شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية

شذرات نورانيّة (53)

0 المشاركات 00.0 / 5

الرخصة

• في الأحكام الشرعيّة عزائم ورُخَص، أي منها ما يجب وينبغي ولا مجال لتركه أو تأجيله، ومنها رُخصٌ رحيمة راعى الشارعُ المقدَّس حال العباد، فحكَمَ بصلاة القصر ـ دون التمام ـ في السفر، وكذا الإفطار ـ وجوباً ـ في السفر والمرض. ومن مُقتضيات العبوديّة أن يأخذ العباد برُخَص الله تبارك وتعالى، إذ هي هداياه المباركة، يَقبُح ردُّها فضلاً عن حُرمة ذلك!
وأحاديث الرخصة تواترت عند الشيعة الإمامية وأهل السنّة، فعمل بها الشيعة دون غيرهم، وها هو بعضها بين أيدينا:
• روى المتّقي الهندي ـ من علماء العامّة ـ في كتابه (كنز العمّال ) هذه الأحاديث الشريفة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال:
ـ « إنّ الله تعالى يُحبّ أن تُوتى رُخصتُه، كما يكره أن تُوتى معصيتُه » ( خ 5335 ).
ـ « إنّ الله تعالى يحبّ أن تُقبل رخصته، كما يحبّ العبد مغفرتَه » ( خ 5336 ).
ـ « إنّ الله يحبّ أن تُوتى رُخَصُه كما يحبّ أن تُوتى عزائمُه » ( خ 5334 ).
ـ « عليكم برخصة الله التي رَخّصَ لكم » ( خ 5338 ).
• وفي روايات أهل البيت عليهم السلام كثيرٌ من هذا مع تطبيقاته الشرعية، مثال ذلك:
ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: « إنّ الله يُحبّ أن يُؤخذَ بَرُخصه، كما يحبّ أن يُؤخذ بعزائمه » ( مستدرك الوسائل 18:1 ).
ـ وفي باب التقيّة، رُوي أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام سُئل يوماً إذ قال له أحدُهم: مَدُّ الرقاب أحبُّ إليك أمِ البراءةُ من عليّ ؟ فأجابه: « الرخصةُ أحَبُّ إليّ، أما سمعتَ قولَ الله في عمّار: « إلاّ مَن أُكرِهَ وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمان » ؟! » ( نور الثقلين 88:3 ـ عن: تفسير العيّاشي ـ في ظلّ الآية 106 من سورة النحل ).

 

