تفسير ست سور

تفسير ست سور0%

تفسير ست سور مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 481

تفسير ست سور

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: آية الله حبيب الله الشريف الكاشانيّ (قدس سره)
تصنيف: الصفحات: 481
المشاهدات: 9350
تحميل: 1499

توضيحات:

تفسير ست سور
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 481 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 9350 / تحميل: 1499
الحجم الحجم الحجم
تفسير ست سور

تفسير ست سور

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

ترجمة المفسّر :

كان أبوه ملّا على مدد بن رمضان الساوجى (المتوفّى سنة ١٢٧٠ ق)، والّذى كان تلميذا لملا احمد النراقي (صاحب معراج السعادة، المتوفّى سنة ١٢٤٥ ق). انّه كان من علماء كاشان وفضلائها والّف عدّة كتب في الفقه والأصول.

كان مولد مفسّرنا هذا سنة ١٢٦١ او ١٢٦٢ ق كما تدلّ عليه الدلائل الموجودة في ترجمة ملا حبيب الله.

انّه قام بدراساته في كاشان ففى طهران ثمّ في كربلاء، وقضى برهة من حياته بعد العودة من العتبات في گلپايگان وصرف حياته الى آخرها في تدريس بكاشان لما أكبّ الى تأليف الكتب وارشاد الناس (١٢٨٢ ـ ١٣٤٠ ق).

انّه تتلمذ في حلقة كبار مثل : الحاج سيّد حسين ابن مير محمّد على الكاشاني (المتوفّى سنة ١٢٦٩ ق) والحاج مير محمد على بن سيد محمد الكاشاني (المتوفّى سنة ١٢٩٤ ق) والحاج ملا محمد اندرماتى الطهراني (المتوفّى سنة ١٢٨٢ ق) وميرزا ابو القاسم كلانتر (المتوفّى سنة ١٢٩٢ ق) والشيخ محمد بن محمد العلى (ابن اخت صاحب الفصول) والحاج ملا هادى الطهراني (المتوفّى سنة ١٢٩٥ ق) والشيخ حسين بن محمد إسماعيل الأردكاني المعروف بالفاضل الأردكاني (المتوفّى سنة ١٣٠٢ او ١٣٠٥ ق) وملا زين العابدين گلپايگاني

٥

(المتوفى سنة ١٢٨٩ ق) والحاج ملا عبد الهادي الطهراني. كان نتاج جهوده في مجال التعليم والتأليف أنّه ربّى تلاميذ عدّة كما ترك اكثر من ٢٠٠ تأليف في مجالات الفقه والأصول والحديث والأدب والمنطق والعقائد والعرفان والتفسير والتراجم والعلوم الغريبة.(١)

ففى الختام نشكر لحفيده الماجد حجة الإسلام حسين الشريف والذي وضع بين أيدينا المخطوطات الاصلية لهذه الكتب. وآخر دعوانا عن الحمد لله ربّ العالمين.

حسين درگاهى

__________________

(١) ومن يريد التفصيل يمكنه المراجعة الى هذه المصادر :

مجلّة «نور علم»، عدد ٥٤، صص ٢٣ ـ ٦٧، المقالة التحقيقية لحجّة الإسلام والمسلمين رضا الاستادى ؛ لباب الألباب في القاب الاطياب في ترجمه علماء كاشان للمؤلف نفسه ؛ ريحانة الأدب، ج ٥، صص ١٨ ـ ١٩ ؛ معجم لغات دهخدا تحت مدخل «حبيب الله بن على مدد»، او تحت عنوان «الكاشاني» ؛ عقايد الايمان في شرح دعاء العديلة، للمؤلف نفسه، مطبعة بصيرتى بقم، ١٣٦٩، المقدّمة ؛ منتقد المنافع، للمؤلف نفسه، ج ٤، طبع سنة ١٣٦٤ ش، في مقدمة تسمّى بـ «العقول النافع في ترجمة صاحب منتقد المنافع ؛ ترجمة ملا حبيب الله الشريف الكاشاني، لعلى الشريف (من أحفاد المؤلف) ؛ ذريعة الاستغناء في تحقيق مسئلة الغناء، للمؤلف، طبع في مركز احياء آثار الملا حبيب الله الشريف الكاشاني «فقيه فرزانه»، عبد الله موحد، مكتبة التبليغات الاسلامية في حوزة قم العلميّة، ١٣٧٦.

