نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٨

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 421

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف: الصفحات: 421
المشاهدات: 157085
تحميل: 2797


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 421 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 157085 / تحميل: 2797
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 18

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

١٠ - تشبّث الرازي بخرافات الجاحظ

قد عرفت أن دعوى دلالة الحديث الشريف على سلب الخلافة والإمامة عن أمير المؤمنين -عليه‌السلام - مخالفة لإجماع المسلمين من الشيعة والسنّة، ولقد اعترف به الفخر الرازي فإنه ذكر ذلك بعنوان الدخل المقدّر، ثم عجز عن الجواب، فتشبّت بخرافات الجاحظ المعروف بالبغض لأمير المؤمنينعليه‌السلام والزندقة وهذه عبارات الرازي:

« وعذرهم عن ذلك: إن هارونعليه‌السلام إنما لم يباشر عمل الإمامة لأنه مات قبل موسىعليه‌السلام ، وأمّا علي -رضي‌الله‌عنه - فإنه لم يمت قبل النبي -عليه‌السلام - فظهر الفرق.

فجوابنا عنه أنْ نقول: إمّا أنْ يلزم من انتفاء المسبب أو لا يلزم: فإن لزم، فكون هارون منفّذاً للأحكام إنما كان سبب كونه نبيّاً، والنبوّة ما كانت حاصلة لعلي -رضي‌الله‌عنه - فيلزم من انتفاءها إنتفاء كونه متولّياً للأحكام: وإمّا أن لا يلزم فنقول: عدم إمامة هارون -عليه‌السلام - إنما كانت لموته قبل موت موسى -عليه‌السلام -، فوجب أنْ لا يلزم من عدم موت علي -رضي‌الله‌عنه - قبل رسول الله -عليه‌السلام - أن لا يحصل له المسبب، وهو نفي الخلافة.

لا يقال: إنه لا يجوز الإستدلال بأن هارونعليه‌السلام لم يعمل عمل الإمامة، لأن فقد الخلافة نفي، والنفي لا يكون منزلة، وإنّما الإثبات هو المنزلة، فلا يتناول الحديث ذلك النفي: وإنْ سلّمنا أن النفي منزلة ولكن الكلام خرج مخرج الفضيلة لعلي -رضي‌الله‌عنه - فلا يجوز أنْ يدخل فيه إلّا ما يكون فضيلة، ونفي الخلافة غير فضيلة، وإنْ سلّمنا صحة اندراج هذا النفي تحت الحديث، ولكن الإجماع منعقد على أنه غير داخل فيه، لأن الامة إمّا قائل بدلالة هذا الحديث على إمامته، وإمّا قائل بأنه لا دلالة فيه على إمامته: أما

٨١

القول بدلالته على أنه ما كان إماماً فذلك لم يقله أحد بَعد من الاُمّة: وإنْ سلّمنا عدم الإجماع ولكنْ لو حكمنا بدلالته على عدم إمامته لزم أنْ لا يكون إماماً بعد عثمان وهو باطل.

لأنا نقول: أمّا الأول فجوابه: أن معنى قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى: أن حالك معي أو عندي كحال هارون من موسى، وهذا القول يدخل تحته أحوال هارون نفياً وإثباتاً: وأمّا الثاني فجوابه: إن إفادة الكلام لهذا النفي لا يمنع من دلالته على الفضل: بيانه: إن إماماً لو ولّى ابنه إمارة بلدةِ معيّنة فقط، ثم ولّى إمام آخر بعده إنساناً آخر تلك البلدة فقط، فطلب ذلك الإنسان من الإمام الثاني تولية بلدة اخرى، فإنه يحسن من الإمام الثاني أن يقول له: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة ابن الإمام الأول منه، فهذا الكلام مع ما يفيد من فضيلة ذلك الإنسان فإنه يفيد نفي توليته عن سائر البلاد، فكذلك هنا: وأما الثالث: فجوابه: إنا لا نسلّم إجماع الامّة على عدم دلالة هذا الحديث على نفي إمامته، فإن الجاحظ احتج به عليه: وإنْ سلّمنا إنعقاد الإجماع ولكنْ نحن لم نذكر ما قلنا للإستدلال، بل لنجعله معارضاً لما ذكرتموه حتى يبطل به ذلك: وبهذا يظهر الجواب عمّا ذكروه رابعاً »(١) .

فترى الرازي يقول: « لا نسلّم إجماع الاُمة على عدم دلالة هذا الحديث على نفي إمامته » أي مطلقاً، ثم يعلّل عدم التسليم لهذا الإجماع بقوله: « فإن الجاحظ احتجّ به عليه ».

___________________

(١). نهاية العقول - مخطوط.

٨٢

من فضائح الجاحظ

فالعجب من الرازي كيف يقدح في هذا الإجماع المحقَّق المعتَرف به من أعلامهم بكلامٍ سخيف من الجاحظ، الذي نصّوا على إلحاده وتزندقه، وأنّه كان من أئمة البدع؟!

قال الذهبي: « قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون »(١) .

قال الذهبي: « كان من أئمة البدع »(٢) .

وقال: « يظهر من شمائل الجاحظ أنه يختلق »(٣) .

