نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ٢٠

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار0%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 430

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

مؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني
تصنيف:

الصفحات: 430
المشاهدات: 85295
تحميل: 1877


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 430 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 85295 / تحميل: 1877
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء 20

مؤلف:
العربية

عبدٍ حتّى يسأل عن أربعة: عن جسده فيم أبلاه، وعمره فيم أفناه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت. قيل: يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ فضرب بيده على منكب عليّرضي‌الله‌عنه .

رواه الطبراني في الأوسط »(1) .

أقول:

أوّلاً: لم يتكلّم في سند الحديث الثاني، مع أنّه تكلم في الأوّل.

وثانياً: السائل: « يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ » هو: « عمر بن الخطّاب »، وقد جاء هنا: « قيل ».

وثالثاً: في ذيله: « وآية حبّي حبّ هذا من بعدي »؛ ولم يذكره.

ورابعاً: كلامه في « حسين الأشقر » مردود، وقد أوضحنا وثاقة هذا الرجل في بحث آية المودّة وسيأتي أيضاً في الآية:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) .

و « عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع: عن علمه ما عمل به، وعن ماله مما اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن حب أهل البيت. فقيل: يا رسول الله! ومن هم؟ فأومأ بيده إلى علي بن أبي طالب ».

أقول:

أخرجه ابن عساكر، « عن مشايخه، عن الباغندي، عن يعقوب بن

__________________

(1) مجمع الزوائد 10 / 346، وانظر: المعجم الكبير 11 / 83 رقم 11177، والمعجم الأوسط 9 / 264 - 265 رقم 9406، و 3 / 9 رقم 2212.

٣٨١

إسحاق الطوسي، عن الحارث بن محمّد المكفوف، عن أبي بكر بن عياش، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ »(1) .

ولا مساغ للطعن في هذا الحديث سنداً.

نعم، هو من حيث المتن والدلالة ممّا لا تحتمله نفوس القوم، ولذا تراهم يصفونه بالبطلان، من غير جرح لأحدٍ من رواته!!

فقد عنون الذهبي في ميزانه « الحارث بن محمّد المعكوف(2) » ولم يجرحه بشيء، إلاّ أنّه قال ما نصّه: « أتى بخبر باطل، حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ مرفوعاً: لا تزول قدما عبدٍ حتّى يسأل عن حبّنا أهل البيت، وأومأ إلى عليّ. رواه أبو بكر ابن الباغندي، عن يعقوب بن إسحاق الطوسي، عنه ». إنتهى(3) .

أكتفي بهذا لئلاّ يطول بنا البحث، كما أكتفي بالإشارة إلى أنّ للقوم في هذا الحديث تصرّفاتٍ، لا بُدّ من التحقيق عنه ممّن كان أهلاً لذلك.

* حديث: لا يجوز الصراط إلاّمن معه كتابُ ولاية عليٍ

ونذكر بعض ما ورد في هذا الباب:

1 - حديث أمير المؤمنين رواه الحافظ أبو الخير الحاكمي الطالقاني، قال: « وبه قال الحاكم وعن عليّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنّم، ما جازها أحد حتّى كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب »(4) .

__________________

(1) تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام - 2 / 161.

(2) كذا، لكن في لسان الميزان 2 / 159، وتاريخ دمشق: « المكفوف ».

(3) ميزان الاعتدال 1 / 443.

(4) كتاب الأربعين المنتقى من مناقب علي المرتضى: الباب الثالث والثلاثون الحديث رقم 40.

٣٨٢

2 - حديث الإمام جعفر بن محمّد الصادق رواه مالك بن أنس، عنه، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول الله صلى عليه وآله وسلّم، قال: « إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنّم، لم يجز أحد إلاّمن كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب ».

روى هذا الحديث: شيخ الإسلام الحمويني بسنده، عن الحافظ البيهقي، عن الحاكم النيسابوري بسنده، عن إبراهيم بن عبدالله الصاعدي، عن ذي النون المصري، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمّد(1) .

أقول:

وهذا الحديث أيضاً لا مجال للطعن في سنده، ولذا ذكره بعض المتعصّبين ووصفه بكونه « خبراً باطلاً متنه »(2) ، وادّعى بعضهم أن راويه « إبراهيم بن عبدالله الصاعدي »، « متروك الحديث »(3) ، لكنّه جرحٌ بلا ذِكر سبب، وما هو إلاّرواية مثل هذا الحديث ...

