تحف العقول

تحف العقول0%

تحف العقول مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 520

تحف العقول

مؤلف: ابن شعبة الحراني
تصنيف:

الصفحات: 520
المشاهدات: 44901
تحميل: 5281

توضيحات:

تحف العقول
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 520 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 44901 / تحميل: 5281
الحجم الحجم الحجم
تحف العقول

تحف العقول

مؤلف:
العربية

تحف العقول

ابن شعبة الحراني

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الحمد له من غير حاجة منه إلى حمد حامديه طريقا من طرق الاعتراف بلا هوتيته وصمدانيته وربانيته وسببا إلى المزيد من رحمته ومحجة للطالب من فضله(١) ومكن في إبطان اللفظ حقيقة الاعتراف لبر إنعامه(٢) فكان من إنعامه الحمد له على إنعامه، فناب الاعتراف له بأنه المنعم عن كل حمد باللفظ وإن عظم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة بزغت عن إخلاص الطوي(٣) ونطق اللسان بها عبارة عن صدق خفي، إنه الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى، ليس كمثله شئ، إذ كان الشئ من مشيئته وكان لا يشبهه مكونه.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، استخلصه في القدم على سائر الامم، على علم منه بانفراده عن التشاكل والتماثل من ابناء الجنس، وانتجبه آمرا وناهيا عنه(٤) ، أقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه، إذ لا تدركه الابصار ولا تحويه خواطر الافكار، ولا تمثله غوامض الظنن(٥) في الاسرار، لا إله إلا هو الملك الجبار،

____________________

(١) المحجة: جادة الطريق.

(٢) في بعض النسخ [ الاعتراف له بانعامه ].

(٣) البزوغ: الطلوع، بزغت الشمس: طلعت.

والطوى: الاضمار والاستتار.

(٤) انتجبه: اختاره واصطفاه.

(٥) كذا.

٣

وقرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته واختصه من تكرمته(١) بما لم يلحقه فيه أحد من بريته وهو أهل ذلك بخاصته وخلته(٢) إذ لا يختص من يشوبه التغيير ولا من يلحقه التنظير، وأمر بالصلاة عليه مزيدا في تكرمته وتطريقا لعترته(٣) ، فصلى الله عليه وعلى آله وكرم وشرف وعظم مزيدا لا يلحقه التنفيد ولا ينقطع على التأبيد، وإن الله تبارك وتعالى اختص لنفسه بعد نبيه خاصة علاهم بتعليته وسما بهم إلى رتبته وجعلهم(٤) إليه والادلاء بالارشاد عليه، أئمة معصومين فاضلين كاملين وجعلهم الحجج على الورى ودعاة إليه، شفعاء بإذنه، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يحكمون بأحكامه ويستنون بسنته ويقيمون حدوده ويؤدون فروضه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، صلوات الله والملائكة الابرار على محمد وآله الاخيار.

وبعد فإني لما تأملت ما وصل إلي من علوم نبينا ووصيه والائمة من ولدهما صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، وأدمت النظر فيه والتدبر له علمت أنه قليل مما خرج عنهم، يسير في جنب ما لم يخرج، فوجدته مشتملا على أمر الدين والدنيا وجامعا لصلاح العاجل والآجل، لا يوجد الحق إلا معهم ولا يؤخذ الصواب إلا عنهم ولا يلتمس الصدق إلا منهم.

ورأيت من تقدم من علماء الشيعة قد ألفوا عنهم في الحلال والحرام والفرائض والسنن ما قد كتب الله لهم ثوابه و أغنوا من بعدهم عن مؤونة التأليف وحملوا عنهم ثقل التصنيف ووقفت مما انتهى إلي

____________________

(١) من كرم اى عظم والتكريم: التعظيم.

(٢) - بفتح الخاء - أى بخصوصيته وخصلته أو بضم الخاء بمعنى الصداقة والاول أظهر.

وفى بعض النسخ [ لا يخص ].

(٣) طرق له اى جعل له طريقا.

(٤) فيه سقط والادلاء جمع دليل أو الدال وهو المرشد إلى المطلوب وفى الزيارة الجامعة الكبيرة في وصف الائمةعليهم‌السلام : السلام على الدعاة إلى الله والادلاء على مرضات الله اذهم يدلون الناس على المعارف الالهية والاحكام الشرعية.

ولعل الساقط ندباء

٤

من علوم السادةعليهم‌السلام على حكم بالغة ومواعظ شافية وترغيب فيما يبقى، وتزهيد فيما يفنى، ووعد ووعيد، وحض على مكارم الاخلاق والافعال ونهي عن مساويهما، وندب إلى الورع وحث على الزهد.

ووجدت بعضهمعليهم‌السلام قد ذكروا جملا من ذلك فيما طال من وصاياهم وخطبهم ورسائلهم وعهودهم، وروي عنهم في مثل هذه المعاني ألفاظ قصرت وانفردت معانيها وكثرت فائدتها ولم ينته إلي لبعض علماء الشيعة في هذه المعاني تأليف أقف عنده ولا كتاب أعتمد عليه وأستغني به يأتي على ما في نفسي منه.

