعليهما‌السلام » على تقدير عدم عموم المنزلة

فثبت أنّ حمل « إنّه لا نبي بعدي » في الكلام النبوي على عدم النبوّة، واستثنائه من « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » يخرجه عن الرزانة والمتانة، والعياذ بالله من ذلك

____________________

(١). شرح المختصر للعضدي ٢/١٣٢.

٣١٨

فالعجب من التفتازاني دعواه الإنقطاع في الإستثناء في الحديث الشريف، مع وقوفه على ما ذكره العضدي في اعتبار الشرط المذكور في الإنقطاع، وموافقته له في شرحه لكلماته، كما كان منه في مسألة لزوم حمل الإستثناء على الإتصال ولو بالتزام الحذف، حيث وافق العضدي في هذه المسألة، ثم خالف ذلك في شرح المقاصد، في معنى الحديث الشريف!!

وإذا كان هذا حال التفتازاني - وهو من أعلام محققي القوم في العربية والأصول - فما ظنّك بمثل الكابلي و ( الدهلوى )؟!

ولا يخفى أنّ القطب الشيرازي أيضاً ينصّ على اعتبار الشرط المذكور في الإستثناء المنقطع، ويصرّح بأنّ عليه اتّفاق الكلّ، وهذه عبارته:

« وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلّ اتفقوا على أنّه لابد لصحته [ أي لصحّة الإستثناء المنقطع ] من مقاربة المتّصل في مخالفته، إمّا في نفي الحكم مثل: ما جاءني زيد إلّاعمرو، أو في كون المستثنى حكماً آخر له مخالفة بوجهٍ مّا مع المستثنى منه مثل: ما زاد إلّاما نقص، وما نفع إلّاما ضرّ، مثله في « لكن » لأنها لا تقدَّر بها. وإلى هذا الإتفاق استروح من ذهب إلى أنه مجاز في المنقطع وقال: لو لم يكن مجازاً فيه لم يشترط مقاربته للحقيقة »(١) .

وإلى هنا ظهر: أنّ حمل الإستثناء « إلّا أنّه لا نبي بعدي » على الإستثناء المنقطع، وزعم أن المراد منه استثناء « عدم النبوة » لا استثناء النبوّة مخالف للإجماع واتفاق العلماء فما ذكره التفتازاني والقوشجي والكابلي و ( الدهلوي ) باطل مردود

____________________

(١). شرح مختصر ابن الحاجب - مسائل الإستثناء.

٣١٩

الحديث بلفظ « إلّا النبوّة »

فالحمد لله الذي وفّقنا لبيان بطلان دعواهم على أساس القواعد المقرّرة في الكتب العلميّة، وعلى لسان كبار أئمتهم في الاُصول وعلوم العربيّة وظهر أن الإستثناء في الحديث الشريف متّصل، وأنّه لا بدّ من أن يكون متّصلاً، وأنّه لا يصحّ حمله على الإنقطاع، لوجوب حمل الإستثناء دائماً على الإتصال ما أمكن، ولعدم وجود شرط الإستثناء المنقطع في هذا الحديث

فإن كان هناك ريب ممّا ذكرنا في قلوب أهل الزّيغ، فإنّا نثبت اتصال هذا الإستثناء من كلام الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه ليتّضح أنّ حمل « إلّا أنّه لا نبي بعدي » على « عدم النبوة » دون « إلّا النبوة » ردّ صريح على من لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلّاوحي يوحى!! فإليك ذلك:

قال ابن كثير: « قال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا سليمان بن بلال، ثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها: أن عليّاً خرج إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى جاء ثنيّة الوداع وعلي يبكي يقول: تخلّفني مع الخوالف؟! فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة.

إسناده صحيح ولم يخرجوه »(١) .

وقال سبط ابن الجوزي: « وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في كتاب الفضائل الذي صنّفه لأمير المؤمنين:

أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود البزار، قال: أنبأ أبو الفضل محمد ابن ناصر السّلمي، أنبأ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، أنبأ أبو

____________________

(١). البداية والنهاية ٧ / ٣٤١.

٣٢٠