وإليك نصّ كلام الحافظ ابن حجر المشتمل على كثير من الكلمات بترجمته.

« عمرو بن بحر الجاحظ: صاحب التصانيف: روى عنه أبو بكر بن أبي داود فيما قيل: قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون: قلت: ولكن من أئمة البدع.

قال الجاحظ في كتاب البيان: لمـّا قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبروا به، وصرت إليه وقد أمر البريدي بالنظر فيها ليخبره عنها قال لي: قد كان بعض من يرتضى ويصدَّق خبره خبّرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة: فقلنا: قد يربى الصفة على العيان، فما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلمـّا فَلَيتها أربى الفلى على العيان، وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ولا يفتقر إلى المحتجّين، وقد جمع استقصاء المعاني واستيفاء جميع الحقوق، مع اللفظ الجزل والمخرج السّهل، فهو سوقي ملوكي وعامّي خاصّي.

قلت: وهذه - والله - صفة كتب الجاحظ كلّها، فسبحان من أضلّه على

___________________

(١). ميزان الاعتدال ٣/٢٤٧ رقم ٦٣٣٣.

(٢). ميزان الاعتدال ٣ / ٢٤٧ رقم ٦٣٣٣.

(٣). سير أعلام النبلاء ١١ / ٥٢٨.

٨٣

علم.

قال المسعودي: وفي سنة خمس وخمسين وقيل سنة ستٍ وخمسين مات الجاحظ بالبصرة، ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه، وحكى يموت بن المزرع عن الجاحظ - وقال حالة - أنه دخل إليه ناس وهو عليل فسألوه عن حاله؟ فقال: عليل من مكانين، من الإفلاس والدين، ثم قال: أنا في عللٍ متناقضة يتخوّف من بعضها التلف، وأعظمها عليَّ نيف وتسعون - يعني عمره - قال أبو العيناء: قال الجاحظ: كان الأصعمي منّانياً: فقال له العباس بن رستم: لا والله ما كان منّانيّاً ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده - وهي مخصوفة عن يده ويقول - نعم متاع القدري، [ نعم متاع القدري ] فعلمت أنّه يعنيك، فقمت وتركته.

وحكى الخطيب بسندٍ له أنه كان لا يصلّي.

وقال الخطابي: هو مغموص في دينه.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني: إنه كان يرمى بالزندقة، وأنشد في ذلك أشعاراً.

قال ابن قتيبة في اختلاف الحديث: ثم نصير إلى الجاحظ وهو أحسنهم للحجّة استثارةً وأشدّهم تلطّفاً، لتعظيم حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويكمل الشيء وينقصه، فتجده مرةً يحتجّ للعثمانية على الرافضة، ومرةً للزندقة على أهل السنّة، ومرةً يفضّل عليّاً ومرةً يؤخّره، ويقول قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا ويتبعه أقوال المجّان، ويذكر من الفواحش ما يجلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه، فكيف في ورقةٍس أو بعد سطر أو سطرين! ويعمل كتاباً يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم يجوز للحجة كأنّه إنما تنبيههم على ما لا يعرفون،

٨٤

وتشكيك الضعفة، ويستهزء بالحديث استهزاءاً لا يخفى على أهل العلم، وذكر الحجر الأسود وأنّه كان أبيض فسوّده المشركون، قال: وقد كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين استلموه: وأشياء من أحاديث الكتاب: وهو مع هذا أكذب الاُمة، وأوضعهم للحديث، وأنصرهم للباطل.

وقال ابن حزم في الملل والنحل: كان أحد المجّان الضلّال، غلب عليه قول الهزل، ومع ذلك، فإنّا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبةٍ يوردها مثبتاً لها، وإنْ كان كثير الإيراد لكذب غيره.

وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة تهذيب اللغة: وممّن تكلّم في اللغات بما حصده لسانه، وروى عن الثقات ماليس من كلاهم: الجاحظ، وكان اُوتي بسطةً في القول وبياناً عذباً في الخطاب ومجالاً في الفنون، غير أنّ أهل العلم ذمّوه وعن الصدق دفعوه.

وقال ثعلب: كان كذّاباً على الله وعلى رسوله وعلى الناس »(١) .

أقول:

فهل من الجائز تمسك الرازي بكلام جاحظ حول هذا الحديث، وبكلامه حول حديث الغدير؟!

ومن هنا يظهر أنّ ( الدهلوي ) مقلّد ( للجاحظ ) الملحد الزنديق عندهم فيما ذكره في هذا المقام

هذا، وكأنّ الرازي ملتفت إلى شناعة استدلاله بخرافة الجاحظ في مقابلة إجماع المسلمين فقال: « وإن سلّمنا انعقاد الإجماع، ولكن نحن لم نذكر ما قلنا للإستدلال »: لكنْ إذا لم يكن ما تفّوه به الجاحظ صالحاً للإستدلال فما معنى

___________________

(١). لسان الميزان ٥ / ٢٨٦ – ٢٩١ رقم ٦٣٠٠.

