شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية

بحث في عبادة الأصنام عند العرب

6 المشاركات 02.8 / 5

شهادة براءة للمتهم عمرو بن لحي

    عمرو بن لحي ، موضوع هذا البحث ، ظلمه النسّابون، وظلمه المؤرخون. أولئك في نسبه ، وهؤلاء في دينه.
    فأنت لا تكاد تفتح كتاباً يتعرض لعقائد الجاهلية وعبادتها وأصنامها ، الا واجهك عمرو بن لحي ، وهو يجر قصبه في النار ، متهماً بأنه أول من غيّر دين ابراهيم ، وأول من أدخل الاصنام الى مكة ، ودعا العرب الى عبادتها.
    فمن هو عمرو بن لحي هذا ، وما قصته مع الأصنام ، وهل حقاً هو الذي أدخلها الى مكة ، ومنه أخذ العرب عبادة الاصنام؟
    الحديث اذن عن عمرو ، حديث فيه من المتعة بقدر ما فيه من الجد. وفيه من الطرافة بقدر ما فيه من رصانة البحث في موضوع ما يزال - ككثير من قضايا تأريخنا - يحتاج الى ما يجلو غامضه ، بعيداً عن الحمق والتخلف والتعصب.
    ولنبدأ أولاً بالحديث عن عمرو بن لحي ، من يكون ، ولأي من قحطان وعدنان ينتمي؟
    يتفق المؤرخون على ان عمرو بن لحي هو ابو قبيلة خزاعة. هذا هو القدر الذي لا يختلفون فيه. ولكن لاي شعب من شعبي العرب الكبيرين. عدنان وقحطان ينتمي عمرو وتنتمي معه خزاعة؟
    هنا يختلف المؤرخون في نسب عمرو ، وهذا أول الظلم الذي يلحق به ، مع انه ليس الوحيد من العرب ، الذي لحقه الظلم في نسبه.
    وفيما يخص ابن لحي. فهو عند ابن الكلبي (هشام بن محمد بن السائب) عمرو بن ربيعة (لحي) بن حارثة بن عمرو (مزيقياء) بن عامر (ماء السماء) بن حارثة (الغطريف) بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد (1).
    فهو ازدي قحطاني. وهو كذلك عند ابن دريد وعند الازرقي صاحب اخبار مكة. وهو كذلك في تأريخ العرب وحساب العصبيات بين القبائل العربية. وهذا في نظري اهم وأقوى ما يدعم النسب القحطاني لقبيلة خزاعة.
    لكن ابن حزم وفيما يقرب من اليقين عنده ، يجعل عمرو بن لحي ، من عدنان ثم من مضر ثم من خندف حين يسوق نسبه على النحو التالي:
عمرو بن عامر بن ربيعة (لحي) بن عامر بن قمعة بن الياس بن مضر
    وقمعة هو الابن الثالث لالياس بن مضر ، بعد مدركة وطابخة ، وهم الذين يؤلفون (خندف) التي تقابل قيساً في مضر.
    وقلت (ما يقرب اليقين) لأن ابن حزم يعود ، عند الحديث على بني ثعلبة بن مازن بن الازد فيقول عن حارثة بن عمرو (وقيل من ولده خزاعة).
    ويذهب مذهب ابن حزم ، السمعاني في ارجاع نسب خزاعة الى مضر
    اما ابن الاثير في اللباب فيرد خزاعة الى اليمن ، متفقاً في ذلك مع ابن الكلبي وابن دريد والازرقي.
    وهكذا نرى ان قبيلة من اكبر قبائل العرب قد ضاعت بين قحطان وعدنان، وهذا ما سنراه بالنسبة لقبائل عربية كبيرة اخرى كقضاعة وعك وخثعم وبجيلة.
    وهذا كما ترى اول ظلم لحق بعمرو.
    لكنه سيكون سهلاً محتملاً ازاء ما اتهم به من أنه اول من غيّر دين ابراهيم وأول من أتى بالأصنام ونصبها حول الكعبة ودعا العرب الى عبادتها.    
    وسأحاول أن أعرض لهذا الموضوع بشيء من التفصيل أراني مضطراً اليه، للخلط الذي يقع فيه المؤرخون فيوقعوننا معهم.