فجمعت ما كانت هذه سبيله وأضفت إليه ما جانسه وضاهاه وشاكله وساواه من خبر غريب أو معنى حسن متوخيا(١) بذلك وجه الله - جل ثناؤه - وطالبا ثوابه وحاملا لنفسي عليه ومؤدبا لها به(٢) وحملها منه على ما فيه نجاتها شوق الثواب وخوف العقاب، ومنبها لي وقت الغفلة ومذكرا حين النسيان ولعله أن ينظر فيه مؤمن مخلص فما علمه منه كان له درسا وما لم يعلمه استفاده فيشركني في ثواب من علمه وعمل به، لما فيه من أصول الدين وفروعه وجوامع الحق وفصوله وجملة السنة وآدابها وتوقيف الائمة وحكمها والفوائد البارعة والاخبار الرائقة(٣) وأتيت على ترتيب مقامات الحججعليهم‌السلام وأتبعتها بأربع وصايا شاكلت الكتاب ووافقت معناه.

وأسقطت الاسانيد تخفيفا وإيجازا وإن كان أكثره لي سماعا ولان أكثره آداب وحكم تشهد لانفسها ولم أجمع ذلك للمنكر المخالف بل ألفته للمسلم للائمة، العارف بحقهم، الراضي بقولهم، الراد إليهم.

وهذه المعاني أكثر من أن يحيط بها حصر وأوسع من أن يقع عليها حظر وفيما ذكرناه مقنع لمن كان له قلب، وكاف لمن كان له لب.

____________________

(١) في بعض النسخ [ متوجها ].

(٢) أى كنت مؤدبا لنفسى بسبب تلكم المواعظ.

(٣) البارعة مونث البارع من برع أى فاق علما أو جمالا أو فضيلة أو غير ذلك من الاوصاف.

والرائق من الروق: الفضل من الشئ.

٥

فتأملوا معاشر شيعة المؤمنين ما قالته أئمتكمعليهم‌السلام وندبوا إليه وحضوا عليه.

وانظروا إليه بعيون قلوبكم، واسمعوه بآذانها، وعوه بما وهبه الله لكم واحتج به عليكم من العقول السليمة والافهام الصحيحة ولا تكونوا كأنداكم(١) الذين يسمعون الحجج اللازمة والحكم البالغة صفحا وينظرون فيها تصفحا(٢) ويستجيدونها قولا ويعجبون بها لفظا، فهم بالموعظة لا ينتفعون ولا فيما رغبوا يرغبون ولا عما حذروا ينزجرون، فالحجة لهم لازمة والحسرة عليهم دائمة.

بل خذوا ما ورد إليكم عمن فرض الله طاعته عليكم وتلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع والطاعة والانتهاء إليه والعمل به، وكونوا من التقصير مشفقين وبالعجز مقرين.

واجتهدوا في طلب ما لم تعلموا، واعملوا بما تعلمون ليوافق قولكم فعلكم، فبعلومهم النجاة وبها الحياة، فقد أقام الله بهم الحجة وأقام(٣) بمكانهم المحجة وقطع بموضعهم العذر، فلم يدعوا لله طريقا إلى طاعته ولا سببا إلى مرضاته ولا سبيلا إلى جنته إلا وقد أمروا به وندبوا إليه ودلوا عليه وذكروه وعرفوه ظاهرا وباطنا وتعريضا وتصريحا، ولا تركوا ما يقود إلى معصية الله ويدني من سخطه ويقرب من عذابه إلا وقد حذروا منه ونهوا عنه وأشاروا إليه وخوفوا منه لئلا يكون للناس على الله حجة، فالسعيد من وفقه الله لاتبعاعهم والاخذ عنهم والقبول منهم والشقي من خالفهم واتخذ من دونهم وليجة(٤) وترك أمرهم رغبة عنه إذ كانوا العروة الوثقى وحبل الله الذي أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالاعتصام والتمسك به، وسفينة النجاة وولاة الامر، الذين فرض الله طاعتهم فقال:( أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْکُمْ ) (٥) والصادقين الذين

____________________

(١) النديد من الند وهو الضد والنظير - والمراد به ههنا الاول.

(٢) في بعض النسخ [ صفحا ].

(٣) كذا والظاهر: أنار.

(٤) الوليجة: البطانة.

(٥) النساء - ٥٨.

٦

أمرنا بالكون معهم، فقال:( اتَّقُوا اللَّهَ وَ کُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‌ ) (١)

واجتهدوا في العمل بما أمروا به صغيرا كان أو كبيرا واحذروا ما حذروا قليلا كان أو كثيرا، فإنه من عمل بصغار الطاعات ارتقى إلى كبارها، ومن لم يجتنب قليل الذنوب ارتكب كثيرها.