الرزق

• أمرٌ حياتي يعيش مع حياة الإنسان في كلّ ساعاته، ويمضي معه في أموره، فيكون من الأسباب والمسبّبات في موقعٍ مهمٍّ أحياناً، ويدخل في مجالات عديدة، في: السلوك والتعامل والأخلاق، وحتّى في الاعتقاد، وأوّل ما ينبغي الوقوف عليه هو الاطمئنان بأنّ الرزاق هو الله جلّت رحمته، لا غيره:
• قال تعالى في محكم تنزيله الكريم: « إنَّ اللهَ هُوَ الرزّاقُ ذُو القُوّةِ المَتين » [ سورة الذاريات: 58 ].
فإذا عَلِمنا أنّ أرزاقَنا بيد عليمٍ بأحوالنا، رحيمٍ رؤوفٍ بنا، قويٍّ قادرٍ على إعانتنا، فلماذا الحَيرةُ والقلق والشكّ والاستعجال وسوء الظنّ، ولماذا تناولُ الحرام والشبهة، واستعمال الوسائل الشيطانية في جمع حطام الدنيا، وقبض اليد عن أداء الحقوق وإعانة المساكين والفقراء والمحرومين ؟!
ـ روى الشيخ المجلسيّ هذا النصّ من الوحي القديم، قولُه عزّ مِن قائل: « يا آبنَ آدم، خلقتُك من تراب، ثمّ مِن نطفة، فلم أعْيَ بخَلْقك، أوَ يُعْييني رغيفٌ أسوقه إليك في حينه ؟! » ( بحار الأنوار 26:103 ـ عن: إعلام الدين للديلمي ).
ـ وكان فيما وعظ لقمان ابنَه أن قال له: يا بُنَيّ، لِيعتبِرْ مَن قَصُر يقينُه وضَعُفت نيّتُه في طلب الرزق، أنّ الله تباركَ وتعالى خلَقَه في ثلاثة أحوالٍ من أمره، وآتاه رزقه ولم يكن له في واحدةٍ منها كسبٌ ولا حيلة، أنّ الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة.. أمّا أوّلُ ذلك فإنّه كان في رَحِمِ أُمّه يرزقه هناك في قرارٍ مكين، حيث لا يُؤذيه حرٌّ ولا برد، ثمّ أخرجه مِن ذلك وأجرى رزقاً من لبنِ أمّه يكفيه به ويُربّيه ويُنعشه من غير حَولٍ به ولا قوّة، ثمّ فُطم من ذلك فأجرى له رزقاً من كسبِ أبوَيه برأفةٍ ورحمةٍ له من قلوبهما، لا يملكانِ غيرَ ذلك، حتّى أنّهما يُؤْثرانه على أنفسهما في أحوالٍ كثيرة، حتّى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمرُه، وظنّ الظنون بربّه، وجحد الحقوق في ماله، وقتّر على نفسه وعياله؛ مخافةَ إقتارِ رزقه، وسوءَ يقينٍ بالخَلَفِ من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل! فبئسَ العبدُ هذا يا بُنيّ! ( بحار الأنوار 136:71 ح 17 ـ عن: الخصال:122 / ح 114 ـ باب الثلاثة ).
• إذن، فليُحسِنِ العبدُ ظنَّه أنّ الله تعالى رازقُه، بل باسطٌ رزقَه إليه بمشيئةٍ وتقديرٍ حكيمَين، ورحيميَن.. وهو القائل جلّ من قائل:
ـ « إنّ ربَّك يَبسُطُ الرزقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِر» [ سورة الإسراء: 30 ].
ـ « قلْ إنّ ربّي يَبسُطُ الرزقَ لِمَن يشاءُ ويَقْدر» [ سبأ: 36 ].
ـ وفي إحدى خطبه المباركة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «... فإنّ الأمر يَنزِل من السماء إلى الأرض كقطراتِ المطر إلى كلّ نَفْسٍ بما قُسِم لها مِن زيادةٍ أو نقصان، فإن رأى أحدُكم لأخيه غفيرةً في أهلٍ أو مالٍ أو نفسٍٍ، فلا تكونَنّ له فتنةً.. » ( نهج البلاغة: الخطبة 23. والغفيرة: الزيادة أو الكثرة ).
• وإذا كان هنالك بسطٌ في الرزق، فإنّ هنالك قبضاً أيضاً فيه، ووراء ذلك عللٌ وأسباب حكيمة لها إشارات قرآنيّة، وبيانات حديثيّة:
ـ قال تعالى: « ولَو بَسَط اللهُ الرزقَ لعبادِه لَبَغَوا في الأرض » [ الشورى: 27 ].
ـ وقال عزّوجلّ: « ولا تَتمنَّوا ما فَضَّلَ اللهُ به بعضَكُم على بعض » [ النساء: 32 ].
ـ وقال سبحانه: « واللهُ فَضّلَ بعضَكم على بعضٍ في الرزق، فمَا الذينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رزقِهم على ما ملَكَتْ أيمانُهم » [ النحل: 71 ].
قيل في بيان ذلك: إنّ الذين فضّلهم الله تعالى في أرزاقهم ليسوا بجاعلي ما رزقهم لمماليكهم، أي لم يرزقوهم، وإنّما يُنفقون عليهم رزقَهمُ الذي جعله الله عند الأغنياء، وكأنّه وديعةٌ وأمانة ينبغي أن يُؤدّوها في امتحان، بعدَه يُكرَم المرءُ أو يُهان!
• قال أميرالمؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: «وقَدّر الأرزاقَ فكثّرها وقلّلها، وقَسَّمها على الضِّيق والسَّعة، فعَدَل فيها ليبتليَ مَن أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكرَ والصبرَ مِن غنيِّها وفقيرِها » ( نهج البلاغة: الخطبة 91 ).
• وفي ظلّ قوله تعالى: « وآعلمُوا أنَّما أموالُكم وأولادُكم فتنة »، قال الإمام عليّ عليه السلام: « ومعنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال والأولاد، ليتبيّن الساخطَ لرزقهِ والراضيَ بقِسْمِه » ( نهج البلاغة: الحكمة 93 ). والآية في سورة الأنفال: 28 ).
• وعلى أيّة حال، فالرزق مقدَّرٌ ومضمون، إنّما يأتي في مواعيدَ وحصصٍ لا تخلو من مشيئاتٍ عليمةٍ حكيمةٍ مُختبِرة، فليكن العبد مطمئنّاً أوّلاً، ويقظاً ثانياً، وإلاّ دبّ إليه القلق، واقتحمت قلبَه الوساوس والظنون السيّئة والشكوك المحيّرة والحالات الساخطة، ويكفي أنّ الضامنَ هو الله جلّ وعلا، وهو القائل:
ـ « وكأيِّنْ مِن دابّةٍ لا تَحمِلُ رزقَهَا اللهُ يَرزقُها وإيّاكُم » [ العنكبوت: 60 ].
ـ « وما مِن دابّةٍ في الأرضِ إلاّ على اللهِ رزقُها » [ هود: 6 ].
ـ وقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله: « عيالُه الخَلْق، ضَمِن أرزاقَهم، وقدّر أقواتَهم » ( نهج البلاغة: الخطبة 91 ).
ـ وعن الإمام زين العابدين عليه السلام جاء في تحميده لله عزّوجلّ قوله: « وجعَلَ لكلِّ رُوحٍ مِنهم قُوتاً معلوماً مقسوماً مِن رزقهِ » ( الصحيفة السجّادية ـ الدعاء الأوّل ).

أضف تعليقك

تعليقات القراء

ليس هناك تعليقات
*
*

شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية