نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٨

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 422

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف:

الصفحات: 422
المشاهدات: 119210
تحميل: 2408


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 422 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 119210 / تحميل: 2408
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 18

مؤلف:
العربية

١

٢

٣

٤

هل العزل منقصة منفّرة

٥

٦

تجويز انقطاع الخلافة باطل لانه نقص منفر

قوله:

الثالث: إن ما ذكروه من أنّ زوال هذه المترتبة من هارون يستلزم عزله، وعزل النبي غير جائز.

نقول: إطلاق « العزل » على « انقطاع العمل » خلاف العرف واللغة.

أقول:

تجويز انقطاع خلافة هارونعليه‌السلام دعوى شنيعة، لعدة أسباب:

الأول:

إن الخلافة هارون عن موسىعليهما‌السلام كانت شرفاً ومقاماً جديداً له، لأنّها أثبتت له الإمامة مع الواسطة بالإضافة إلى إمامته الثابتة له بلا واسطة، فكان جامعاً بين الإمامتين، ولا ريب في أنّ زوال الإمامة بعد ثبوتها انحطاط في المرتبة، يوجب التنفير والتّعبير، وهذاما نصّ عليه القيصري والجامي في شرحيهما على ( فصوص الحكم )، وهي حقيقة لا تقبل الجدل والبحث.

وداود القيصري المتوفى سنة 751 من كبار العلماء العرفاء المحققين عندهم، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في ( الشقائق النعمانية 1 / 70 ) وغيره.

كما أنّ عبد الرحمن الجامي المتوفى سنة 898 من أشهر عرفائهم

٧

وادبائهم، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في ( البدر الطالع 1 / 327 ) و ( شذرات الذهب 7 / 360 ) وغيرهما.

الثاني:

لقد حصلت لهارونعليه‌السلام - بسبب استخلاف موسى إيّاه - مرتبة تنفيذ الأحكام حسب تصريح الفخر الرّازي فإذا كانت الخلافة هذه منقطعة انقطع بانقطاعها استمرار تلك المرتبة الجديدة الحاصلة على أساسها، فلا تنفّذ أحكامه ولا تمضى رئاسته، ويزول عنه ذاك الشّرف العظيم والمقام الجليل، ولا ريب في أن ذلك يستلزم الهتك والتحقير، ويستوجب العيب والتّعبير، سواء صحّ على ذلك اطلاق « العزل » أو لم يصح إذ ليس النزاع في الاسم والعنوان، بل في الحقيقة والمعنون.

الثالث:

إنّ تشكيك ( الدهلوي ) في صحة عنوان « العزل » على « انقطاع العمل والخلافة » يدفعه صريح ما ذكره ابن تيمية، في كلامه الطافح بالبغض والعناد لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث أطلق « العزل » على انقطاع الخلافة بعود المستخلف عن سفرته وهذا عين عبارته:

« وقوله: لأنه لم يعزله عن المدينة.

قلنا: هذا باطل، فإنه لمّا رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم انعزل علي بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع »(1) .

فلو كان هناك انقطاع لخلافة هارونعليه‌السلام ، فقد تحقق العزل في

__________________

(1) منهاج السنة 7 / 351.

٨

حقّه ومعاذ الله من ذلك كلّه ...

وأيضاً، يندفع تشكيكه بصريح كلام القاري في دعوى انعزال أمير المؤمنينعليه‌السلام برجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من تبوك إلى المدينة وقد تقدمت عبارته سابقاً.

الرابع:

بل إنّ بعضهم يرى « انقطاع الرّسالة » بسبب « الموت »، ويصحّح حينئذٍ إطلاق « العزل » وقد صدرت هذا التجاسر من الأشعرية في حقّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله :

قال الشيخ أبو شكور الكشي في ( التمهيد ): « ناظرت أشعريّاً فقال لي: إن الوضوء والصلاة عندكم أن يجلس أحدكم تحت الميزاب حتى يبتلَّ وجهه وذراعاه ورأسه وقدماه، ثم يبسط خرء الحمام ويقوم عليه ويقول بالفارسية: خدا بزرگ. يعني: الله أكبر. ويقرأ بالفارسيّة مقدار آية ويقول: دو برگ سبز. يعني: قوله تعالى( مُدْهامَّتانِ ) (1) ثم يركع ويسجد ساكتاً ويقعد مقدار التشهّد وقت العقود، ثم يضرط، فهذه عبادتكم.

قال هذا طعناً لأبى حنيفة ولأصحابكمرحمهم‌الله .

فأجبته وقلت: إنكم تعتقدون بأن الله تعالى ما كان خالقاً ولا رازقاً ولا معبوداً قبل أنْ يخلق الخلق، والآن ليس بغافر ولا مثيب ولا معاقب، والرسول اليوم ليس برسول، وقبل الوحي ما كان رسولاً، والمؤمنون بالمعصية ينقص إيمانهم، فلذلك المعبود الذي اعتقدت بأنه ما كان ربّاً معبوداً ثم صار معبوداً، وإن هذا الرسول ما كان رسولاً ثم صار رسولاً ثم عزل، فإنّ المؤمن الذي ينقص إيمانه بالضّحك ونحوه يكتفي بهذا القدر من العبادة، نعوذ بالله من ذلك ».

__________________

(1) الرحمن 55: 64

٩

فلو كانت رسالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تنتفي بموته ويصحّ إطلاق العزل في حقّه، كان نفي الخلافة عن هارونعليه‌السلام بزعم انقطاعها في حال الحياة أولى بإطلاق العزل عليه، ويكون استلزامه للإهانة والتحقير آكد وأشد ...

الخامس:

وأخيراً، فإنّا قد وجدنا ( الدّهلوي ) نفسه ينص على أنّ « انقطاع الخلافة » هو « العزل »!! وهذا من طرائف الامور فلقد كرّر الرجل دعوى عدم صحة إطلاق العزل على انقطاع الخلافة والعمل إلاّ أنه في مقام رفع العيب والنقص عن عمر بن الخطاب بسبب العزل، إلتجأ إلى النقض بوقوع العزل في حق هارونعليه‌السلام !!

يقول ( الدهلوي ) في الجواب عن المطعن الخامس من مطاعن أبي بكر: « سلّمنا أن عمر كان معزولاً من قبل النبي، لكنه مثل هارون الذي برجوع موسىعليه‌السلام من الطور انعزل عن خلافته، إلاّ أنه لمّا كان نبيّاً بالإستقلال لم يوجب هذا العزل نقصاً في إمامته، وكذلك عمر بن الخطاب الذي قال في حقّه: لو كان بعدي نبي لكان عمر، لم يوجب عزله نقصاً في إمامته »(1) .

إذن، عزل هارون عن الخلافة برجوع موسى، لكن عزله لم يكن بقولٍ من موسى، بل بمجرّد عوده من الميقات ...

لكن « العزل » يوجب الإهانة كما نصّ عليه ( الدهلوي ) نفسه، فدعوى انقطاع الخلافة باطلة ...

وحديث « لو كان بعدي نبي لكان عمر » قد أوضحنا فساده في بعض مجلّدات كتابنا فليراجع.

__________________

(1) التحفة الاثنا عشرية: 286.

١٠

التمثيل بعادة السّلاطين لا يرفع الإشكال

قوله:

لأنّ السلاطين إذا خرجوا من دار السلطنة إستخلفوا نوّابهم وبطانتهم، فإذا رجعوا انقطعت تلك الخلافة قهراً، ولا يقال بأنّهم عزلوا، ولا يتوهّم وقوع الإهانة عليهم.

أقول:

أين الثريّا من الثرى، وأين الدرّ من الحصى؟!

ثم إنّ موسىعليه‌السلام استخلف هارونعليه‌السلام في قومه من غير تقييدٍ بمدّة، إذْ لم يقل له إلاّ:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (1) ، وليس هذا الحال الرؤساء والسلاطين، فإنّهم لا يستخلفون غالباً إذا خرجوا هذا الإستخلاف المطلق، بل إنّ ذلك الإستخلاف منهم يكون مقيَّداً ومحدوداً بتلك السفرة فقط، ولذا لا يصدق العزل على نوابهم إذا انقطعت النيابة والخلافة برجوعهم. فلو فرض أنّ رئيساً استخلف أحداً الإستخلاف المطلق غير المقيَّد بأمدٍ، ثم قطع الخلافة، كان الخليفة معزولاً لغةً وعرفاً والمنكر مكابر قطعاً.