وقد روي: اتقوا المحقرات من الذنوب وهي قول العبد: ليت لا يكون لي غير هذا الذنب(٢) .

وروي: لا تنظر إلى الذنب وصغره ولكن انظر من تعصي به، فإنه الله العلي العظيم

فإن الله إذا علم من عبده صحة نيته وخلوص طويته في طاعته ومحبته لمرضاته وكراهته لسخطه وفقه وأعانه وفتح له مسامع قلبه وكان كل يوم في مزيد فإن الاعمال بالنيات.

وفقنا الله وإياكم لصالح الاعمال وسددنا في المقال، وأعاننا على أمر الدنيا والدين وجعلنا الله وإياكم من الذين إذا اعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا وإذا أساؤوا استغفروا، وجعل ما وهبه لنا من الايمان والتوحيد له والائتمام بالائمة مستقرا غير مستودع(٣) إنه جواد كريم.

____________________

(١) التوبة - ١٢٠ وفى الكافى ج ١ ص ٢٠٨ عن البزنطى عن أبى الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال: هم الائمة والصديقون بطاعتهم.

وقال صاحب الوافى: لعل المراد أن الصادقين صنفان صنف منهم الائمة المعصومونعليهم‌السلام والاخر المصدقون بأن طاعتهم مفترضة من الله تعالى.

(٢) في الكافى باب استصغار الذنب ج ٢ ص ٢٨٧ عن زيد الشحام قال: قال أبوعبداللهعليه‌السلام : اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر.

قلت: وما المحقرات؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لى لم يكن لى غير ذلك.

ويأتى أيضا في باب مواعض أبى محمد العسكرىعليه‌السلام من هذا الكتاب قولهعليه‌السلام : من الذنوب التى لا تغفر: ليتنى لا أؤاخذ الا بهذا

(٣) أى ايمانا مستقرا غير مستودع.

٧

* (ما روى عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وآله في طوال هذه المعانى)*

* (وصيته لامير المؤمنين عليه‌السلام ) *

يا علي إن من اليقين أن لا ترضي أحدا بسخط الله ولا تحمد أحدا بما آتاك الله ولا تذم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يجره حرص حريص ولا تصرفه كراهة كاره، إن الله بحكمه وفضله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.

يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل(١) ولا وحدة أوحش من العجب ولا مظاهرة أحسن من المشاورة(٢) ولا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق(٣) ولا عبادة كالتفكر.

يا علي آفة الحديث الكذب. وآفة العلم النسيان. وآفة العبادة الفترة(٤) وآفة السماحة المن.(٥) وآفة الشجاعة البغي وآفة الجمال الخيلاء. وآفة الحسب الفخر(٦) .

يا علي عليك بالصدق ولا تخرج من فيك كذبة أبدا ولا تجترئن على خيانة أبدا، والخوف من الله كأتك تراه.

وابذل مالك ونفسك دون دينك وعليك بمحاسن الاخلاق فاركبها وعليك بمساوي الاخلاق فاجتنبها.

____________________

(*) رواها البرقى في كتاب الاشكال والقرائن من المحاسن ص ١٧ مسندا عن أبى عبدالله عن آبائه عن النبى صلى الله عليه وعليهم اجمعين وفيه [ وإن اليقين ].

وأعلم أن جميع ما روى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الكتاب كانت موجودة في كتب الفريقين، رووها بأسانيدهم المعنعنة عن مشيخة العلم والحديث ولذلك لم نتعرض لتخريجها من كتب الاصحاب لقلة ثمرها وعدم الحاجة إليها وإنما تعرضنا لبعضها لاجل اختلافها وهذا دأبنا في جميع الكتاب.

(١) الاعود: الانفع.

(٢) المظاهرة: المعاونة وفى المحاسن [ أوثق من المشاورة ].

(٣) زاد في المحاسن [ ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق ].

(٤) الفترة: الانكسار والضعف وأيضا الهدنة.

وزاد في المحاسن [ وآفة الحسب الفخر ].

(٥) زاد في المحاسن [ وآفة الظرف الصلف ].

والسماحة: الجود.

(٦) زاد في المحاسن [ يا على انك لا تزال بخير ما حفظت وصيتى انت مع الحق والحق معك اه‍ ].

٨

يا علي أحب العمل إلى الله ثلاث خصال: من أتي الله بما افترض عليه فهو من أعبد الناس. ومن ورع عن محارم الله فهو من أورع الناس. ومن قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس.

يا علي ثلاث من مكارم الاخلاق: تصل من قطعك. وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.

يا علي ثلاث منجيات: تكف لسانك. وتبكي على خطيئتك. ويسعك بيتك(١) .

يا علي سيد الاعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس من نفسك. ومساواة الاخ في الله. وذكر الله على كل حال.

يا علي ثلاثة من حلل الله(٢) : رجل زار أخاه المؤمن في الله فهو زور الله وحق على الله أن يكرم زوره(٣) ويعطيه ما سأل. ورجل صلى ثم عقب إلى الصلاة الاخرى فهو ضيف الله وحق على الله أن يكرم ضيفه. والحاج والمعتمر فهما وفدا الله وحق على الله أن يكرم وفده.