هذا، وقد تابعه « الهيثم بن أحمد الزيداني »، قال الحافظ أبو نعيم: « حدّث سوار بن أحمد، ثنا علي بن أحمد بن بشر الكسائي، ثنا أبو العبّاس الهيثم بن أحمد الزيداني، ثنا ذو النون بن إبراهيم المصري، ثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على ظهراني جهنّم، لا يجوزها ولا يقطعها إلاّمن كان معه جواز بولاية علي بن أبي طالب »(4) .

__________________

(1) فرائد السمطين 1 / 289.

(2) ميزان الإعتدال 1 / 443.

(3) الموضوعات - لابن الجوزي - 1 / 399.

(4) أخبار أصبهان 1 / 341.

٣٨٣

3 - حديث أنس بن مالك قال الفقيه ابن المغازلي: « أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبدالوهّاب - إذناً -، عن القاضي أبي الفرج أحمد بن علي، قال: حدّثنا أبو غانم سهل بن إسماعيل بن بلبل، حدّثنا أبو القاسم الطائي، حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابي، حدّثني العباس بن بكّار، عن عبدالله بن المثنّى، عن عمه ثمامة بن عبدالله بن أنس، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم، لم يجز إلاّمن معه كتاب ولاية عليّ بن أبي طالب »(1) .

4 - حديث عبدالله بن مسعود رواه عنه الحسن البصري، فروى الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي بإسناده، عن الحسن البصري، عن عبدالله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « إذا كان يوم القيامة، يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنّة، وفوقه عرش رب العالمين، ومن سفحه تتفجّر أنهار الجنّة وتتفرّق في الجنان - وهو جالس على كرسي من نور، يجري من بين يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط إلاّومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنة، فيدخل محبيه الجنّة ومبغضيه النار »(2) .

5 - حديث عبدالله بن عبّاس رواه عنه سعيد بن جبير، رواه الحافظ الحاكم الحسكاني، وقد تقدّم نصه قريباً ..

ورواه عنه مجاهد، رواه ابن المغازلي، عن الغندجاني بسنده، عن طريق السدّي إلى يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « عليّ يوم القيامة على الحوض، لا يدخل الجنّة إلاّ من

__________________

(1) مناقب علي بن أبي طالب: 243.

(2) مناقب علي بن أبي طالب: 31.

٣٨٤

جاء بجواز من عليّ بن أبي طالب »(1) .

ورواه عنه طاووس، قال ابن عساكر: « قال الخطيب: وأنبأنا أبو نعيم الحافظ: أنبأنا أبو بكر محمّد بن فارس المعبدي ببغداد، حدّثني أبي فارس بن حمدان بن عبدالرحمن، حدّثني جدّي، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: قلت للنبيّ: يا رسول الله! هل للنار جواز؟! قال: نعم. قلت: وما هو؟! قال: حبّ علي بن أبي طالب » ..

قال ابن عساكر: « قال الخطيب: سألت أبا نعيم عنه فقال: كان رافضياً غالياً في الرفض، وكان أيضاً ضعيفاً في الحديث. قال الخطيب: محمّد بن فارس بن حمدان أبو بكر العطشي، ويعرف بالمعبدي »(2) .

6 - حديث أبي بكر بن أبي قحافة قال الحافظ محبّ الدين الطبري: « ذِكر اختصاصه -رضي‌الله‌عنه - بأنّه لا يجوز أحد الصراط إلاّمن كتب له عليّ الجواز، عن قيس بن أبي حازم، قال: التقى أبو بكر وعليّ بن أبي طالب. فتبسّم أبو بكر في وجه عليّ. فقال له: مالك تبسّمت؟ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا يجوز أحد الصراط إلاّمن كتب له عليّ الجواز. أخرجه ابن السمّان في كتاب الموافقة »(3) .

أقول:

ذكر الحافظ ابن حجر « قيس بن أبي حازم » ووثّقه، وجعل عليه علامة الكتب الستّة، قال: « ويقال: له رؤية »(4) .

__________________

(1) مناقب علي بن أبي طالب: 119.