ولو سلّمنا أنّ قطع عمل الخليفة غير المقيَّدة خلافته بزمانٍ من الإزمنة، لا يستوجب الإهانة في حقّه، فإنّ ذلك ليس إلاّلاختلاف مراتب الإهانة والتنفير، فإنّ بعض الامور توجب الإهانة بالنسبة إلى الأنبياء والسلاطين معاً، وبعضها لا توجبها بالنّسبة إلى السلاطين ورجال أهل الدّنيا، وتوجبها بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة قطعاً، لوضوح أنّ مرتبتهم أعلى وأجل من مراتب السلاطين والرؤساء، فما يكون منفّراً بالنسبة إلى السلاطين والرؤساء، فما يكون منفّراً بالنسبة إلى سلاطين والوزراء منفّر بالنسبة إلى الأئمة

__________________

(1) الاعراف 7: 142

١١

والأنبياء، دون العكس ...

وتلخص: أنه لو فرض أنّ انقطاع العمل لا يوجب إهانة في حقّ الوزراء ونوّاب السلاطين، فإن ذلك لا يستلزم أن لا يكون انقطاع الخلافة عن الأنبياء موجباً للتنفّر ومن هنا يشترط في الإمامة والخلافة ما لا يشترط في الوزارة والرئاسة الدنيوية وهذا واضح جدّاً.

إثبات النبوة الإستقلالية لهارون لا يرفع الإشكال

قوله:

وإن كان عزلاً فلماذا يكون - مع وصول النبوة الإستقلالية بعد موت موسى إلى هارون، وهي أعلى من الخلافة بألف درجة - موجباً للنقصان والإهانة له؟

أقول:

قد عرفت صدق « العزل » ولزوم « التنفير ». وأمّا أنّهعليه‌السلام كان ذا نبوة إستقلاليّة، فهذا لا يرفع الإشكال:

أمّا أولاً:

فلأنّه بعد تحقق ما يوجب الإهانة والتحقير له لا يصلح للنبوّة أصلاً، لاشتراط خلوّ النّبي من العيوب والمنفّرات، فيكون فرض كونه نبيّاً فرضاً لتحقق الشيء لا يتحقق مع تحقق المانع عن تحققه.

وأمّا ثانياً:

فرضنا حصول النبوة الإستقلالية له بعد موت موسى، لكنّ ذلك لا يرفع

١٢

الإهانة الحاصلة له منذ رجوع موسى من الطّور حتى وفاة هارونعليه‌السلام وكأنّ ( الدهلوي ) فرض تحقق النبوّة الإستقلالية له بمجرّد رجوع موسى وانعزاله عن خلافته!

وقد تنبّه إلى هذا التوهّم في باب المطاعن، وعدل عن إثبات النبوّة المذكورة له بعد موسى، وادّعى حصولها له في حياته، وحاول أن يرفع بذلك الإشكالَ بلزوم النقص من العزل.

لكنّ غيره من الأئمة السنيّة التجأ إلى زعم وقوع عزل هارون بعد موت موسى، وجَعْل حصول النبوّة الإستقلالية له دافعاً لإهانة العزل:

قال في ( شرح المواقف ): « الجواب: منع صحة الحديث كما منعه الآمدي، وعندالمحدثين إنه صحيح وإنْ كان من قبيل الآحاد. أو نقول على تقدير صحّته: لا عموم له في المنازل، بل المراد إستخلافه على قومه في قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) لاستخلافه على المدينة. أي: المراد في الحديث أن عليّاً خليفة منه على المدينة في غزوة تبوك، كما أن هارون كان خليفةً لموسى في حال غيبته، ولا يلزم دوامه، أي دوام استخلاف موسى بعد وفاته، فإن قوله:( اخْلُفْنِي ) لا عموم له بحيث يقتضي الخلافة في كلّ زمان، بل المتبادر استخلافه مدّة غيبته، ولا يكون حينئذٍ عدم دوامه بعد وفاة موسى - لقصور دلالة اللفظ عن استخلافه فيه - عزلاً، كما لو صرّح بالإستخلاف في بعض التصرّفات دون بعضها، ولا عزله إذا انتقل إلى مرتبةٍ أعلى - وهو الإستقلال بالنبوّة - منفّراً، يعني وإنْ سلّمنا تناول اللفظ لما بعد الموت، وأن عدم بقاء خلافته بعده عزله، لم يكن ذلك العزل منفّراً عنه، وموجباً لنقصانه في الأعين.

وبيانه: إنه وإنْ عزل عن خلافة موسى، فقد صار بعد العزل مستقلاًّ بالرسالة والتصرف عن الله تعالى، وذلك أشرف وأعلى من كونه مستخلَف

١٣

موسى مع الشركة في الرسالة »(1) .

وفي ( شرح المقاصد ): « ولو سلّم، فلا دلالة على بقائها بعد الموت، وليس انتفاؤها بموت المستخلف عزلاً ولا نقصاً، بل ربما يكون عوداً إلى حالةٍ أكمل، هي الإستقلال بالنبوة والتبليغ من الله تعالى »(2) .

وفي ( الصواعق ): « وليس في اللفظ ما يدل على الإستمرار والبقاء بعد انقضاء مدة الغيبة، ودعوى كونه خليفةً له بعد موته من المنازل، ممنوع، فإنه ادّعاه محض، وزوال المرتبة الثابتة له فية حياة موسى بوفاته لا يسلتزم نقصاً، بل إنما يستلزم كمالاً، لأنه يصير بعده مستقلاًّ بالرسالة في التبليغ من الله تعالى، وذلك أعلى من كونه خليفةً وشريكاً له في الرسالة »(3) .

أقول:

لكنه توهّم باطل، لاستلزامه كون هارونعليه‌السلام خليفةً لموسى من حين خروجه إلى الطور وحتى وفاته، وأن خلافته لم تنقطع برجوع موسى من الطور بل بموته، وهذا واضح البطلان، لأنّه لا دخل لموت المستخلف في العزل، وأنّ خلافة الثابتة في حال حياته لا تزول بسبب موته أبداً. وليس عاقل يقول بأن موت المتخلِف من أسباب عزل الخليفة، بل أنّ موت المستخلِف يكون مصحّحاً لخلافة الخليفة عنه، قال ابن تيمية: « والخليفة لا يكون خليفةً إلاّمع مغيب المستخلف أو موته ».

وبالجملة، موت المستخلف لا ينافي خلافة الخليفة بل يصحّحها كما هو

__________________

(1) شرح المواقف 8 / 362 - 363.

(2) شرح المقاصد 5 / 275.

(3) الصواعق الموبقة مخطوط.

١٤

صريح عبارة ابن تيمية - وإن كان يزعم بأنّ حياته تنافي خلافة خليفة - وعلى هذا، فكيف يجوّز عاقل زوال خلافة هارون - الثابتة من حين خروج موسى إلى الطّور - بسبب موت موسى؟

على أنّ كثيرين من الأنبياء استخلفوا في حياتهم وبقيت خلافة الخليفة بعد مماتهم.

فإنّ ( يوشع ) كان خليفةً لموسى بعد موته كما عرفت.

ويوشع استخلف ( كالب بن يوفنا ) فكان خليفةً من بعد يوشع كما ذكر الثعلبي(1) .

وكالب استخلف ابنه ( يوشا فاش ) كما روى الكسائي(2) والثعلبي(3) .

واستخلف ( إلياس ) على بني إسرائيل ( اليسع ).

واستخلف اليسع ( ذا الكفل ) كما ذكر الثعلبي(4) وغيره.

وكما يظهر من هذه العبارات الحاكية لتلك الاستخلافات بطلان ما زعموا من زوال الخلافة بالموت، كذلك يظهر بطلان ما زعمه ابن تيمية من امتناع الخلافة في حال حياة المستخلِف، فقد ذكروا أن ذا الكفل كان حاكماً على الناس في حياة اليسع كما في راوية الرازي بتفسير الآية:( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين ) (1) .

وأيضاً: ذكروا أنّ ( داود ) استخلف ابنه ( سليمان ) وأن ( سليمان ) استخلف

__________________

(1) العرائس في قصص الانبياء: 250.

(2) قصص الانبياء مخطوط.

(3) العرائس: 250 وفيه: يوسافس.

(4) العرائس: 261.

١٥

ابنه ( رخبعم )(2) .

وبعد، فإنّ العزل مطلقاً عيب موجب للتنفير، سواء كان في حال الحياة أو بعد الموت فما التجأوا إليه لرفع نقص العزل غير مفيد.

وتلخّص:

إن العزل منقصة لا يشك في ذلك ذو لب وقال ابن القيّم في كلامٍ له: « إن من المدح ما يكون ذمّاً وموجباً لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس، فإنه يمدح بما ليس فيه، فتطالبه النفوس بما مدح به وتظنّه عنده، فلا تجده كذلك، فينقلب ذمّاً، ولو ترك بغير مدح لم تحصل له هذه المفسدة، ويشبه حاله حال من ولي ولايةً سنيّةً ثم عزل عنها، فإنه تنقص مرتبته عمّا كان قبل الولاية، وينقص في نفوس الناس عما كان عليه قبلها »(3) .