يا علي ثلاث ثوابهن في الدنيا والآخرة: الحج ينفي الفقر. والصدقة تدفع البلية وصلة الرحم تزيد في العمر.

يا علي ثلاث من لم يكن فيه لم يقم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل. وعلم يرد به جهل السفيه. وعقل يداري به الناس.

يا علي ثلاثة تحت ظل العرش يوم القيامة: رجل أحب لاخيه ما أحب لنفسه. ورجل بلغه أمر فلم يتقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أن ذلك الامر لله رضى

____________________

(١) كذا.

(٢) الحلل جمع الحلة - بالضم، كقلل وقلة - وهى الثوب الساتر لجميع البدن.

وفى بعض النسخ [ من خلل الله ].

(٣) زوره: اى زائره وقاصده.

٩

أو سخط.

ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه كلما أصلح من نفسه عيبا بدا له منها آخر، وكفى بالمرء في نفسه شغلا.

يا علي ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس. وطيب الكلام. والصبر على الاذى.

يا علي في التوراة أربع إلى جنبهن أربع: من أصبح على الدنيا حريصا أصبح وهو على الله ساخط. ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يكشو ربه. ومن أتى غنيا فتضعضع له(١) ذهب ثلثا دينه. ومن دخل النار من هذه الامة فهو ممن اتخذ آيات الله هزوا ولعبا. أربع إلى جنبهن أربع: من ملك ستأثر(٢) . ومن لم يستشر يندم. كما تدين تدان.

والفقر الموت الاكبر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: الفقر من الدين.

يا علي كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث أعين: عين سهرت في سبيل الله(٣) .

وعين غضت عن محارم الله.

وعين فاضت من خشية الله(٤) .

يا علي طوبى لصورة نظر الله إليها تبكي على ذنب لم يطلع على ذلك الذنب أحد غير الله.

يا علي ثلاث موبقات وثلاث منجيات فأما الموبقات: فهو متبع.

وشح مطاع(٥) .

وإعجاب المرء بنفسه.

وأما المنجيات فالعدل في الرضا والغضب.

والقصد

____________________

(١) تضعضع له: اى ذل وخضع له.

وإنما ذلك إذا كان خضوعه لغناه.

(٢) كذا وسقطت لفظة يا على من صدر الكلام.

والاستيثار: الاستبداد، يقال استأثر بالشئ: استبد به وخص به نفسه.

(٣) سهر كفرح اى بات ولم ينم ليلا.

أى تركت النوم قدرا معتدا به زيادة عن العادة في طاعة الله كالصلاة وتلاوة القرآن والدعاء ومطالعة العلوم الدينية أو في طريق الجهاد والحج والزيارات وكل طاعة لله سبحانه.

(٤) المحارم جمع محرم على بناء المصدر الميمى أى ما حرم الله النظر إليه.

وعين فاضت اى سال دمعها بكثرة.

(٥) الشح: البخل والحرص.

١٠

في الغنى والفقر، وخوف الله في السر والعلانية كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

يا علي ثلاث يحسن فيهن الكذب(١) : المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين الناس.

يا علي ثلاث يقبح فيهن الصدق: النميمة، وإخبارك الرجل عن أهله بما يكره.

وتكذيبك الرجل عن الخير.

يا علي أربع يذهبن ضلالا(٢) : الاكل بعد الشبع.

والسراج في القمر.

والزرع في الارض السبخة(٣) .

والصنيعة عند غير أهلها(٤) .

يا علي أربع أسرع شئ عقوبة: رجل أحسنت إليه فكافأك بالاحسان إساء‌ة.

ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك ورجل عاقدته على أمر فمن أمرك الوفاء له ومن أمره الغدر بك.

ورجل تصله رحمه ويقطعها.

يا علي أربع من يكن فيه كمل إسلامه: الصدق.

والشكر.

والحياء وحسن الخلق.

يا علي قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر وكثرة الحوائج إلى الناس مذلة وهو الفقر الحاضر.

____________________

(١) لا يخفى أن الكذب حرام وارتكابه من المعاصى كسائر المحرمات ولا فرق في ذلك بينه وبين سائر المحرمات ولكن إذ دار الامر بينه وبين الاهم فليقدم الاهم حينئذ لان العقل مستقل بوجوب ارتكاب أقل القبيحين عند التزاحم كما إذا ال الامر بانقاذ غريق إلى ارتكاب معصية مثلا أو تزاحم الامر بينه وبين واجب أخر فليقدم الاهم منهما وقد دلت الادلة الاربعة - الكتاب والسنة والاجماع والعقل - عليها وهذا الكلام وما بعده من تلك الموارد.

(٢) في بعض نسخ الحديث [ ضياعا ] والمراد منهما الاتلاف والاهمال.

(٣) السبخة: أرض ذات ملح.