٦

الأنوار السانحة في تفسير

سورة الفاتحة

٧
٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الّذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان، والصلاة على محمّد صاحب البرهان والتبيان، وآله أمناء الرحمن، ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم العيان.

أمّا بعد فيقول الفقير إلى الله ابن علي مدد : إنّ هذه عجالة سمّيتها بـ «الأنوار السانحة في تفسير الفاتحة » وما يتعلّق به، وفيها مقدّمة وفصول.

٩
١٠

[المقدّمة]

أمّا المقدّمة ففي نبذ من فضائل القرآن.

روي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا جمع الله عزّ وجلّ الأوّلين والآخرين، إذا هم بشخص قد أقبل ليس صورة أحسن منه، فإذا نظر إليهم المؤمنون وهو القرآن، قالوا : هذا منّا، هذا أحسن شيء رأينا، فإن انتهى إليهم جازهم، ثمّ ينظر إليه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم، فيقولون : هذا القرآن، فيجوزهم كلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلين، فيقولون : هذا القرآن، فيجوزهم ثمّ حتّى ينتهي إلى الملائكة، فيقولون : هذا القرآن، فيجوزهم ثمّ ينتهي حتّى يقف عن يمين العرش، فيقول الجبّار : وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك، ولأهيننّ من أهانك(١) .

أقول : إكرام القرآن هو العمل بما فيه من الأوامر والنواهي وقراءته صحيحة والمواظبة عليها، وإهانته هو نبذ أحكامه وحدوده تحت القدم بأن لا يراعى ما فيه، ولا يقرأ على طريق حسن، ولا يتدبّر في آياته. قال : لا خير في قراءة من لا يتدبّر فيها.

__________________

(١) الكافي ٢ : ٦٠٢.

١١

وفي عدّة الداعي عنه عليه السلام أيضا : من استمع حرفا من كتاب الله من غير قراءة كتب الله له حسنة، ومحا عنه سيّئة، ورفع له درجة(١) .

وفيها أيضا : عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : إذا ألبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وشاهد مصدّق، ومن قاده أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار(٢) .

أقول : المراد بلبس الأمور تعطيل الحدود والأحكام واختلاف الناس فيها، فحينئذ فليرجع إلى القرآن، فإنّه منبعها ومأخذها، ومنه يظهر الحلال والحرام، فلذا قال : إنّي تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ؛ لو تمسّكوا بهما لن تضلّوا من بعدي(٣) .

وفي مجمع البيان : عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : من قرأ الفاتحة فكأنّما قرأ ثلثي القرآن، وكأنّما تصدّق على كلّ مؤمن ومؤمنة، والّذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور ولا في القرآن مثلها، وهي امّ القرآن، والسبع المثاني، وهي مقسومة بين الله وبين عبده، ولعبده ما سأل، وهي أفضل سورة في كتابه، وهي شفاء من كلّ داء.

وفيه أيضا : عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّه أفرد على الامتنان بها وجعلها بإزاء القرآن، فقال :( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (٤) وإنّها أشرف ما في كنوز العرش، وإنّه تعالى خصّ محمّدا وشرّفه بها ولم

__________________

(١) عدّة الداعي : ٢٨٦.

(٢) الكافي ٢ : ٥٩٨.

(٣) كتاب سليم : ٧٩٠.

(٤) الحجر : ٨٧.

١٢

يشرك فيها أحدا من أنبيائه إلّا سليمان عليه السلام، فإنّه اعطي منها البسملة، ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمّد وآله، منقادا لأمرها، مؤمنا بظاهرها وباطنها، أعطاه الله بكلّ حرف منه حسنة، كلّ واحد منها أفضل من الدنيا وما فيها من أصناف أموالها وخيراتها، ومن استمع إلى قارئ يقرأها كان له ثلث ما للقارئ.

أقول : يظهر من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم «هي امّ القرآن والسبع المثاني» اختصاص المثاني بـ «الفاتحة»، لأنّها تثنّى في كلّ صلاة، وإلى ذلك ذهب المشهور.

وقيل : المثاني «هود» و «يوسف» و «رعد» و «إبراهيم» و «الحجر» و «النمل» و «يونس».

وقيل : يطلق على جميع القرآن(١) .

وفي الكافي : عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أعطيت الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضّلت بالمفصّل(٢) .

أقول : المراد بالطوال على ما قاله بعض : «البقرة» و «آل عمران» و «النساء» و «المائدة» و «الأنعام» و «الأعراف» و «الأنفال» و «التوبة».

وقيل : «يونس» سمّيت بالطوال لأنّها أطول السور.

والمراد بالمئين : «بني إسرائيل» و «الكهف»و «مريم» و «طه» و «الأنبياء»

__________________

(١) مصباح الكفعميّ : ٤٣٨.

(٢) تفسير العيّاشي ١ : ٢٥.

١٣

و «الحجّ» و «المؤمنون» سمّيت بذلك، لكونها مشتملة على مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه.

والمراد بالمفصّل : ما بعد «الحواميم» إلى آخر القرآن، سمّيت بذلك لكثرة الفصول بين سورها بالتسمية أو بين الآي. فتأمّل.

وفي قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «وفضّلت بالمفصّل» إظهار لزيادة فضيلته صلّى الله عليه وآله وسلّم على الأنبياء من جميع الوجوه.

١٤

أمّا الفصول فثمانية.

الفصل الأوّل

في ما يتعلّق بالبسملة

وفيه جنّات.

الجنّة الاولى : في فضائلها وبعض ما يتعلّق بكتابتها

فنقول : الأخبار في فضلها كثيرة :

منها : ما روي من أنّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) مفتاح كلّ باب ينزل من السماء.

وروي أيضا : إنّ «بسم الله» أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها(١) .

وروي : أنّه من قالها يتصاغر الشيطان كالذباب.

وعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : من قال( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )

__________________

(١) تحت العقول : ٤٨٧، تفسير العيّاشيّ ١ : ٢١.

١٥

كتب الله له أربعة آلاف حسنة، ومحاعنه أربعة آلاف سيّئة، ورفع له أربعة آلاف درجة(١) .

وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : لا يردّ دعاء في أوّله( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فإنّ أمّتي يأتون يوم القيامة وهم يقولون( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فتثقل حسناتهم في الميزان، فيقول الملائكة : ما رجّح موازين أمّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ فيقول الأنبياء : إنّ ابتداء كلامهم «البسملة» وهي ثلاثة أسام من أسمائه تعالى ؛ لو وضعت في كفّة الميزان ووضعت حسنات الخلق في الكفّة الاخرى لرجحت «البسملة»(٢) .

والأخبار على نحو ذلك في فضيلة «البسملة» كثيرة تنافي وضع الإيجاز.

ونقل الكفعميّ في «الرسالة الواضحة» عن بعض العلماء أنّه قال : لمـــّـا كان الليل والنهار حال الاعتدال أربعا وعشرين ساعة، خمس ساعات منهنّ فرض الصلاة يقرأ فيهنّ «البسملة» بقي تسع عشرة ساعة يكفّر كلّ حرف منها ذنوب ساعة من تلك الساعات.

ونقل أيضا : إنّ الذنوب أربعة أنواع : ذنوب الليل، وذنوب النهار، وذنوب السرّ، وذنوب العلانية، والبسملة أربع كلمات ؛ فمن ذكرها على الإخلاص والصفاء غفر الله له تلك الأنواع الأربعة.

وقد روي : أنّ «البسملة» لمـــّـا نزلت على داوود، ألان له الحديد ونادته الملائكة : الآن يا داوود تمّ لك ملكك. انتهى.

__________________

(١) جامع الأخبار : ٤٢.

(٢) مجموعة ورّام : ٣٢.

١٦

ويظهر من بعض الأخبار ابتغاء البدأة بالبسملة في بدءة جميع الأمور، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر(١) . ولتوافق العبارة والكتابة مع الأعيان والأذهان، لأنّه تعالى سابق في هنا فناسب سبقه هناك، وللتأسّي بالقرآن وللتيمّن ؛ كذا قيل.

ونقل الكفعميّ أيضا عن الزمخشريّ أنّ زيد بن ثابت كان يكره أن يكتب البسملة بغير سين، وإذا رآها ليس لها سين محاها.

الجنّة الثانية : في إعرابها

فقوله تعالى :( بِسْمِ اللهِ ) ظرف حكميّ، وهل متعلّقه اسم كابتداء كلامي، أم فعل مقدّم كأبدأ أو أتصدّر كلامي باسم الله، أم فعل متأخّر أي بسم الله أقرأ في القراءة أو أحلّ في الفتح، أو غير ذلك ممّا يناسب الأمور؟ احتمالات : أوّلها للبصريّين، وثانيها للكوفيّين، ونسبه الأنصاريّ إلى المشهور في التفاسير والأعاريب، ونقل الرابع عن الزمخشريّ، وجملة البسملة في الأوّل اسميّة، وفي الأخير شعبيّة فعليّة، والظرف في الجميع مستقرّ.

قال الكفعميّ : قيل : إنّ الباء في «بسم الله» للاستعانة ومعنى ذلك أبتدئ مستعينا.

وقال الطبرسيّ : الباء متعلّقة بمحذوف تقديره «بسم الله أقرأ».

وحكى عن بعض : أنّ المحذوف عند البصريّين مبتدأ والمجرور خبره،

__________________

(١) تفسير الإمام العسكريّ : ٢٥.

١٧

والتقدير : ابتدائي باسم الله أي كائن، فـ «الباء» متعلّقة بالكون والاستقرار.

وعند الكوفيّين فعل تقديره «ابتدأت أو أبدأ» فالمجرور في موضع نصب بالمحذوف، وحذفت الألف من الخطّ لكثرة الاستعمال، فلو قلت : لاسم الله أو باسم ربّك، أثبتّ الألف في الكتابة. انتهى.

وإضافة «الاسم» إلى «الله» لاميّة إن غاير الاسم والمسمّى، وبيانيّة إن اتّحد. فتأمّل، وسيأتيك التفصيل.

وإن أردنا من «الله» لفظه من غير إرادة المفهوم والمعنى فالإضافة حمليّة أيضا، وقوله «الله» مجرور بالإضافة وهي عامل معنويّ أو بالمضاف أم بالحرف المقدّر على اختلاف الأقوال، وثانيها هو المختار لأرجحيّة المذكور عند التعارض وغير ذلك، وجرّ «الرحمن» و «الرحيم» تبعيّ إن أثبتناه، والقطع قول مشهور.

الجنّة الثالثة : في بيان اشتقاق الاسم

اعلم أنّه قد اختلف في اشتقاق الاسم : فقال البصريّون : إنّه اشتقّ من السموّ أصله سمو، وحذفت الواو وزيد الألف معوّضة عنها كما في «ابن».

وقيل : ويشهد له تصريفه على أسماء وأسام. انتهى.

ومعنى السموّ هو العلوّ والرفعة، وبالاسم يرفع المسمّى.

وقال الكوفيّون : إنّه من الوسم ؛ أي العلامة، لأنّه دالّ على المسمّى وهو علامته، وأجيب بأنّ المحذوف «الفاء» كـ «صلة» و «عدة» لا تدخله همزة الوصل وبالتصغير.

١٨

أقول : الحقّ قول البصريّين، وإليه ذهب الجمهور من المتقدّمين والمتأخّرين، لكن يحتمل ضعيفا أن يقال : إنّ في الاسم النحويّ وجهين، وفي البسملة ونحوها يتعيّن اشتقاقه من الوسم. فتأمّل.

الجنّة الرابعة : في الفرق بين الاسم والمسمّى والتسمية

قد تشاجر الأصحاب في اتّحاد الثلاثة وتغايرها على أقوال ؛ الأوّل : إنّ الاسم نفس المسمّى نظرا إلى أنّ الله كان له في الأزل أسماء فهي قديمة بل عين الذات، وإلّا ليلزم تعدّد القدماء. وبطلانه ظاهر.

وإلى قوله تعالى :( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) (١) فلو لم يكن الاسم نفس المسمّى لما صحّ التسبيح، لأنّه خاصّ بذات الباري، وكذا قوله :( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (٢) .

وإلى قوله :( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ) (٣) ولا يخفى أنّهم ما كانوا عابدين للألفاظ، بل للمسمّيات.

والجواب عن الجميع مجملا يظهر ممّا سيجيء.

ومن أنّكم لو أردتم من الاسم هو الذات فهذا أوّل الكلام، بل لا يطلق على المسمّى أصلا إلّا على وجه الكناية كما ستعلم، فلا نسمع أن يقال : جاء اسم زيد أو رأيت عمروا اسمه مريدا للذات، ولو أردتم به الحروف

__________________

(١) الواقعة : ٧٤، ٩٦، الحاقّة : ٥٢.

(٢) الأعلى : ١.

(٣) يوسف : ٤٠.

١٩

الملفوظة فالتغاير أظهر من الشمس لما تفهم، وإن أردتم به الصفة فلا يخفى أنّ جميع صفات الله ليست ذاتيّة، فالإطلاق غير حسن، وسيأتيك تفصيل عن قريب.

والجواب عن الأوّل مفصّلا : إنّ قدم الأسماء الملفوظة غير مسلّم، بل هي حادثة بالنصّ والإجماع، ولأنّها متفاوتة بتفاوت اللغات كالعربيّ والعجميّ، فلو كانت عين المسمّى لزم تغيّر الذات وتفاوته بها مع أنّ الذات محض وحدة لا يتطرّق إليه الكثرة، ولو كانت عينه لزم تعدّد الآلهة، لأنّ لله عزّ وجلّ تسعة وتسعين اسما كما في العدّة عن الرضا عليه السلام، مع أنّ العين واحدة وليس إلّا معنى واحد جامع للمعاني.

فإن قيل : فما معنى قولهم : كان هو العالم القدّوس في الأزل وغير ذلك من الأسماء المختلفة؟

قلنا : قد بيّن في الكتب الكلاميّة أنّ الصفات الذاتيّة الّتي ترجع إلى الذات عين الذات، بمعنى أنّه عين واحدة جامعة للجميع ؛ فهي قادرة بعلم، وعالمة بقدرة وغير ذلك، أي : مفهوم الكلّ في الحقّ واحد يعلم بقدرته ويرى بعلمه، وقيّوم بحيويّة وحيّ بقيموميّة، والأخبار على ذلك أيضا شاهدة، ومعنى أنّه تعالى كان في الأزل عالما قادرا قدّوسا أنّه تعالى كان في الأزليّة الأولى متّصفا بتلك الصفات من غير وجود ما يظهرها من حجابها العينيّ إلى اللفظيّ، بل الذهنيّ الحادثين، فليس المراد من كون الأسماء في الأزل، كون الألفاظ ؛ بل معانيها الّتي ترجع إلى معنى واحد من جميع الوجوه، وهو نفس الذات وعينه، بل لا يحسن القول بأنّ تلك أسماء وأوصاف له، بل ليس

٢٠