(2) تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام - 2 / 104.

(3) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 71.

(4) تقريب التهذيب 2 / 127.

٣٨٥

الشاهد لحديث الجواز

ثمّ إنّه يشهد لحديث: « لا يجوز أحد الصراط إلاّومعه كتاب بولاية علي » أحاديث كثيرة، من أشهرها حديث: « علي قسيم الجنّة والنار »، رواه الدارقطني، وابن عساكر، وابن المغازلي، وابن حجر المكّي، والمتّقي الهندي، وكثيرون من أعلام المحدثين غيرهم.

*ما ورد بتفسير قوله تعالى: ( واسأل من أرسلنا من قبلك )

وممّا يؤكّد المطلب ما جاء في جملة من كتب الفريقين بتفسير هذه الآية المباركة، ونحن نوضّح ذلك على ضوء كتب العامّة فحسب فنقول:

ظاهر هذه الآية أنّها أمر من الله تعالى لرسوله أن يسأل المرسَلين الّذين أُرسلوا إلى أُممهم من قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ...

فهذا أمرٌ من الله، والمأمور بالسؤال هو: النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمسؤول منهم: المرسَلون السابقون، والسؤال ما هو؟

فهاهنا أسئلة:

كيف يسأل الرسلَ وقد ماتوا قبله؟!!

وهل سألهم أو لا؟!!

وعلى الأوّل، فما كان السؤال؟! وما كان جوابهم؟!

وهذا الموضع من المواضع التي اضطربت فيها كلمات القوم بشدّة واختلفت اختلافاً كبيراً:

يقول ابن الجوزي في تفسيره: « إن قيل: كيف يسأل الرسل وقد ماتوا قبله؟ فعنه ثلاثة أجوبة:

٣٨٦

أحدها: إنّه لمّا أُسري به، جُمع له الأنبياء فصلّى بهم، ثمّ قال له جبريل:( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) الآية فقال: لا أسأل، قد اكتفيت ..

رواه عطاء عن ابن عبّاس، وهذا قول سعيد بن جبير، والزهري، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أُسري به فلقيهم، وأُمر أن يسألهم، فما شكّ ولا سأل.

والثاني: إنّ المراد: اسأل مؤمني أهل الكتاب من الّذين أُرسلت إليهم الأنبياء ..

روي عن ابن عبّاس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، والسدّي، في آخرين. قال ابن الأنباري: والمعنى: سل أتباع من أرسلنا قبلك، كما تقول: السخاء حاتم، أي: سخاء حاتم، والشعر زهير. أي: شعر زهير. وعند المفسّرين إنّه لم يسأل على القولين. وقال الزجّاج: هذا سؤال تقرير، فإذا سأل جميع الأُمم لم يأتوا بأنّ في كتبهم: أن اعبدوا غيري.

والثالث: إنّ المراد بخطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: خطاب أُمّته، فيكون المعنى: سلوا. قاله الزجّاج ».

هذا تمام ما ذكره ابن الجوزي(1) .

أقول:

فهذه ثلاثة أجوبة - وتجدها في التفاسير الأُخرى أيضاً - أُولاها حملٌ على ظاهر الآية؛ فهو جواب على الحقيقة، والتاليان حملٌ على خلاف الظاهر، فهما جوابان على المجاز ولعلّ المختار عند ابن الجوزي - بقرينة التقديم في الذِكر - هو الأوّل. واختار الآلوسي الجواب الثاني كما سيأتي،

__________________

(1) زاد المسير 7 / 138 - 139.

٣٨٧

وعندهم أجوبةٌ أُخرى على المجاز، وهي باختصار:

1 - إنّ الخطاب للنبيّ، والسؤال مَجاز عن النظر في أديانهم: هل جاءت عبادة الأوثان قطّ في مِلّةٍ من ملل الأنبياء؟!(1) وهو الذي اختاره الزمخشري، وتبعه بعضهم كالنسفي، ثمّ قال الزمخشري: « وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لِما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنّهم يعبدون من دون الله ما لم ينزّل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها »(2) .

أقول: فلمَ أُمرَ بالسؤال؟!

2 - إنّ الخطاب ليس للنبيّ، بل هو للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات، فقيل له: اسأل أيّها الناظر أتباع الرسل، أجاءت رسلهم بعبادة غير الله؟! فإنّهم خبرونك أنّ ذلك لم يقع، ولا يمكن أن يأتوا به، واختاره أبو حيّان الأندلسي(3) .