يعلوها الملوحة ولا يكاد ينبت فيها نبات.

(٤) الصنيعة: الاحسان.

١١

* (وصية اخرى إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام مختصرة) *

يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات: الصيام. والصلاة. والزكاة.

وإن للمتكلف من الرجال(١) ثلاث علامات: يتملق إذا شهد. ويغتاب إذا غاب. ويشمت بالمصيبة.

وللظالم ثلاث علامات: يقهر من دونه بالغلبة. ومن فوقه بالمعصية. ويظاهر الظلمة(٢) .

للمرائي ثلاث علامات: ينشط إذا كان عند الناس(٣) . ويكسل إذا كان وحده. ويحب أن يحمد في جميع الامور.

وللمنافق ثلاث علامات: إن حدث كذب. وإن ائتمن خان وإن وعد أخلف.

وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط.(٤) ويفرط حتى يضيع. ويضيع حتى يأثم.

وليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش(٥) . أو خطوة لمعاد. أو لذة في غير محرم.

يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل. ولا مال أعود من العقل. ولا وحدة أوحش من العجب. ولا عمل كالتدبير. ولا ورع كالكف.

ولا حسب كحسن الخلق، إن الكذب آفة الحديث، وآفة العلم النسيان، وآفة السماحة المن(٦) .

يا علي إذا رأيت الهلال فكبر ثلاثا وقل: الحمد لله الذي خلقني وخلقك

____________________

(١) المتكلف: المتصنع والمتدلس والذى هو لا يتصف بما يترائى به في نفس الامر.

(٢) أى يعاونهم.

والظلمة: جمع ظالم.

(٣) المرائى أصله من الرياء اى المتظاهر بخلاف ما هو عليه.

ونشط كسمع نشاطا - بالفتح - طابت نفسه للعمل وغيره.

والكسل - محركة - التثاقل عن الشئ والفتور.

وقد يكون النشاط قبل العمل وباعثا له وتارة يكون بعده وسببا لتطويله وتجويده.

(٤) التفريط: التقصير والتضييع، كما أن الافراط تجاوز الحد من جانب الزيادة

(٥) شاخصا أى ذاهبا. والمرمة مصدر من رم الشى يرمه اى أصلحه

(٦) قد مضى آنفا مع اختلاف يسير.

١٢

وقدرك منازل وجعلك آية للعالمين(١) .

يا علي إذا نظرت في مرآة فكبر ثلاثا وقل: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.

يا علي إذا هالك أمر فقل: اللهم بحق محمد وآل محمد إلا فرجت عني.

قال عليعليه‌السلام : قلت: يا رسول الله فتلقى آدم من ربه كلمات ما هذه الكلمات؟ قال: يا علي إن الله أهبط آدم بالهند وأهبط حواء بجدة والحية بإصبهان وإبليس بميسان(٢) ولم يكن في الجنة شئ أحسن من الحية والطاووس وكان للحية قوائم كقوائم البعير، فدخل إبليس جوفها فغر آدم وخدعه فغضب الله على الحية وألقى عنها قوائمها وقال: جعلت رزقك التراب، وجعلتك تمشين على بطنك لا رحم الله من رحمك، وغضب على الطاووس، لانه كان دل إبليس على الشجرة، فمسخ منه صوته ورجليه، فمكث آدم بالهند مائة سنة، لا يرفع رأسه إلى السماء واضعا يده على رأسه يبكي على خطيئته، فبعث الله إليه جبرئيل فقال: يا آدم الرب عزوجل يقرئك السلام ويقول: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم ازوجك حواء أمتي؟ ألم أسكنك جنتي؟ فما هذه البكاء يا آدم؟ [ ت‍ ] تكلم بهذه الكلمات، فإن الله قابل توبتك قل: سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوء‌ا وظلمت نفسي، فتب على إنك أنت التواب الرحيم.

____________________

(١) الهلال: غرة القمر او لليلتين أو إلى ثلاث او إلى سبع قال شيخنا البهائى - قدس سره - يمتد وقت قراء‌ة الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا والاولى عدم تأخيره عن الليلة الاولى عملا بالمتيقن المنفق عليه لغة وعرفا فان لم يتيسر فعن الليلة الثانية لقول اكثر اهل اللغة بالامتداد إليها فان فاتك فعن الثالثة لقول كثير منهم بانها آخر لياليه.

(٢) ميسان: كورة معروفة بين البصرة وواسط والنسبة ميسانى - كما في القاموس.

ولعل ذكر هذه المواضع كناية عن بعد المسافة بينها.

١٣

يا علي إذا رأيت حية في رحلك فلا تقتلها حتى تخرج عليها ثلاثا، فإن رأيتها الرابعة فاقتلها فإنها كافرة.

يا علي إذا رأيت حية في طريق فاقتلها، فإني قد اشترطت على الجن [ أ ] لا يظهروا في صورة الحيات(١) .

يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين.

وقساوة القلب.