٨٥

قوله: « بل لنجعله معارضاً لما ذكرتموه حتى يبطل به ذلك »؟ وهل يجوز أنْ يجعل ما لا يصلح للإستدلال معارضاً لما ذكره الإمامية؟ وإذا كان الرازي يسلّم الإجماع، فقد ثبت قول الإمامية، فأي معارضة تحصل بقول الجاحظ؟ وكيف يظهر مما ذكره « الجواب عما ذكروه رابعاً »؟

لقد أوقع الرازي نفسه في ورطةٍ لم يتخلّص منها، فناقض نفسه وتهافتت كلماته وهكذا يفتضح المبطلون!!

أقول:

ثم إنّ الرازي ذكر جوابين عن إشكال سلب الإمامة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد عثمان حيث قال.

« وأيضاً، فلو استدللنا بالخبر، فإمامة علي بعد عثمان إنما تثبتُ بالإختيار، وليس الأمر كذلك في حق هارونعليه‌السلام ، فلا يتناوله الحديث.

وأيضاً، فلو تناوله لكان لنا أن نخرج هذه الحالة عن عموم النص بدليلٍ، ويبقى ما قبل وفاة عثمانرضي‌الله‌عنه على ظاهره ».

وهذا كلام ظاهر البطلان لأن مقتضى تمام المماثلة والمشابهة بين هارون وأمير المؤمنين -عليهما‌السلام - أن يكون إمامة الأمير النص عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما كانت إمامة هارون بالنص عن موسىعليه‌السلام ، لا بالإختيار

على أنّ الإشكال هو: أنّه إذا كنتم تنفون إمامة علي - لأن هارون مات قبل موسى ولم يصر إماماً - فاللازم نفيها حتى بعد عثمان وهذا الإشكال يتوجّه سواء كانت الإمامة بالنص أو بالإختيار فما ذكره في الجواب لا ربط له بالإشكال أصلاً

٨٦

وأما ما ذكره ثانياً، فبطلانه أوضح، إذ للخصم أن يعيد عليه نفس الكلام فيقول: إن الحديث يتناول جميع منازل هارون نفياً وإثباتاً، لكن عدم مباشرة عمل الإمامة قد خرج بدليلٍ مخرج فالمعارضة ساقطة

تذييل:

إنّ للجاحظ كلماتٍ في تفضيل أهل البيتعليهم‌السلام على سائر الناس مطلقاً، فقد ذكر أبو إسحاق القيرواني ما نصّه:

« فصل - لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في ذكر قريش وبني هاشم:

قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها، وكيف رأيها وذكاؤها، وكيف سياستها وتدبيرها، وكيف إيجازها وتحيرها، وكيف رجاحة أحلامها إذا خف الحليم، وحدّة أذهانها إذا كلَّ الحديد، وكيف صبرها عند اللقاء وثباتها في اللأواء، وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر، وكيف جودها إذا حب المال، وكيف ذكرها لأحاديث غد وقلّة صدودها عن جهة القصد، وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه، وكيف وصفها له، ودعاؤها إليه، وكيف سماحة أخلاقها وصونها لأعراقها، وكيف وصلوا قديمهم بحديثهم وطريفهم بتليدهم، وكيف أشبه علانيتهم سرّهم، وقولهم فعلهم، وهل سلامة صدر أحدهم إلّاعلى قدر بُعد غوره؟ وهل غفلته إلّا في وزن صدق ظنّه؟ وهل ظنّه إلّا كيقين غيره؟ وقال عمر: إنك لا تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنّه. قال أوس بن حجر:

الألمعي الذي يظن بك الظن

كأنْ قد رأى وقد سمعا

وقال آخر:

٨٧

مليح نجيح أخو مازن

فصيح يحدّث بالغائب

وقال بلعاء بن قيس:

وأبغي صواب الرأي أعلم أنه

إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره

بل قد علم الناس كيف جمالها وقوامها، وكيف نماؤها وبهاؤها، وكيف سرورها ونجابتها، وكيف بيانها وجهارتها، وكيف تفكيرها وبداهتها.

فالعرب كالبدن وقريش روحها، وقريش روح وبنو هاشم سرّها ولبّها، وموضع غاية الدين والدنيا منهما.

وهاشم ملح الأرض وزينة الدنيا، وجنى العالم، والسنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولباب كل جوهر كريم، وسرّ كلّ عنصر شريف، والطّينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن الفهم وينبوع العلم، وشهلان ذو الهضاب في الحلم، والسيف الحسام في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح عن الجرم، والقصد بعد المعرفة، والصفح بعد المقدرة.

وهم الأنف والسنام الأكرام، وكالماء الذي لا ينجّسه شيء، وكالشمس التي لا تخفى بكل مكان، وكالذهب لا يعرف بالنقصان، وكالنجم للحيران والبارد للظمآن.

ومنهم الثقلان، والأطبيان، والسبطان، والشهيدان، وأسد الله، وذو الجناحين، وذو قرنيها، وسيد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر، والحبر.

والأنصار أنصارهم، والمهاجرون من هاجر إليهم، أو معهم، والصدّيق من صدّقهم، والفاروق من فرّق بين الحق والباطل فيهم، والحواري حواريّهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، ولا خير إلّا لهم، أو فيهم، أو معهم، أو يضاف إليهم.

وكيف لا يكونون كذلك؟

٨٨

ومنهم رسول رب العالمين، وإمام الأوّلين والآخرين، ونجيب المرسلين، وخاتم النبيّين، الذي لم يتم لنبيّ نبوة إلّا بعد التصديق به، والبشارة بمجيئه، الذي عمّ برسالته مابين الخافقين، وأظهره الله على الدين كلّه ولو كره المشركون »(١) .

١١ - الحديث لا يتناول إلّا منزلة ثابتة: قاله عبد الجبار

قال القاضي عبد الجبار في ( المغني ): « قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، لا يتناول إلّا منزلةً ثابتةً منه، ولا يدخل تحته منزلة مقدّرة، لأنّ المقدّر ليس بحاصل، ولا يجوز أن يكون منزلة، لأن وصفة بأنّه منزلة يقتضي حصوله على وجه مخصوص، ولا فرق في المقدّر بين أنْ يكون من الباب الذي كان يجب لا محالة على الوجه الذي قرّر أو لا يجب في أنّه لا يدخل تحت الكلام.

ويبيّن صحة ذلك أن قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، يقتضي منزلةً لهارون من موسى معروفة ليست بها منزلته، فكيف يصحّ أن يدخل في ذلك المقدَّر، وكقول القائل: حقّك عليَّ مثل حقّ فلان على فلان، ودينك عندي مثل دين فلان، إلى ما شاكل ذلك، في أنّه لا يتناول إلّا أمراً معروفاً حاصلاً.

وإذا ثبت ذلك، فلنا أنْ ننظر، فإنْ كانت منزلة هارون من موسى معروفة حملنا الكلام عليها، وإلّا وجب التوقّف، كما يجب مثله فيما مثّلناه من الحق والدين، ويجب أنْ ننظر، إنْ كان الكلام يقتضي الشمول حملناه عليه، وإلّا وجب التوقّف عليه، ولا يجوز أنْ يدخل تحت الكلام ما لم يحصل لهارون من المنزلة ألبتة.

وقد علمنا أنه لم يحصل له الخلافة بعده، فيجب أنْ لا يدخل ذلك تحت

___________________

(١). زهر الآداب وثمر الألباب ١ / ٩٥ - ٩٧.

٨٩

الخبر، ولا يمكنهم أنْ يقولوا بوجوب دخوله تحت الخبر على التقدير الذي ذكروه، لأنا قد بيّنا أنّ الخبر لا يتناول المقدر الذي لم يكن، وإنما يتناوله المنزلة الكائنة الحاصلة.

فإن قيل: المنزلة التي نقدّر لهارون هي كأنّما ثابتة، لأنها واجبة بالإستخلاف في حال الغيبة، وإنما حصل فيها منع وهو موته قبل موسىعليه‌السلام ، ولو لا هذا المنع لكانت ثابتة.

قيل له: إنّ الذي ذكرته إذا سلّمناه، لم يخرج هذه المنزلة من كونها غير ثابتة في الحقيقة، وإنْ كانت في الحكم كأنّها ثابتة، وقد ثبت أنّ الخبر لم يتناول المقدَّر، صحّ وجوبه أو لم يصح، فيجب أنْ نتكلَّم في صحة ما أوردته ووجوبه قد صحّ كلامنا، فلا حاجة بنا إلى منازعتك في هذه المنزلة: هل كانت تجب لو مات موسى قبله أو كانت لا تجب.

يبيّن ذلك أنهعليه‌السلام لو ألزمنا صلاةً سادسةً في المكتوبات، أو صوم شوال، لكان ذلك شرعاً ولوجب ذلك لمكان المعجز، وليس بواجب أن يكون من شرعه الآن، وإنْ كان لو أمر به للزم، وكذلك القول فيما ذكروه، وليس كلّ مقدَّر سبب وجوبه وكان يجب حصوله لو لا المانع يصح أنْ يقال إنه حاصل، وإذا تعذّر ذلك فكيف يقال إنه منزلة ».

أقول:

ومحلّ الإستشهاد ما ذكره غير مرّة وأكّده من أن هذا الحديث لا يتناول إلّامنزلةً ثابتة، ولا يدخل تحته منزلة مقدرة، لأن المقدر ليس بحاصل، وعليه، فإن نفي الإمامة الذي ليس منزلةً ثابتةً بلا كلام، ليس بداخلٍ في مدلول الحديث فيبطل ما ادّعاه الرازي والأعور و ( الدهلوي )، والحمد لله على ذلك.

٩٠

ثم إنّه قد أجاب علم الهدى السيد المرتضىرحمه‌الله عن شبهة القاضي عبد الجبار هذه، فقال:

« لم قلت إنّ ما يقدَّر لا يصح وصفه بأنه منزلة؟ فما نراك ذكرت إلّا ما يجري مجرى الدعوى! وما أنكرت من أنْ يوصف المقدر مقدراً، من أنْ يكون معروفاً يصح أنْ يشار إليه ويشبّه به غيره، لأنه إذا صحَّ وكان مع كونه مقدّراً معلوماً حصوله ووجوبه عند وجود شرطه فالإشارة إليه صحيحة والتعريف به حاصل، وقد رضينا بما ذكرته في الدِّين، لأنه لو كان لأحدنا على غيره دين مشروط يجب في وقتٍ منتظر، يصح قبل ثبوته وحصوله أن تقع الإشارة إليه ويحمل غيره عليه، ولا يمتنع من جميع ذلك فيه كونه منتظراً متوقَّعاً، ويوصف أيضاً بأنّه دين وحق، وإنْ لم يكن في الحال ثابتاً.