    ويبدو أن هؤلاء المؤرخين لا يخرجون إلا قليلاً ، في موضوع الأصنام وأول من دعا الى عبادتها ، عما يذكره ابن الكلبي في كتابه (الاصنام). ولهذا فسيكون حديثي مع ابن الكلبي ، لا اتجاوزه الى غيره ، إلا في القليل النادر ، وحين أجد لدى غيره ما يخالفه فيه.
    يبدأ ابن الكلبي كلامه عن الأصنام ص 6 فيقول (ثم سلخ ذلك بهم الى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين ابراهيم واسماعيل غيره فعبدوا الأوثان).
    ثم يقول في ص 8 (فكان أول من غيّر دين اسماعيل (ع) فنصب الأوثان ... عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة).
    وهو يورد قصة هذه الأصنام وبداية العلاقة بينها وبين عمرو (ثم أنه – يعني عمرو بن لحي – مرض مرضاً شديداً فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمّة إن أتيتها برأت فأتاهم فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا نستسقي بها ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة).
    هذا اذن ما يقوله ابن الكلبي عن بدء عبادة العرب للاصنام. وهو فيه غير واضح ، فهل كان آل اسماعيل قبل عمرو بن لحي ، يعبدون الاصنام مستبدلين بدين ابراهيم واسماعيل غيره؟ ام ان عمراً هو اول من غيّر دين اسماعيل واستبدل به الاصنام؟
    وعدم الوضوح هذا تجده عند الازرقي في اخبار مكة والذي لا يبتعد كثيراً عن ابن الكلبي في موضوع الاصنام وان كان اوضح من ابن الكلبي فيما يخص (اسافا ونائلة) اذ يقول ان عمرو بن لحي (امر الناس بعبادتهما والتمسح بهما وقال للناس ان من كان قبلهم كان يعبدهما ، فكانا كذلك حتى كان قصي بن كلاب...) (2)
    لكن المسعودي يترك الحديث عن آل اسماعيل واستبدالهم عبادة الاصنام بدينهم مقتصراً على عمرو بن لحي الذي (سار الى مدينة البلقاء فرأى قوماً يعبدون الاصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه ارباب نتخذها ، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى ، وكل ما نسألهم نعطى ، فطلب منهم صنماً يدعونه (هبل) فسار به الى مكة ونصبه على الكعبة ومعه اساف ونائلة (3) ، ودعا الناس الى تعظيمها وعبادتها ففعلوا ذلك...)
    فالمسعودي هنا يهمل الحديث عمن سبق عمراً من آل اسماعيل ، وكأنه يجعل من عمرو بن لحي اول من عرف الاصنام من العرب واول من جاء بها ودعا الى عبادتها.
    غير انه بحديثه عن اساف ونائلة ، يبدو متفقاً مع ابن الكلبي والأزرقي فيما يذهبان اليه من وجود اصنام سابقة.
    وهذا هو كل ما يورده المسعودي عن موضوع الاصنام وعمرو بن لحي.
    واعود الى ابن الكلبي الذي ، بعد ان انتهى في الصفحة الثامنة ، من مرض عمرو بن لحي وسيره الى البلقاء وعودته بالاصنام الى الكعبة. وبعد حديثه عن اساف ونائلة ، لأراه يقول في الصفحة التاسعة (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام من ولد اسماعيل وغيرهم وسموها بأسمائها ما بقي فيهم من ذكرها حين فارقوا دين اسماعيل ، هذيل بن مدركة) وهذيل هذا اسبق في الزمان من عمرو بن لحي الذي جعله ابن الكلبي قبل قليل اول من غيّر دين اسماعيل. فهو يقابل عامر بن قمعة بن الياس بن مضر: ابا جد عمرو. وعم كنانة وأسد ابني خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر.
(اتخذوا سواعاً فكان لهم برهاط من ارض ينبع...)
(واتخذت كلب وداً بدومة الجندل)
(واتخذت مذحج واهل جرش يغوت)
(واتخذت خيوان يعوق فكان بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة)
(واتخذت حمير نسراً فعبدوه في أرض يقال لها بلخع)
    ثم يضيف في ص 13 (هذه الخمسة أصنام التي كانت يعبدها قوم نوح ، فذكرها الله (عز وجل) في كتابه ، فيما أنزل على نبيه (عليه السلام)
﴿ قَالَ نُوحٌ رَّ‌بِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارً‌ا ﴿٢١﴾ وَمَكَرُ‌وا مَكْرً‌ا كُبَّارً‌ا ﴿٢٢﴾ وَقَالُوا لَا تَذَرُ‌نَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُ‌نَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرً‌ا ﴿٢٣﴾ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرً‌ا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (4)
    لكنه يرجع مباشرة بعد هذا الى عمرو بن لحي قائلاً: (فلما صنع هذا عمرو بن لحي ، دانت العرب للاصنام (وعبدوها) واتخذوها).
    ولقد حرت في كلام ابن الكلبي. ففي ص 8 يقول (فكان اول من غيّر دين اسماعيل عليه السلام فنصب الأوثان ... عمرو بن ربيعة وهو لحي...)
    وفي الصفحة التالية (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام... هذيل بن مدركة)
    فأية اصنام ، هذه التي يتحدث عنها ابن الكلبي؟
    ان كانت الأولى (التي لم يُسمّها) فإن عمرو بن لحي هو الذي أتى بها من البلقاء ونصبها في الكعبة ، ودعا العرب الى عبادتها ، كما ينص ابن الكلبي نفسه.
    وان كانت الاصنام الخمسة (وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً) التي وردت في القرآن ، فيبدو أنّ هذيل بن مدركة ، هو الذي اتخذها. وان كانت عبارة ابن الكلبي مضطربة ، وكان يستطيع ان يكون اكثر وضوحاً واكثر دقّةً ، وهو يتناول الاصنام واوّل من نصبها ودعا الى عبادتها. فهو لم يمهّد بشئ للحديث عن هذه الاصنام الاخيرة ، وإنما جاء كلامه مبتوراً لا صلة بما تقدمه. لكن ذلك يمكن ان يفهم من عبارته التي تبدأ بـ (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام هذيل بن مدركة) والتي يتبعها بعبارته الثانية التي يبدو وكأن ابن الكلبي يريد ان يفصل بها ما اجمل فيقول (اتخذوا سواعا... واتخذت كلب ودا... الخ).
    فالكلام ، كما ترى ، مضطرب لا يوضح لنا ما الذي جاء بهذيل ووضعه في اول الكلام الخاص بالاصنام الخمسة (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام هذيل ابن مدركة) ثم البدء بتعداد تلك الاصنام. وهو ما يوحي بالربط بين هذيل وبينها.
    وكان ابن الكلبي غنياً عن كل هذا ، لو التزم بادنى حدود المنهج في البحث، او على الأقل ، لو استعان بالألفاظ والحروف التي كان بإمكانها ان تزيل اي لبس في الموضوع كـ (ثم) مثلاً للترتيب الزمني ، فأراحنا من استنتاجات ، كنا نحن ايضاً ، في غنى عنها وعن الخلط بين عمرو بن لحي وهذيل بن مدركة.
    وعلى كلٍ فإن حديث ابن الكلبي هذا يثير بعض الملاحظات التي منها مثلاً لماذا نجد ان اربعة من هذه الاصنام الخمسة قد ذهبت الى قبائل قحطانية هي كلب ومذحج وخيوان وحمير ، مع ان هذيل بن مدركة عدناني وليس قحطاني. وحتى بين القبائل القحطانية ذاتها ، فإنك لا تجد ذكراً لقبائل قحطانية كبيرة اخرى ككندة والازد وطيء.
    ومنها ما تعلق باساف ونائلة. فما الذي أقحمها في المكان الذي وضعها فيه من هذا الحديث بين (ثم مرض - يعني عمرو بن لحي-) وبين (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام هذيل بن مدركة) دون اية اشارة سابقة الى هذين العاشقين الجرهميين اللذين غلبهما الحب ووجدا غفلة ففعلا ما يحرم عليهما فعله ، وهما في الكعبة ، فمسخهما الله حجرين جزاء فعلهما وتعديهما على حرمة بيته.
    فاذا تجاوزت هذه الملاحظة التي تتعلق بمنهج الكلبي في تناوله للموضوع ، واجهتك ملاحظة أخرى: فهذه الاصنام التي وردت في القرآن الكريم ، كان قوم نوح يعبدونها قبل هذيل وعمرو بن لحي ، وقبل قحطان وعدنان. بل قبل ان يكون هناك عرب بائدة وعاربة ومستعربة بما لا يحصى من القرون.