وبعد الامل.

وحب الدنيا من الشقاء.

يا علي إذا اثنى عليك في وجهك فقل: اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.

يا علي إذا جامعت فقل: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن قضى أن يكون بينكما ولد لم يضره الشيطان أبدا.

يا علي إبدأ بالملح واختم به فإن الملح شفاء من سبعين داء، أذلها الجنون والجذام والبرص(٢) .

يا علي ادهن بالزيت، فإن من ادهن بالزيت لم يقربه الشيطان أربعين ليلة(٣) .

يا علي لا تجامع أهلك ليلة النصف ولا ليلة الهلال، أما رأيت المجنون يصرع في ليلة الهلال وليلة النصف كثيرا(٤) .

____________________

(١) كما يمكن حمل هذا الحديث والذى قبله على أنواع الحية وأقسامها، كذلك يمكن حملهما على حالاتها المختلفة ولعل البيان في الحديث إشارة اليه والى أن خباثتها مستندة إلى ذاتها الخبيثة.

(٢) الامر ارشادى وإنما كان منشا اكثر الامراض من جهة الطعام وهضمه في المعدة والملح قبل الطعام وبعده يؤثر في المعدة خشونة موجبة لهضم الطعام بسهولة فهو تأثير طبيعى موجب لحفظ البدن من الامراض الكثيرة.

(٣) أما لاجل التنظيف او لخواصه الطبيعية أو لغير ذلك من الامور التى خفيت علينا وعلمها عند الله سبحانه.

(٤) لما كان القمر يؤثر في الكرة الارضية تأثيرا طبيعيا موجبا لبروز آثار في مواد الارض فيمكن أن يؤثر في المزاج أيضا على نحو يظهر آثاره في الاولاد والاعقاب.

١٤

يا علي إذا ولد لك غلام أو جارية فأذن في اذنه اليمنى وأقم في اليسرى فإنه لا يضره الشيطان أبدا(١) .

يا علي ألا انبئك بشر الناس؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من لا يغفر الذنب ولا يقيل العثرة.

ألا انبئك بشر من ذلك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من لا يؤمن شره، ولا يرجى خيره.

* (وصية له اخرى إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ) *

يا علي إياك ودخول الحمام بغير مئزر(٢) فإن من دخل الحمام بغير مئزر ملعون الناظر والمنظور إليه.

يا علي لا تتختم في السبابة والوسطى، فإنه كان يتختم قوم لوط فيهما ولا تعر الخنصر(٣) .

يا علي إن الله يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

يقول: يا ملائكتي عبدي هذا قد علم أنه لا يغفر الذنوب غيري: اشهدوا أني قد غفرت له.

____________________

(١) وقد وردت به السنة ويتأكد به كما فعل النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسنينعليهما‌السلام حين ولادتهما.

(٢) المئزر: إزار يلتحف به، الجمع مآزر.

(٣) نهيهصلى‌الله‌عليه‌وآله لاجل التشبه وهذا العنوان أحد موجبات الرحمة في الاسلام فكل عمل كان مثل ذلك فهو حرام مادام هذه العنوان صادقا عليه واذا لم يصدق عليه لم يكن من هذه الجهة كما سئل عن علىعليه‌السلام عن قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود فقالعليه‌السلام : انما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك والدين قل فالان قد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار.

والخنصر: الاصبع الصغرى.

١٥

يا علي إياك والكذب فإن الكذب يسود الوجه، ثم يكتب عند الله كذابا وإن الصدق يبيض الوجه ويكتب عند الله صادقا، واعلم أن الصدق مبارك والكذب مشؤوم.

يا علي احذر الغيبة والنميمة، فإن الغيبة تفطر والنميمة توجب عذاب القبر.

يا علي لا تحلف بالله كاذبا ولا صادقا من غير ضرورة ولا تجعل عرضة ليمينك(١) ، فإن الله لا يرحم ولا يرعى من حلف باسمه كاذبا.

يا علي لا تهتم لرزق غد، فإن كل غد يأتي رزقه.

يا علي إياك واللجاجة، فإن أولها جهل وآخرها ندامة.

يا علي عليك بالسواك، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب ومجلاة للعين، والخلال يحببك إلى الملائكة، فإن الملائكة تتأذى بريح فم من لا يتخلل بعد الطعام.

يا علي لا تغضب، فإذا غضبت فاقعد وتفكر في قدرة الرب على العباد وحلمه عنهم، وإذا قيل لك: اتق الله فانبذ غضبك وراجع حلمك.

يا علي احتسب بما تنفق على نفسك تجده عند الله مذخورا.

يا علي احسن خلقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتصاحب من الناس تكتب عند الله في الدرجات العلى.

يا علي ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك وما أحببته لنفسك فأحببه لاخيك، تكن عادلا في حكمك، مقسطا في عدلك، محبا(٢) في أهل السماء، مودودا في صدور أهل الارض(٣) ، احفظ وصيتي إن شاء الله تعالى.