أقول كما قال الآلوسي فيه: ولعمري إنّه خلاف الظاهر جدّاً.

3 - إنّ الخطاب للنبيّ، والسؤال على الحقيقة، لكنّ المسؤول هو الله تعالى، فالمعنى: واسألنا عن من أرسلنا ...

نقله أبو حيّان عن بعضهم واستبعده.

وقال الآلوسي: « وممّا يقضى منه العجب ما قيل » ثمّ قال: « واسأل من قرأ أبا جاد، أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك؟! ».

أقول: لا يرضى به قطعاً.

__________________

(1) تفسير الرازي 27 / 216، البحر المحيط 9 / 377، روح المعاني 25 / 86.

(2) الكشّاف 4 / 254. وانظر: تفسير النسفي - مدارك التنزيل - هامش الخازن 4 / 106، فقد قال بالعبارة عينها دون ذِكر الزمخشري!

(3) البحر المحيط 9 / 377.

٣٨٨

هذه نماذج من كلمات أئمّة القوم.

ولا يخفى اضطراب القوم في تفسير الآية المباركة، إن أبقوها على ظاهرها، فبمَ يجيبون عن الأسئلة؟!

وإن أرادوا التخلّص من الجواب عنها، حملوا الآية على المجاز، وهو بابٌ واسع، وقد رأيت كيف يردّ بعضهم على الآخر في ما اختار!

وابن كثير الدمشقي لم يلتفت إلى شيءٍ من هذه الأسئلة، فلم يبيّن المخاطب بالآية، ولا السؤال، ولا المسؤول وإنّما قال:

« وقوله سبحانه وتعالى:( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا ) أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله جلّت عظمته:( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (1) .

فهكذا فسر الآية ليكون في فسحةٍ من المشكلة وطلباً للراحة منها، ثمّ ذكر القولين الآتيين.

وبعد .. .

فالمهمّ من هذه الأقوال كلّها قولان، ولذا لم يذكر غير واحدٍ منهم - كابن كثير والشوكاني - غيرهما:

أحدهما: إنّ المراد سؤاله الأنبياء، لمّا أُسري به عند ملاقاته لهم

قالوا: وهذا قول المتقدّمين منهم، كسعيد بن جبير، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورووا عن عطاء، عن ابن عبّاس: « فقال: لا أسأل، قد اكتفيت ».

والآخر: إنّ المراد سؤاله الأُمم، والمؤمنين من أهل الكتاب، من الّذين

__________________

(1) تفسير ابن كثير 4 / 115.

٣٨٩

أرسلت إليهم الأنبياء

وهذا القول حكوه عن ابن عبّاس كذلك، وعن مجاهد وقتادة والضحّاك والسدّي في آخرين، كما قال ابن الجوزي، واختاره ابن جرير الطبري، وكثير من المتأخّرين - كالآلوسي -، بل في الوسيط للواحدي(1) وتفسير البغوي نسبته إلى أكثر المفسرين، قال البغوي: « يدل عليه قراءة عبدالله وأُبيّ: واسأل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا »(2) لكنّ ابن كثير قال: « وهذا كأنّه تفسير لا تلاوة. والله أعلم »(3) .

وهذان القولان هما الأوّل والثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها ابن الجوزي بتفسيره فهل سألصلى‌الله‌عليه‌وآله أو لا؟! وعلى تقدير السؤال، فما كان الجواب؟!

قال ابن الجوزي: « وعند المفسّرين أنّه لم يسأل، على القولين »(4) .

أقول:

فلا جواب عندهم عن السؤال، أو أنّ هناك جواباً صحيحاً مطابقاً لظاهر الآية - ولا خروج فيه عن الحقيقة إلى المجاز - مشتملاً على جميع جوانب المسألة، ولكنّهم لا يريدون التصريح به والإفصاح عنه؟!

إنّ هذا الموقف من ابن الجوزي وأمثاله لَيذكّرنا بموقفهم من حديث « الأئمّة بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش »؛ إذ يشرّقون ويغرّبون، ويختلفون ويضطربون حتّى قال ابن الجوزي: « قد أطلت البحث عن معنى هذا

__________________

(1) الوسيط في تفسير القرآن 4 / 75.

(2) معالم التنزيل 5 / 102.

(3) تفسير ابن كثير 4 / 115.

(4) زاد المسير 7 / 139.

٣٩٠

الحديث وتطلّبت مظانّه وسألت عنه، فلم أقع على المقصود »(1) ..

وما كلّ ذلك إلاّلأنّهم لا يريدون الإعتراف بالحقيقة.

والعجيب، أنّهم في تفسير الآية( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا ) يستدلّون بما يروون عن عبدالله بن مسعود من أنّه قرأها: « وسئل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا » ثمّ يتنازعون هل هو قراءة أو تفسير! ولا يعبأون بحديثٍ مسندٍ مرويّ عندهم عن عبدالله بن مسعود عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في معنى الآية المباركة!!

بل القائلون بالقول الأوّل - من هذين القولين - لا يستندون في قولهم إلى هذا الحديث، مع أنّهم بأشدّ الحاجة إليه في بيان معنى الآية وإثبات قولهم في تفسيرها!!

وما كلّ ذلك إلاّلاشتماله على ولاية أمير المؤمنين!!

الحديث كما رواه جماعة من أكابر المحدثين الحفاظ

*رواه الحاكم، قال: « حدّثنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر الحافظ، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن غزوان، قال: ثنا علي بن جابر، قال: ثنا محمّد بن خالد بن عبدالله، قال: ثنا محمّد بن فضيل، قال: ثنا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد، قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عبدالله! أتاني ملك فقال: يا محمّد!( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) على ما بعثوا؟ قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.

قال الحاكم: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن

__________________

(1) فتح الباري في شرح البخاري - للحافظ ابن حجر - 13 / 181.

٣٩١

فضيل، ولم أكتبه إلاّعن ابن المظفّر، وهو عندنا حافظ ثقة مأمون »(1) .

فالآية باقية على ظاهرها، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سأل، وكان الجواب: بعث الأنبياء على ولايته وولاية عليٍّ عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام.

*ورواه الثعلبي، قال: « أخبرنا الحسين بن محمّد الدينوري، حدّثنا أبو الفتح محمّد بن الحسين بن محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي، حدّثنا عبد بن محمّد بن غزوان البغدادي، حدّثنا علي بن جابر، حدّثنا محمّد بن خالد بن عبدالله ومحمّد بن إسماعيل، قالا: حدّثنا محمّد بن فضيل، عن محمّد ابن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أتاني ملك فقال: يا محمّد! »(2) .

*ورواه ابن عساكر، قال: « أخبرنا أبو سعد بن أبي صالح الكرماني وأبو الحسن مكّي بن أبي طالب الهمداني، قالا: أنبأنا أبو بكر ابن خلف، أنبأنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ، حدّثني محمّد بن مظفّر الحافظ » إلى آخر ما تقدّم عن الحاكم(3) .

*ورواه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، كما في تنزيه الشريعة عن الحافظ ابن حجر، وفي غير واحد من كتب أصحابنا أنّه روى بإسناده في هذه الآية، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة أُسري به جمع الله تعالى بينه وبين الأنبياء، ثمّ قال: سلهم يا محمّد! على ماذا بُعثتم؟ فقالوا: بُعثنا على شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وعلى الإقرار بنبوّتك، والولاية لعليّ بن أبي طالب(4) .

__________________

(1) معرفة علوم الحديث: 96.

(2) تفسير الثعلبي - مخطوط.

(3) تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنين - 2 / 97.

(4) الطرائف في معرفة الطوائف 1 / 101، البرهان في تفسير القرآن 4 / 148، غاية المرام: 249، خصائص الوحي المبين: 153.

٣٩٢

* ورواه الحافظ ابن حجر العسقلاني من جهة الحاكم، قال: ورواه أبو نعيم، وستأتي عبارة ابن حجر.

* ورواه الحافظ ابن عبدالبرّ القرطبي، على ما نقل عنه العلاّمة الحلّي(1) ، والشيخ يحيى بن البطريق(2) .

* ورواه الحاكم الحسكاني، قال: « حدّثنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ، قال: حدّثني محمّد بن المظفّر » إلى آخر ما تقدّم ...

قال: « وأخبرنا أبو عثمان الحيري من أصله العتيق، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر سواءً لفظاً، ولم يذكر علقمة في الإسناد ».

« حدّثني أبو الحسن الفارسي، حدّثنا عمر بن أحمد، حدّثنا علي بن الحسين بن سفيان الكوفي، حدّثنا جعفر بن محمّد أبو عبدالله الحسيني، حدّثنا علي بن إبراهيم العطّار، حدّثنا عباد، عن محمّد بن فضيل، عن محمّد بن سوقة ».

قال: « وحدّثنا أبو سهل سعيد بن محمّد، حدّثنا علي بن أحمد الكرماني، حدّثنا أحمد بن عثمان الحافظ، حدّثنا عبيد بن كثير، حدّثنا محمّد ابن إسماعيل الأحمسي، حدّثنا ابن فضيل، عن محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

لمّا أُسري بي إلى السماء إذا ملك قد أتاني فقال لي: يا محمّد! سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا. قلت: معاشر الرسل والنبيّين! على ما بعثكم الله؟ قالوا: على ولايتك يا محمّد وولاية عليّ بن أبي طالب.

__________________

(1) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة آخر الطبعة القديمة من منهاج السنّة: 79 - 80.

(2) خصائص الوحي المبين: 98.

٣٩٣

ورواه غير علي، عن محمّد بن خالد الواسطي، وتابعه محمّد بن إسماعيل ..

أخبرنيه الحاكم أبو عبدالله، حدّثني أبو سعيد أحمد بن محمّد بن رحيم النسوي، حدّثنا أبو محمّد الحسن بن عثمان الأهوازي، حدّثنا محمّد بن خالد ابن عبدالله الواسطي، حدّثنا محمّد بن فضيل، حدّثنا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، قال: قال لي النبيّ به لفظاً سواءً »(1) .

*ورواه الموفّق بن أحمد المكّي، قال: « وأخبرني شهردار - إجازةً -، أخبرني أحمد بن خلف - إجازةً -، حدّثني محمّد بن المظفّر الحافظ، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن غزوان، حدّثنا علي بن جابر » إلى آخر ما تقدّم سواء(2) .

*ورواه الحمويني، عن شهردار بن شيرويه الحافظ، عن أحمد بن خلف، عن الحاكم، عن ابن المظفّر الحافظ كما تقدّم سواء(3) .

*ورواه أبو عبدالله الكنجي، قال: « قرأت على الحافظ أبي عبدالله ابن النجّار، قلت له: قرأت على المفتي أبي بكر بن عبدالله بن عمر الصفّار، قال: أخبرتنا الحرّة عائشة بنت أحمد الصفّار، أخبرنا أحمد بن علي الشيرازي، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبدالله النيسابوري، حدّثني محمّد بن المظفر الحافظ » إلى آخر ما تقدّم سواء(4) .

أقول:

هذا في الحديث عن ابن مسعود.

__________________

(1) شواهد التنزيل 2 / 222 - 225.

(2) مناقب عليّ بن أبي طالب: 220. والظاهر سقوط الحاكم بين أبي خلف وابن المظفّر.

(3) فرائد السمطين 1 / 81.

(4) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: 75.

٣٩٤

وهو أيضاً عن عبدالله بن عبّاس:

*قال القندوزي الحنفي: « أيضاً رواه الديلمي، عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما »(1) .

وهو أيضاً عن أبي هريرة:

*قال شهاب الدين أحمد الخنجي: « عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمّا أُسري بي ليلة المعراج، فاجتمع عَلَيّ الأنبياء، فأوحى الله إليّ: سلهم يا محمّد! بماذا بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله، وعلى الإقرار بنبوّتك، والولاية لعليّ بن أبي طالب.

أورده الشيخ المرتضى، العارف الربّاني، السيّد شرف الدين علي الهمداني في بعض تصانيفه، وقال: رواه الحافظ أبو نعيم »(2) .

أقول:

هذا، وهو مروي عند أصحابنا عن أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين عليهم الصلاة والسلام(3) .

وتلخّص:

إنّ الصحيح في الآية المباركة إبقاؤها على ظاهرها، وتفسيرها بهذا الحديث المروي في كتب الفريقين عن أمير المؤمنين وعدّة من الأصحاب، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(1) ينابيع المودة 1 / 244.