    فكيف اتصلت اخبارها بهذيل وكلب ومذجح وهمدان وحمير؟!
    هل بقيت من عهد نوح وقومه الى زمن هذيل بن مدركة و عمرو بن لحي الذي وزعها كما يذكر الكلبي على قبائل العرب؟ ام ان عمراً هذا او هذيلاً ، نحتا اصناماً على هيئتها ، وهما لم يرياها ولم يعرفاها ولم يعرفا اسماءها طبعاً ، وبينها قرون طويلة ، وبينهما وبين نزول القرآن بأسمائها مئات السنين؟ هذا الى ان القبائل التي تسلمت تلك الاصنام نصبتها في اماكن بعيدة جداً عن بعضها ، وبعيدة اكثر عن مساكن قوم نوح. مع أني أجد في اشعار العرب ذكراً لبعضها ، وبين اسمائهم في الجاهلية ، اسماء اضيفت اليها كـ (عبد ود) و(عبد يغوث).
    ويعود ابن الكلبي ثانية الى عمرو بن لحي ليجعل منه وحده صاحب الاصنام الخمسة المذكورة في القرآن ، ولكن بشكل واضح هذه المرة لا يحتمل لبساً ولا غموضاً ولا استنتاجاً.
    ولأتابع نصه بإختصار في ص 54 وما بعدها ، معقباً بملاحظاتي عليه.
    يقول ابن الكلبي (وكان عمرو بن لحي... وكان له رئي من الجن... فقال له: عجل بالمسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة.
    قال جبر ولا اقامة.
    قال ائتِ ضف جدة ، تجد فيها اصناماً معدة ، فأوردها تهامة ولا تهاب ، ثم ادع العرب الى عبادتها تجاب.
    فأتى شط جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامة. وحضر الحج ، فدعا العرب الى عبادتها قاطبة.
    فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب... فدفع اليه (ودا). فحمله الى وادي القرى فأقرّه بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود. فهو اول من سمي به...
    وأجابت عمرو بن لحي ، مضر بن نزار ، فدفع الى رجل من هذيل يقال له الحارث بن تميم... سواعا. فكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة...
    واجابته مذحج. فدفع الى أنعم بن عمرو المرادي يغوث. وكان باكمة باليمن، يقال لها مذحج تعبده مذحج ومن والاها.
    واجابته همدان فدفع الى مالك بن مرثد الهمداني يعوق. فكان بقرية يقال لها خيوان تعبده همدان ومن والاها من ارض اليمن.
    واجابته حمير. فدفع الى رجل من ذي رعين يقال له معدي كرب نسرا. فكان بموضع من ارض سبأ يقال له بلخع تعبده حمير ومن والاها.
    هذا هو نص ابن الكلبي الذي يمتد من ص 54-58 ، حاولت ان اختصره قدر ما استطيع.
    واول ما الاحظ. ان ابن الكلبي حصر حديثه هنا - كما سبق أن ذكرت قبل قليل - بعمرو بن لحي ، مغفلاً اي ذكر أو اشارة الى هذيل بن مدركة الذي سبق  ان قال عنه في ص 9 (وكان اول من اتخذ تلك الاصنام هذيل بن مدركة). وكل الذي ورد في ص 57 أن مضر لمّا أجابت دعوة عمرو بن لحي ، دفع هذا سواعاً الى رجل من هذيل يقال له الحرث بن تميم: أحد أفراد القبيلة التي تحمل اسم هذيل بن مدركة ، دون اشارة الى هذيل نفسه.
    كما ألاحظ اختلافاً كبيراً في الرواية التي يوردها ابن الكلبي هنا عن الرواية التي أوردها في ص 8 والتي سبق ذكرها ، حول السبب الذي دفع عمرو بن لحي الى السفر وحمله الأصنام والمكان الذي حمله منها والمكان الذي نصبه فيها.
    وأجدر بي أن أقول أننا في الواقع أمام روايتين لا رواية واحدة. روايتين تختلفان في أهم الوقائع التي تقومان عليها.
    ففي الرواية الأولى كان السبب في سفر عمرو مرضه. أمّا في الثانية فإنه رئي من الجن أتاه ، دون أن يكون هناك أية علاقة بين السفر وبين المرض.
    وفي الأولى كان السفر الى البلقاء من أرض الشام. وفي الثانية الى جدة على البحر.