____________________

(١) العرضة: فعلة بمعنى المفعول كالقبضة يطلق لما يعرض دون الشئ.

(٢) في بعض النسخ [ محببا ].

(٣) مودودا أى محبوبا.

١٦

* (ومن حكمه صلى‌الله‌عليه‌وآله وكلامه) *

في جمله خبر طويل ومسائل كثيرة سأله عنها راهب يعرف بشمعون بن لاوي ابن يهودا من حواري عيسىعليه‌السلام فأجابه عن جميع ما سأل عنه على كثرته فآمن به وصدقه، وكتبنا منه موضع الحاجة إليه.

ومنه قال: أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو وما يتشعب منه وما لا يتشعب وصف لي طوائفه كلها؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فعن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدء وبك اعيد، لك الثواب وعليك العقاب(١) ، فتشعب من العقل الحلم ومن الحلم العلم ومن العلم الرشد ومن الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة ومن الصيانة الحياء ومن الحياء الرزانة ومن الرزانة المداومة على الخير ومن المداومة على الخير كراهية الشر ومن كراهية الشر

____________________

(١) يعنى بك خلقت الخلق وأبدأتهم وبك أعيدهم للجزاء، إذ لولا العقل لم يحسن التكليف ولولا التكليف لم يكن للخلق فائدة ولا للثواب والعقاب منفعة ولا فيهما حكمة - قاله المجلسىرحمه‌الله في البحار - وأقول: أن للانسان حقيقة موجودة فيه وبها يختار أحد الضدين من الفعل والترك بمعنى أنه إذا اختار فعلا وأقبل عليه يمكنه أن يختار تركه وأدبر عنه وبهذا فالانسان قادر بارادته واختياره أحد طرفى الفعل بخلاف غيره من ذوى الارواح فان اختيار أحد الطرفين غير موجود فيهم بارادتهم بل كان فطريا وجبليا فيهم، لا يتغير ولا يتبدل كالملائكة في أفعالهم، وعلى هذا فالاقبال والادبار مختص بالانسان لحقيقة موجودة فيه وهى العقل إذ له الاقبال على الشئ وله الادبار عنه ولذلك ترتب عليه التكليف والثواب والعقاب والمواخذة والاعادة في المعاد، وقد اشتق لفظ العقل من العقال وهو الحبل الذى يشد به البعير ليمسكه.

١٧

طاعة الناصح(١) ، فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ولكل واحد من هذه العشرة الاصناف عشرة أنواع.

فأما الحلم: فمنه ركوب الجميل وصحبة الابرار ورفع من الضعة ورفع من الخساسة وتشهي الخير وتقرب صاحبه من معالي الدرجاب والعفو والمهل والمعروف والصمت، فهذا ما يتشعب للعاقل بحلمه(٢) .

وأما العلم، فيتشعب منه الغنى وإن كان فقيرا والجود وإن كان بخيلا والمهابة وإن كان هينا والسلامة وإن كان سقيما والقرب وإن كان قصيا والحياء وإن كان صلفا والرفعة وإن كان وضيعا والشرف وإن كان رذلا والحكمة والحظوة، فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه، فطوبى لمن عقل وعلم.(٣)

وأما الرشد فيتشعب منه السداد والهدى(٤) والبر والتقوى والمنالة و

____________________

(١) الرشد مصدر وهو ضد الغى.

والاهتداء والاستقامة على طريق الحق، والعفاف: الكف ومنع النفس عما لا يحل.

والصيانة - مصدر -: حفظ النفس من العيوب ومنعها عن الشبهات فلذلك تتفرع على العفاف.

والرزانة - مصدر من باب كرم -: الوقار والمراد عدم الانزعاج عن المحركات الشهوانية والغضبية وعدم التزلزل بالفتن والحوادث، فتصير سببا إلى المداومة على الخيرات و المدوامة على الخير توجب كراهية الشر فاذا كان الرجل كارها للشر فقد صفى باطنه، ونفسه طاهرة زكية، فيطيع كل ناصح يدله على الخير أو يزجره عن الشر ويسمع منه.

(٢) الضعة - مصدر وضع -: الردى والدناء‌ة والقبح واللوم.

والخساسة: الرذالة والحقارة ونقص في الوزن والقدر وقيل.

المراد الضعة بحسب الدنيا، والخساسة: ما كان بسبب الاخلاق الذميمة.

وتشهى الخير أى حبه والرغبة فيه.

والمهل - بالفتح او السكون مصدر -: الرفق و تأخير العقوبة وعدم المبادرة بالانتقام.

(٣) المهابة والهيبة مصدران والهين: السهل، الذليل، الضيف والصلف - بالتحريك -: التمدح بما ليس فيه والادعاء فوق المقام تكبرا.

والرفعة - بكسر الراء - مصدر رفع - بضم الفاء -: علو القدر والمنزلة، والفرق بينه وبين الشرف، هو أن الرفعة ما كان لنفسه والشرافة ما يتعدى إلى غيره ويمكن أن يراد بالاول بحسب الدنيا والثانى بحسب الاخلاق الشريفة.