(2) توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل - مخطوط.

(3) كنز الدقائق في تفسير القرآن 11 / 547.

٣٩٥

والأشهر من بين الأحاديث في الباب هو حديث عبدالله بن مسعود، فقد ورد في كتبٍ كثيرة من كتب أهل السنّة، ولهم به أسانيد عديدة، وفي الرواة عدّة من أعلام الحفّاظ، والأئمّة الثقات.

يقول ابن تيميّة: « إنّ مثل هذا ممّا اتّفق أهل العلم على أنّه كذب موضوع » ..

وليت شعري! فلماذا اتّفق هذا الجمع من الحفّاظ والمحدّثين على روايته؟!

ثمّ يقول ابن تيميّة: « إنّ هذا ممّا يعلم مَن له علم ودين أنّه من الكذب الباطل الذي لا يصدّق به مَن له عقل ودين، وإنّما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجرأة في الكذب ».

وليت شعري! هل كان هؤلاء الأئمّة الرواة لهذا الحديث عالمين بحاله فمع ذلك رووه، أو كانوا جاهلين، ومع ذلك يعدّون في كبار أئمّة الحديث وحفّاظه؟!

ثمّ إنّي لم أجد هذا الحديث في الموضوعات لابن الجوزي، ولا في كتاب العلل المتناهية له.

نعم، أورد ابن عراق حديث ابن مسعود في ( تنزيه الشريعة الغرّاء ) ومحصّل كلامه ثبوت الحديث لا سقوطه، وهذا نصّ ما قال:

« حديث: ابن مسعود، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عبدالله! أتاني ملك فقال: يا محمّد! سلْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ماذا بعثوا؟ قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب. حا(1) .

__________________

(1) هذا رمز للحاكم، كما ذكر في أوّل الكتاب أيضاً.

٣٩٦

قلت: ولم يبيّن علّته.

وقد أورده الحافظ ابن حجر في زهر الفردوس(1) من جهة الحاكم، ثمّ قال: ورواه أبو نعيم وقال: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن فضيل. إنتهى.

وعلي بن جابر ما عرفته. والله أعلم »(2) .

أقول:

ظهر من هذا الكلام رواية ثلاثة من أئمّة الحفّاظ هذا الحديث بإسنادهم عن عبدالله بن مسعود، من غير أن يبيّنوا علّةً له ..

أمّا الحاكم، فقد تقدّم نصّ روايته للحديث، وهو في مقام ذِكر شاهدٍ لنوع من أنواع الحديث، فهو غير معلولٍ عنده، بل هو حديث معتبرٌ يذكر لقاعدةٍ علميّةٍ في كتابٍ علمي.

وأمّا أبو نعيم، فقد روى هذا الحديث وهو يناسب ذكره في كتاب دلائل النبوّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّها كانت ثابتةً له منذ القرون السابقة، وفي زمن الأنبياء الماضين، حتى كان عليهم أن يدعوا الناس إلى نبوّته ويبشّروا أُممهم ببعثته، إلاّ أنّا لم نجده في الكتاب المذكور.

وأمّا ابن حجر العسقلاني، فقد أورد هذا الحديث ضمن أحاديث منتخبة من كتاب الفردوس، وأضاف إليه رواية الحاكم، وأبي نعيم.

فظهر إلى هنا من كلام ابن عراق اعتبار هذا الحديث عند القوم.

لكن ابن عراق قال في آخر الكلام: « وعلي بن جابر ما عرفته ».

__________________

(1) وهو مختصر كتاب فردوس الأخبار للديلمي، أورد فيه ما استجوده من أخباره، كما له كتاب تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس.

(2) تنزيه الشريعة الغرّاء 1 / 397.

٣٩٧

أقول:

فانتهى القدح في سند الحديث عن ابن مسعود إلى أنّ ابن عرّاق لم يعرف « علي بن جابر ». وإذا كان الأمر هكذا فهو سهلٌ جدّاً، لأنّ أكابر الأئمّة الحفّاظ من المتقدّمين قد عرفوا هذا الرجل، ولم يذكروه بجرح ..