ومما يكشف عن بطلان قولك: إن المقدر وإنْ كان مما يعلم حصوله لا يوصف بأنه منزلة: أنَّ أحدنا لو قال: فلان مني بمنزلة زيد من عمرو في جميع أحواله، وعلمنا أن زيداً قد بلغ من الإختصاص بعمرو والقرب منه والزلفة عنده إلى حدٍ لا يسأله معه شيئاً من أمواله إلّا أجابه إليه وبذله، ثم إن المشبّه حاله بحاله لو سأل صاحبه درهماً من ماله أو ثوباً لوجب عليه - إذا كان قد حكم بأن منزلته منه منزلة من ذكرناه - أنْ يبذله له، وإنْ لم يكن وقع ممن شبّه حاله به مثل تلك المسألة بعينها، ولم يكن للقائل الذي حكينا قوله أنْ يمنعه من الدرهم والثوب، بأنْ يقول: إنّي جعلت لك منازل فلان من فلان، وليس في منازله أنّه سأله درهماً أو ثبواً فأعطاه في كل واحدة منهما، بل يوجب عليه جميعُ من سمع كلامه العطيةَ من حيث كان المعلوم من حال من جعل له مثل منزلته أنه لو سأله في ذلك كما سأل هذا اجيب إليه، وليس يلزم على هذا أن تكون الصلاة السادسة وما أشبهها من العبادات التي لو أوجبها الرسولعليه‌السلام علينا لوجب مما يجري عليها الوصف الآن

٩١

بأنها من شرعه، لأنها لم يحصل لها سبب وجوب واستحقاق، بل سبب وجوبها مقدر، بما أنها مقدرة، وليس كذلك ما أوجبناه، لأنّا لانصف بالمنزلة إلّاما حصل استحقاقه وسبب وجوبه، ولو قالعليه‌السلام صلّوا بعد سنة صلاة مخصوصة خارجة عمّا نعرف من الصلوات، لجاز أنْ يقال بل وجب أن يكون تلك الصلاة من شرعه قبل حصول الوقت، من حيث ثبت سبب وجوبها.

وبمثل ما ذكرناه سقط قول من يقول: فيجب على كلامكم أن يكون كل أحدٍ منّا إماماً على سائر الأحوال التي يجوز على طريق التقدير أنْ يحصل عليها، مثل أن يكون وصيّاً لغيره وشريكاً له ، إلى غير ذلك، لأنه على طريق التقدير يصح أنْ يكون على جميع هذه الأحوال، لوجود أسبابها وشروطها. وإنما لم يلزم جميع ما عددناه، لما قدّمنا ذكره من اعتبار ثبوت سبب المنزلة واستحقاقها، وجميع ما ذكرتم لم يثبت له سبب استحقاق ولا وجوب، ولا يصح أن يقال إنه منزلة.

ثم يقال له: ما نحتاج إلى مضايقتك في وصف المقدّر بأنه منزلة، وكلامنا يتم وينتظم من دونه، لأن ما عليه هارونعليه‌السلام من استحقاق منزلة الخلافة بعد وفاة موسىعليه‌السلام إذا كان ثابتاً في أحوال حياته، صح أنْ يوصف بأنه منزلة، وإنْ لم يصح وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة في حال الحياة، لأن التصرف في الأمر المتعلّق بحالٍ مخصوصةٍ غير استحقاقه، وأحد الأمرين منفصل عن الآخر، وإذا ثبت أنّ استحقاقه للخلافة بعد الوفاة يجري عليه الوصف بالمنزلة، ووجب حصوله لأمير المؤمنينعليه‌السلام كما تحصل لهارونعليه‌السلام ، ثبت له الإمامة بعد النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لتمام شرطها فيه، ألاترى أن من أوصى إلى غيره وجعل إليه التصرف في أمواله بعد وفاته يجب له ذلك بشرط الوفاة، وكذلك من استخلف غيره بشرط غيبته عن

٩٢

بلده ليكون نائباً عنه بعد الغيبة، تجب له هذه المنزلة عند حصوله شرطها، فحال التصرف والقيام بالأمر المفوّض غير حال استحقاقه، ولو أنّ غير الموصى أو المستخلف قال: فلان مني بمنزلة فلان من فلان، واشار إلى الموصي والموصى إليه، لوجب أن يثبت له من الإستحقاق في الحال والتصرف بعدها ما أوجبناه للأول، ولم يكن لأحدٍ أنْ يتطرّق إلى منع هذا المتصرف من التصرف إذا بقي إلى حال وفاة صاحبه، من حيث لا يوصف التصرف المستقبل بأنه منزلته قبل حضور وقته، ولا من حيث كان من شبهت حاله به لم يبق بعد الوفاة لو قدّرنا أنه لم يبق.

فإنْ قال صاحب الكتاب: إنّما صحّ ما ذكرتموه، لأن التصرف في مال الموصي والخلافة لمن استخلف في حال الغيبة، وإن لم يكونا حاصلين في حال الخطاب، ولم يوصفا بأنهما منزلتان فيما يقتضيهما من الوصيّة والإستخلاف الموجبين لاستحقاقهما، يثبت في الحال ويوصف بأنه منزلة.

قلنا: وهكذا نقول لك فيما أوجبناه من منازل هارون من موسىعليهما‌السلام لأمير المؤمنينعليه‌السلام حرفاً بحرف.

وليس له أن يخالف في أن استحقاق هارون لخلافة موسى بعد الوفاة كان حاصلاً في الحال، لأن كلامه في هذا الفصل مبني على تسليمه، وإنْ كان قد خالف في ذلك في فصلٍ استأنفه يأتي مع الكلام عليه فيما بعد.

وقد صرّح في مواضع من كلامه الذي حكيناه بتسليم هذا الموضع، لأنه بنى الفصل على أن الخلافة لو وجبت بعد الوفاة حسبما يذهب إليه لم يصح وصفها قبل حصولها بأنها منزلة، ولو كان مخالفاً في أنها مما يجب أن يحصل لاستغنى بالمنازعة عن جميع ما تكلّفه.

فقد بان من جملة ما أوردناه أن الذي اقترحه من أن الخبر لم يتناول

٩٣

المقدَّر، لم يغن عنه شيئاً، لأنا - مع تسليمة - قد بيّنا صحة مذهبنا في تأويله، وأنّ كلامه إذا صحّ لم يكن له من التأثير أكثر من منع الوصف بالمنزلة ما كان مقدراً.

وليس يضر من ذهب في هذا الخبر إلى النص الإمتناع من وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة قبل حصولها، إذا ثبت له أنها واجبة مستحقة، وأن ما يقتضيها يجب وصفه بأنه منزلة »(١) .

أقول:

ولقوة ومتانة ما ذكره السيّد في تقرير أنّ استحقاق هارونعليه‌السلام الخلافة عن موسىعليه‌السلام منزلة ثابتة لا مقدّرة

فقد عجز الفخر الرازي عن الجواب عنه بعد إيراده له وهذا نصّ عبارته:

« الثاني: أن لا ندعي خلافة هارون لموسىعليهما‌السلام في الرسالة، فلا شك أنّه لو بقي بعد وفاته لقام مقامه في كونه مفترض الطاعة. وذلك القدر كاف في المقصود، لأنه لمـّا دلّ الحديث على أنّ حال علي كحال هارون في جميع المنازل، وكان من منازل هارون استحقاقه القيام مقام في وجوب الطاعة، وجب أنْ يكون علي كذلك، ولا معنى للإمامة إلّا ذلك.

لا يقال: الحديث لا يتناول إلّا المنازل الثابتة دون المقدّرة، وإمامة هارون بعد موسىعليهما‌السلام ما كانت حاصلة، بل كانت مقدرة، فلا يتناولها الحديث.

____________________

(١). الشافي في الامامة ٣/٢٠ - ٢٣.

٩٤

لأنا نقول: إستحقاق هارون القيام مقام موسىعليه‌السلام بعد وفاته منزلة ثابتة في الحال، لأن استحقاق الشيء قد يكون حاصلاً وإنْ كان المستحق متأخراً »(١) .

فهو لم يجب على قول السيد: « لأنّا نقول: استحقاق هارون » بشيء - كما لا يخفى على من راجعه - وأمّا شبهاته على المواضع الأخرى من الكلام، فسيأتي ذكرها وبيان وهنها.

١٢ - دعوى الدلالة على نفي الخلافة فرض وتقدير

ويظهر من كلام القاضي أنّ دعوى دلالة الحديث على نفي الإمامة إنما هي على سبيل الفرض والتقدير، وأنّه ليست هذه الدلالة ثابتة حقيقة فإنه قال: « على أنّه لو جعل ذلك دلالة على ضدّ ما قالوه - بأنْ يقال: لم يكن لهارون من موسىعليه‌السلام منزلة الإمامة بعده ألبتة، فيجب إذا كان حال علي من النبي حال هارون من موسى أن لا يكون إماماً بعده - لكان أقرب ممّا تعلّقوا به، لأنهم راموا إثبات منزلة مقدّرة ليست حاصلة بهذا الخبر.

فإنْ ساغ لهم ذلك، ساغ لمن خالفهم أنْ يدّعي أنْ الخبر يتناول نفي الإمامة بعد الرسولعليه‌السلام ، من حيث لم يكن ذلك لهارونعليه‌السلام من موسى بعده.

ومتى قالوا: ليس ذلك مما يعدّ من المنازل فيتناوله الخبر.

قلنا بمثله في المقدَّر الذي ذكروه ».

فصريح كلامه أنّ هذه الدعوى إنما تذكر على سبيل الفرض والتقدير من جانب المخالفين إلزاماً للإمامية فلا حقيقة لهذه الدعوى وهذا ما نريد

___________________

(١). نهاية المعقول - مخطوط.

٩٥

إثباته ردّاً على ( الدهلوي ).

لكنَّ الإلزام المذكور خيال محض وتوهّم باطل كما ستعرف من كلمات السيد المرتضىرحمه‌الله .

١٣ - إستحقاق الخلافة منزلة ثابتة لهارون

فلقد قال السيد في رد كلام القاضي المذكور: « فأما ادّعاؤه اقتضاء الخبر لنفي الإمامة من حيث لم يكن هارون بعد وفاة موسى إماماً، وقوله أنه لم يكن بهذه الصفة منزلة، فبعيد من الصواب.

لأن هارون وإنْ لم يكن خليفةً لموسى بعد وفاته، فقد دلّلنا على أنه لو بقي لخلفه في اُمّته، وإن هذه المنزلة وإنْ كانت مقدرةً تصح أن تعدّ في منازله، وأن المقدّر لو تسامحنا بأنّه لا يوصف بالمنزلة، لكان لا بد من أن يوصف ما هو عليه من استحقاق الخلافة بعده بأنه منزلة، لأنّ التقدير وإنْ كان في نفس الخلافة بعده، فليس هو في استحقاقها، وما يقتضي وجوبها، وإذا ثبت ذلك فالواجب فيمن شبّهت حاله بحاله، وجعل له مثل منزلته إذا بقي إلى بعد الوفاة أنْ تجب له الخلافة، ولا يقدح في ثبوتها له أنّها لم تثبت لهارون بعد الوفاة »(١) .

١٤ - عدم صحّة القول بأن فلاناً بمنزلة فلان في أنه ليس كذا

وقالرحمه‌الله في جوابه: « ولو كان ما ذكره صحيحاً لوجب فيمن قال لوكيله: أعط فلاناً في كلّ شهر إذا حضرك ديناراً. ثم قال في الحال أو بعدها بمدّةٍ: وأنزل فلاناً منزلته. ثم قدّرنا أن المذكور الأول لم يحضر المأمور لعطيته ولم يقبض ما جعله له من الدينار أنْ يجعل الوكيل - إنْ كان الأمر على ما ادّعاه

___________________

(١). الشافي في الإمامة ٣: ٣٤.

٩٦

صاحب الكتاب - تأخّر المذكور الأول طريقاً إلى حرمان الثاني العطيّة، وأنْ يقول له: إذا كنت إنما أنزلت منزلة فلان، وفلان لم يحصل له عطية، فيجب أن لا يحصل لك أيضاً. وفي علمنا بأنه ليس للوكيل ولا غيره منع من ذكرنا حاله، ولا أنْ يعتلَّ في حرمانه بمثل علة صاحب الكتاب.

دليل آخر على بطلان هذه الشبهة:

على أن النفي وما جرى مجراه لا يصح وصفه بأنه منزلة، وإنْ صحّ وصف المقدّر الجاري مجرى الإثبات بذلك، إذا كان سبب استحقاقه ووقوعه ثابتاً. ألاترى أنه لا يصح أن يقول أحدنا: فلان منّي بمنزلة فلان من فلان في أنّه ليس بأخيه ولا شريكه ولا وكيله ولا فيما جرى مجراه من النفي، وإنْ صحّ هذا القول فيما يجري مجرى المقدر من أنه إذا شفع إليه شفّعه، وإذا سأله أعطاه، ولا يجعل أحد أنه لم يشفع إذا كان ممّن لو شفع يشفع منزلةً يقتضي فيمن جعل له مثل منزلته لإيجاب شفاعته »(١) .

١٥ - المنزلة هي المرتبة وهي الأمر الثابت

ثم إن ( الدهلوي ) جهل - على إمامته المزعومة في العلوم المختلفة! - معنى « المنزلة » فلو علم معنى هذه الكلمة ولو بالرجوع إلى كتب اللغة لم يتطرّق إلى هذه الشبهة، ولم يتفوّه بتلك الدعوى

قال الجوهري: « المنزلة: المرتبة، لا تجمع، واستنزل فلان أي حطَّ عن مرتبته »(٢) .

وقال: « الرتبة المنزلة، وكذلك المرتبة، قال الأصمعي: المرتبة المرقبة،

___________________

(١). الشافي في الامامة ٣: ٣٤ - ٣٥.

(٢). الصحاح في اللغة - نزل ٥: ١٨٢٨ - ١٨٢٩.

٩٧

وهي أعلى الجبل. وقال الخليل: المراتب في الجبل والصحاري هي الأعلام التي ترتب فيها العيون والرقباء، وتقول: رتّبت الشيء ترتيباً. ورتّب الشيء يرتّب رتوباً. أي ثبت، يقال: رتّب رتوب الكعب أي انتصب انتصابه، وأمر راتب أي دارٌّ ثابت »(١) .

وقال الفيروزابادي: « رتب رتوباً: ثبت ولم يتحرك، كترتب، ورتّبته أنا ترتيباً، والترتب كقنفذ وجندب: الشيء المقيم الثابت، وكجندب الأبد والعبد السوء والتراب، ويضم، وكذا جاؤا ترتّباً جميعاً، واتّخذ ترتّبةً كطرطّبة، أي شبه طريق يطؤه، والرتبة بالضم والمرتبة: المنزلة »(٢) .