والحظوة: المكانة والمنزلة والقرب.

(٤) السداد بالفتح: الرشاد والصواب والاستقامة ولعل المراد الصواب من القول والفعل والمنالة: إما من النول وهى العطية أو من النيل وهى الاصابة.

والقصد: الطريق الوسط المستقيم والاقتصاد: ترك الافراط والتفريط ورعاية الوسط الممدوح.

١٨

القصد والاقتصاد والصواب والكرم والمعرفة بدين الله، فهذا ما أصاب العاقل بالرشد فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق.

وأما العفاف، فيتشعب منه الرضا والاستكانة والحظ والراحة والتفقد والخشوع والتذكر والتفكر والجود والسخاء، فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه(١)

وأما الصيانة، فيتشعب منها الصلاح والتواضع والورع والانابة والفهم والادب والاحسان والتحبب والخير واجتناء البشر، فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة(٢)

وأما الحياء: فيتشعب منه اللين والرأفة والمراقبة لله في السر والعلانية و السلامة واجتناب الشر والبشاشة والسماحة وللظفر وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته(٣) .

وأما الرزانة، فيتشعب منها اللطف والحزم وأداء الامانة وترك الخيانة وصدق اللسان وتحصين الفرج واستصلاح المال والاستعداد للعدو والنهي عن المنكر وترك السفه، فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة، فطوبى لمن توقر ولمن لم تكن له خفة ولا جاهلية وعفا وصفح(٤) .

وأما المداومة على الخير، فيتشعب منه ترك الفواحش والبعد من الطيش والتحرج واليقين وحب النجاة وطاعة الرحمن وتعظيم البرهان واجتناب الشيطان

____________________

(١) الاستكانة: الخضوع والمذلة.

والحظ: النصيب من الخير.

وفى بعض النسخ [ التفضل ] مكان التفقد

(٢) البشر بالكسر: الطلاقة وبشاشة الوجه وفى نسخة [ واجتناب الشر ].

(٣) السماحة: الجود والعطاء.

والفضيحة: العيب وانكشاف المساوى.

(٤) الحزم: ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة والتفكر في عواقب الامور.

والسفه محركة مصدر.

ومعناه الجهل وخفة الحلم ونقيضه أى عديم الحلم.

والخفة اما بمعنى السرعة وخف إلى العدو أى أسرع والقوم: ارتحلوا مسرعين.

أو بمعنى الجهل واستخف قومه اى حمله على الجهل.

والمعنى أن من له صفة الرزانة أعنى الوقار والتأنى والتثبت في الامور تتشعب منها هذه الاوصاف.

١٩

والاجابة للعدل وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن ذكر أمامه وذكر قيامه واعتبر بالفناء(١) .

وأما كراهية الشر، فيتشعب منه الوقار والصبر والنصر والاستقامة على المنهاج والمداومة على الرشاد والايمان بالله والتوفر والاخلاص وترك ما لا يعنيه والمحافظة على ما ينفعه، فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشر، فطوبى لمن أقام بحق الله وتمسك بعرى سبيل الله(٢) .

وأما طاعة الناصح، فيتشعب منها الزيادة في العقل وكمال اللب ومحمدة العواقب والنجاة من اللوم والقبول والمودة والانشراح(٣) والانصاف والتقدم في الامور والقوة على طاعة الله، فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى(٤) ، فهذه الخصال كلها تتشعب من العقل.

قال شمعون: فأخبرني عن أعلام الجاهل، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن صحبته عناك(٥) وإن اعتزلته شتمك وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته كفرك وإن أسررت إليه خانك وإن أسر إليك اتهمك وإن استغنى بطر وكان فظا غليظا وإن افتقر جحد نعمة الله ولم يتحرج(٦) وإن فرح أسرف وطغى وإن حزن أيس

____________________

(١) الطيش: الخفة وذهاب العقل.

والتحرج: تجنب الحرج أى الاثم وقيل: تضييق الامر على النفس.

والبرهان: الحجة وكل ما يوجب وضوح أمر والمراد هنا براهين الله وحججه.

ومن داوم على الخير تتشعب منه هذه الاوصاف.

وفى بعض نسخ الحديث [ ذكر ما أمامه ].

(٢) يقال: توفر على صاحبه رعى حرماته وعلى كذا: صرف همته إليه.

وترك مالا يعنيه أى ما لا يهمه ولا ينفعه.

والعرى جمع العروة كغرف وغرفة.

(٣) في بعض نسخ الحديث [ الاسراج ].

(٤) الصرع: الطرح على الارض والمراد الامور التى يصرع هوى النفس فيها.

(٥) عناك: آذاك وكلفك ما يشق عليك وأتعبك من العناء: وهو النصب والتعب.

(٦) ولم يتحرج اى لم يجتنب عن الاثم.

٢٠