وأمّا ثالثاً:

فإنّ ما ذكروه من لزوم حصول النبوّة بالإستقلال لهارونعليه‌السلام ، لم يقيموا عليه دليلاً قطعيّاً، لا من النقل ولا من العقل، ومجرّد الدعوى في مقام البحث والمناظرة لا يرفع الإشكال.

وأمّا رابعاً:

فلقد ثبت أن هارونعليه‌السلام كان مطيعاً لموسى في حال حياته، مع كونه شريكاً له في رسالته، فلو كان باقياً بعد موته لكان تابعاً مع اتّصافه بالنبوة ...

أمّا كونه مطيعاً لموسى في حال حياته، فهذا مما لا سبيل إلى نفيه وإنكاره، فقد روى السيوطي عن: ابن اسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم،

__________________

(1) تفسير الرازي 22 / 210 - 211. والآية في سورة الأنبياء 21: 85.

(2) العرائس: 290 - 291 و 328.

(3) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 298.

١٦

عن ابن عباس في قصّة السّامري: « فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممّن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إنْ سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، وكان له هائباً مطيعاً »(1) .

وكذا في ( العرائس ) و ( عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ).

وأمّا خامساً:

فإن يوشع كان خليفةً لموسى من بعده، مع أنه كان حينئذاك نبيّاً من الأنبياء فكما أمكن اجتماع الخلافة والنبوة في يوشع، ولم تمنع نبوّته من خلافته لموسى، فكذلك هارون لو قدر بقاؤه حيّاً بعد موسى لم تكن نبوّته مانعةً من أن يكون خليفةً لموسى. وفي ذلك كفاية لأهل الدراية.

وأمّا سادساً:

فإن الأنبياء بعد موسى كانوا جميعاً مبعوثين لتجديد وإحياء ما نسيته أو تركته بنو إسرائيل من أحكام التوراة، فهم جميعاً تبع لشريعة موسى، ولو قدّر بقاء هارون بعده نبيّاً لكان كذلك، ولم يكن نبيّاً مستقلاً فسقط ما ذكروه.

أمّا أن الأنبياء كانوا يبعثون بعد موسى لا بشريعةٍ مستقلة، فهذا ما نصَّ عليه العلماء القوم:

قل الثعلبي « قال الله تعالى: ( وإن إلياس لمن المرسلين )(1) إلى آخر القصة. قال ابن إسحاق والعلماء من أصحاب الأخبار: لمّا قبض الله تعالى حزقيلعليه‌السلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد، ونسوا عهد الله إليهم في توراة، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله عز وجل. فبعث إليهم إلياس نبيّاً، وهو إلياس بن يسّى بن فنحاص بن عيزار

__________________

(1) انظر تفسير الطبري 8 / 449 ح 24281

١٧

ابن عمران بن هارون. وإنما كانت الأنبياء بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا وضيّعوا من أحكام التوراة »(2) .

وقال شمس الدين العلقمي بشرح الحديث: « أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي »:

« قوله: ليس بيني وبينه نبي.

قال في الفتح: هذا أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه، واستدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلاّنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم.

وفيه نظر: لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين ارسلوا إلى أصحاب القرية، المذكورة قصتهم في سورة يس، كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد ابن سنان كانا نبيّن وكانا بعد عيسى.

والجواب: إنّ هذا الحديث يضعّف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا تردّد، وفي غيره مقال. أو المراد: إنه لم يبعث أحد بعد عيسى بشريعةٍ مستقلة، وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى. وقصة خال بن سنان أخرجها الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في الصّحابة »(1) .

إضطرابهم في معني النبوّة ووقت حصولها

ثم لا يخفى: أن دعوى استقلال هارون بالنبوة على تقدير بقاءه بعد موسى هذه الدعوى الّتي أرادوا بها رفع إشكال ورود النقص عن هارون بعزله عن الخلافة ضعيفة جدّاً، بحيث لم يجزم الفخر الرازي بها مع كونه الأصل فيها،

__________________

(1) الصافات 37: 123.

(2) العرائس: 252.