وممّا يؤكّد ذلك، قول غير واحدٍ منهم - كالحاكم وأبي نعيم - بعد روايته: « تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن فضيل » فإنّه ظاهر في توثيقهم للرجلين، وإلاّ لطعنوا فيه قبل أن يقولوا: « تفرّد به ».

على أنّه يظهر من روايات الحاكم الحسكاني متابعة غير علي بن جابر له في رواية الحديث عن محمّد بن فضيل.

وأما « محمّد بن فضيل »: فلم يتكلّم فيه أحدٌ، فهو من رجال الكتب الستّة، قال الحافظ ابن حجر: « محمّد بن فضيل بن غزوان، - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبّي، مولاهم، أبو عبدالرحمن، الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيّع، من التاسعة. مات سنة 95. ع »(1) .

وتلخّص:

إنّ الحق هو القول الأوّل، وهو إبقاء الآية المباركة على ظاهرها كما هو مقتضى أصالة الحقيقة، والأخبار الواردة تفسّرها بكلّ وضوح، لا سيّما حديث ابن مسعود.

وقد ظهر أنّ هذه الأخبار متّفق عليها بين الفريقين، وهي عن أمير المؤمنين، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن العبّاس، وأبي هريرة.

__________________

(1) تقريب التهذيب 2 / 200، و « ع »: رمز للكتب الستّة، أي مجمع على وثاقته.

٣٩٨

هذا، وقد روى ابن مسعود عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خبر الإسراء به، والتقائه بالأنبياء، وصلاته بهم، وهو خبر طويل، أخرجه الطبراني، وأبو يعلى، والبزّار، والحاكم(1) ، وقال الهيثمي: « رجاله رجال الصحيح ».

فأظنُّ أنّ ما رواه الحاكم في كتابه علوم الحديث هو ذيل هذا الحديث الطويل، يتعلّق بالسؤال منهم على ما بُعثوا، إلاّ أنّهم سكتوا عن روايته، لاشتماله على الولاية لأمير المؤمنينعليه‌السلام .

فما قالوا من أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لم يسأل، وقال: اكتفيت » كذبٌ منهم عليه، إذ كيف يأمره الله عزّوجلّ بالسؤال، فلم يسأل؟!

مضافاً، إلى أنّه قد ورد في حديثٍ: « فقدّمني جبريل حتّى صلّيت بين أيديهم وسألتهم فقالوا: بعثنا للتوحيد »(2) ..

فكان هناك سؤال وجوابٌ!! ولكنّهم لا يريدون التصريح بذلك، ولا يريدون ذكر الجواب بصورةٍ كاملةٍ، ليشتمل على الولاية لعليٍّ!!

وكم له من نظير!!

وهذا أحد أساليبهم في إخفاء مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت الكرام الطاهرين، الدالّة على إمامتهم بعد الرسول الأمين عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

فانظر كيف يفترون على الله والرسول الكذب؟!! إنّكاراً لولاية أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام،( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (3) .

__________________

(1) كنز العمّال 11 / 390 رقم 31841، مجمع الزوائد 1 / 75.

(2) كنز العمّال 11 / 397 رقم 31852 عن ابن سعد، عن عدّة من الصحابة.

(3) سورة البقرة 2: 79.

٣٩٩

الفصل الثالث

في دفع شبهات المخالفين

وبعد، فلنتأمّل في كلمات بعض المناوئين لأمير المؤمنينعليه‌السلام حول حديث السؤال عن ولايته في يوم القيامة الوارد بتفسير قوله تعالى:( وقفوهم ) .

* ابن تيمية

قال ابن تيمية، في جواب استدلال العلاّمة الحلّي بالآية المباركة: « قال الرافضي: البرهان الرابع عشر: قوله تعالى( قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) من طريق أبي نعيم، عن الشعبي، عن ابن عبّاس، قال في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) عن ولاية عليّ. وكذا في كتاب الفردوس عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ.

وإذا سئلوا عن الولاية وجب أن تكون ثابتة له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون هو الإمام.

والجواب من وجوه:

أحدها: المطالبة بصحّة النقل، والعزو إلى الفردوس وإلى أبي نعيم لا تقوم به حجّة باتّفاق أهل العلم.

الثاني: إنّ هذا كذب موضوع بالإتّفاق.

الثالث: إنّ الله تعالى قال:( بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ) فهذا خطاب عن

٤٠٠