وقال ابن الأثير: « وفيه: من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها. المرتبة: المنزلة الرفيعة. أراد بها الغزو والحج ونحوهما من العبادات الشاقّة، وهي مفعلة من رتب إذا انتصب قائماً. والمراتب جمعها »(٣) .

إذن، « المرتبة » مشتقة من « رتب » بمعنى « ثبت » فالأمر غير الثابت لا يدخل في مدلول « المرتبة »، و « المنزلة » لكونها هي بمعنى « المرتبة » لا يدخل في مدلولها الأمر غير الثابت.

وعليه، فإنّ الحديث بنفسه ينفي أن يكون دالّاً على نفي الخلافة.

وأيضاً: في كلام ابن الأثير وغيره تفسير « المرتبة » بـ « المنزلة الرفعية » فمنه ومن تفسير الجوهري « المنزلة » بـ « المرتبة » يظهر أخذ « الرفعة » في مفهوم « المنزلة » وهل في نفي الخلافة رفعة كي يدل عليه الحديث؟!

وأيضاً، قد فسّر الفيروزابادي « المنزلة » بـ « الدرجة » حيث قال:

___________________

(١). الصحاح: رتب ١ / ١٣٣.

(٢). القاموس: رتب ١ / ٧١.

(٣). النهاية في غريب الحديث: رتب ٢ / ١٩٣.

٩٨

« والمنزلة موضع النزول والدرجة »(١) .

والمراد من « الدرجة » هو « المنزلة الرفيعة » كما قال الراغب: « الدرجة المنزلة، لكن يقال للمنزلة درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الإمتداد على البسيط كدرجة السطح والسلّم، ويعبّر بها عن المنزلة الرفيعة. قال الله تعالى:( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) بيّنها لرفعة منزلة الرجال عليهنّ في العقل والسياسة ونحو ذلك من المشار إليه بقوله:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (٢) ».

وبالجمع بين العبارتين، يظهر أن « الرفعة » مأخوذة في « المنزلة »، فلا يكون الحديث دالّاً على نفي الخلافة، لعدم وجود الرفعة في هذا النفي بل بالعكس، كما هو واضح.

هذا، ومن غرائب الاُمور: أن الرازي في كتبه الحكمية يشنّع على القائلين بثبوت الأمر المعدوم، حتى أنه يخرجهم عن زمرة العقلاء وفي هذا المقام يقع في تلك البليّة ويجعل نفي الخلافة مصداقاً للمنزلة التي هي بمعنى الأمر الثابت!!

يقول الرازي: « الفصل التاسع في أن المعدوم ليس بثابت. فإنَّ قوماً ممّن عمشت بصائرهم في حقائق الأبحاث المتعلّقة بالوجود والعدم، زعموا أن ما ليس بموجود ينفسم إلى ما يكون ممتنع الوجود، وإلى ما لا يكون، فإنْ كان ممتنع الوجود فهو النفي الصرف، وإنْ كان ممكن الوجود فإنه يكون عند كونه معدوماً ثابتاً. وزعموا أنّه موصوف بصفاتٍ ثابتة حالة العدم، وتلك الصّفات لا موجودة ولا معدومة ».

وإذا كان المعدوم لا يتّصف بالثبوت، فإن نفي الخلافة لا يتّصف بذلك

___________________

(١). القاموس المحيط: نزل ٤ / ٥٦.

(٢). المفردات في غريب القرآن: درج ٣١٠. الطبعة المحققة.

٩٩

فنفي الخلافة لا يكون منزلةً بمعنى المرتبة، إذا المرتبة تدل على الثبوت كما عرفت.

قال: « على أن كلّ ذلك براهين أوردناها في الموضع البديهيّ الأوّلي الفساد، فإنّا قد بيّنا أن الوجود هو نفس الحصول في الأعيان، ومن جعل هذا الحصول مجامعاً للّاحصول، فقد خرج من غَريزة العقل »(١) .

فيكون الرازي ومن تبعه في دعوى دلالة الحديث على نفي الخلافة خارجين عن غريزة العقل.

١٦ - حديث المنزلة في حق الشيخين

ثم إنّ دعوى دلالة الحديث المنزلة على سلب الخلافة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، يبطل خلافة خلفاء القوم وهذا ما يجعلهم بين أمرين، فإمّا رفع اليد عن الدعوى المذكورة، وإمّا الإلتزام بسلب الخلافة عن الشيخين وثالثهما وذلك، لأنه إذا كان تشبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام بهارون وكونه بمنزلته موجباً لسلب الخلافة عنه بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنها أيضاً تسلبهما عن الشيخين والثالث لأنهم وضعوا حديث المنزلة في حق الشيخين ونزّلوهما منزلة هارونعليه‌السلام فقد روى المنّاوي عن الخطيب البغدادي أنه روى:

« أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) .

___________________

(١). المباحث المشرقية. الباب الأول من الكتاب الأول ١ / ١٣٤ - ١٣٦.

(٢). كنوز الحقائق ط هامش الجامع الصغير.

١٠٠