١٨

وهم قد أخذوها منه، بل ذكرها على سبيل الفرض والتقدير. ولكن القوم الذين أخذوا منه هذه الدعوى ذكروها على سبيل الجزم فتورّطوا وهذه عبارة الفخر الرازي:

« ثم إنْ سلمنا أنه منفّر، ولكن متى؟ إذا حصلت عقيبه مرتبة أخرى أشرف منها، أو إذا لم يحصل؟ بيانه: وهو إن هارونعليه‌السلام لو بقي بعد موسىعليه‌السلام ، وقدّرنا أن الله تعالى كان يأمره أن يتولى تنفيذ الأحكام على طريق الأصالة لا على طريق النيابة من موسىعليه‌السلام ، كان ذلك أشرف من نيابة موسى، وعلى هذا التقدير لا يلزم من فوات خلافته لموسى حصول أمر منفّر ».

أقول:

لكنّ ذلك لم يتحقق، وذاك التقد بر لم يكن، فيلزم من فوات خلافته لموسى أمر منفّر، وإذا كان لا يجوز هذا اللازم، فالملزوم وهو فوات الخلافة غير متحقق.

هذا، ولو كانت الإشكالات كلّها تندفع وترفع بالتقديرات غير الواقعة وغير الجائزة، لم يبق إشكال في مسألةٍ أصلاً، للزم انسداد باب البحث والتحقيق في شتّى العلوم ...

ومن هنا لمّا رأى المتأخّرون عن الرّازي سقوط هذا الاسلوب لرفع الإشكال، عمد جماعة منهم إلى دعوى حصول النبوة بالإستقلال لهارون بعد موت موسى جزماً وقد عرفت سقوطها كذلك.

وجماعة آخرون عمدوا إلى دعوى حصول النبوة بالإستقلال لهارون في حياة موسىعليه‌السلام :

منهم: محمود بن عبد الرحمن الإصفهاني في ( شرح التجريد )، فإنه قال بعد منع خلافة هارون على قوم موسى: « سلّمنا إنه استخلفه في حال حياته،

__________________

(1) الكوكب المنير شرح الجامع الصغير مخطوط.

١٩

ولكن لا نسلّم استخلافه له بعد موته، فإن قوله( اخْلُفْنِي ) ليس فيه صيغة عموم بحيث يقتضي الخلافة في كلّ زمان، ولهذا فإنه لو استخلف وكيلاً في حال حياته على أمواله، فإنه لا يلزم من ذلك استمرار استخلافه له بعد حياته، وإذا لم يكن ذلك مقتضياً للخلافة في كل زمان، فعدم خلافته في بعض الزمان لقصُور دلالة اللفظ عن استخلافه فيه لا يكون عزلاً له، كما لو صرّح بالإستخلاف في بعض التصرفات دون بعض، فإن ذلك لا يكون عزلاً فيما لو يستخلف فيه، وإذا لم يكن عزلاً فلا ينفر.

سلّمنا أن ذلك يكون عزلاً له، ولكن متى يكون ذلك منفّراً عنه؟ إذا كان قد ازال عنه بالعزل حالة توجب نقصه في الأعين، أو إذا لم يكن؟ الأول مسلّم والثاني ممنوع. فلِمَ قلتم بأن ذلك مما يوجب نقصه في العين؟ وبيان عدم نقصه هو: إن هارون كان شريكاً لموسى في النبوة، وحال المستخلَف دون حال الشريك في نظر الناس، فإذن، الاستخلاف حالة منقصة بالنظر إلى حال الشركة، وحال المنقصة لا يكون زواله موجباً للتنقيص.

سلّمنا لزوم النتقيص من ذلك، لكن إذا لزم منه العود إلى حالةٍ هي أعلى من حالة الإستخلاف، أو إذا لم يعد؟ الأول ممنوع والثاني مسلّم. لكن لم قلتم أنه لم يعد إلى حالة هي أعلى؟ وبيان ذلك: إنه وإنْ عزل عن الإستخلاف فقد صار بعد العزل مستقلاً بالرسالة عن الله تعالى لا عن موسى، وذلك أشرف من استخلافه عن موسى ».

ومنهم: إسحاق الهروي، حيث قال ( في السهام الثاقبة ): « ولو سلّم فأيّ دلالة على بقاء الخلافة بعد موت موسىعليه‌السلام ، وانتهاء الشغل بانتهاء العمل ليس من باب العزل، خصوصاً إذا اشتمل على العود إلى حالة أكمل، وهو الإستقلال بالنبوّة والتبليغ من الله، لا من موسىعليه‌السلام ».

٢٠