    وفي الأولى جاء عمرو بن لحي بالأصنام الى مكة ونصبها في الكعبة. بينما تقول الثانية أن عمراً ورد بالأصنام تهامة.
    وفي الأولى لم تحدد أسماء الأصنام التي حملها عمرو معه ، ولا الأشخاص أو القبائل التي أجابته الى عبادتها فدفعها اليها ، لكل قبيلة صنم ممّا حمل ، أما في الثانية فإن ابن الكلبي يحدد الأصنام والأشخاص والقبائل.
    بعد ما انتهيت من هذا. أراني مضطراً الآن للعودة الى ص 13. ففي هذه الصفحة ، وبعد الحديث عن ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، كما ذكرها القرآن الكريم. ينتقل ابن الكلبي انتقالة مفاجئة أخرى فيقول:
    (فلمّا صنع هذا عمرو بن لحي ، دانت العرب للأصنام وعبدوها واتخذوها فكان أقدمها كلها مناة وقد كانت العرب تسمي « عبد مناة » وزيد مناة. وكان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة ... ثم اتخذوا اللاة ... ثم اتخذوا العزّى ...).
    وأبدأ أولاً بـ (مناة) مسايراً ابن الكلبي في ترتيبه. فابن الكلبي يخطئ خطأً كبيراً حين يربط بين عمرو بن لحي ، وبين مناة ، كما يفهم من قوله (فلمّا صنع هذا عمرو بن لحي دانت العرب للأصنام ... فكان أقدمها كلها مناة ...).
    ولقد رأيت بين العرب الجاهليين عدداً كبيراً ممّن أضيفت أسماؤهم الى مناة كـ (عبد مناة) و (زيد مناة) وغيرهما ، قبل أن يوجد عمرو بن لحي بزمن وبزمن طويل أحياناً.
    وإليك بعضها على سبيل التمثيل:
1)    عبد مناة بن عائذ الله بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. وهو يسبق عمرو بن لحي بخمسة آباء من خمسة عشر أباً الى كهلان ، الجد المشترك للاثنين حسب أقوال النسّابين العرب.
2)    عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن أياد بن معد ابن عدنان. وهو يقابل أبا جد عمرو بن لحي ، إذا أخذنا بالنسب العدناني لعمرو.
3)    عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. ويقابل جد عمرو بن لحي.
4)    عبد مناة بن كنانة بن خزيمه بن مدركة بن الياس بن مضر. ويقابل أبا عمرو بن لحي.
5)    سعد مناة بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار. ويقابل أبا عمرو بن لحي لمن يأخذ بنسبه العدناني.
6)    أوس مناة بن ناهس بن عفرس بن حلف بن خثعم بن أنمار بن نزار. وهو يقابل أبا عمرو بن لحي لمن يجعل أنماراً ابناً لنزار بن معد كربيعة ومضر.
7)    سعد مناة بن غامد بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد ويقابل أيضاً أبا عمرو بن لحي.
8)    امر مناة بن جعثمة بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعه.
9)    يام مناة بن شبيب بن دريم بن القيم بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعه. ويام مناة هذا وامر مناة السابق يقابل كل منهما جد جد عمرو بن لحي إذا أخذنا بالنسب القحطاني لعمرو وجعلنا من سبأ ، الجد المشترك لقضاعة : جد امر مناة ويام مناة ، وللازد : جد عمرو بن لحي.
وأنتقل الآن الى (اللات):
وأظن أول ما يستوقفك ، هو قول ابن الكلبي ص 16 (ثم اتخذوا (اللات)).
فمن الذي اتخذها في (اتخذوا) هل عمرو بن لحي أم غيره من العرب؟ ثم ماذا تعني (ثم) هنا ، وكم من الزمان مر بين عبادة العرب لـ (مناة) وبين عبادتهم بعد ذلك لـ (اللات).
وعلى كل فلأفترض أن الامر لا يعد وأن يكون خللاً في استعمال الألفاظ – على خطورة النتائج التي قد يؤدي اليها ، وعلى ضرورة الحذر في استعمال الألفاظ ، خصوصاً في مثل هذا الموضوع – فإنني وجدت بعض العرب الذين تقدموا عصر عمرو بن لحي ، قد أضيفت أسماؤهم الى (اللات) كما وجدتها وأنا أبحث عن (مناة) قبلها.
واليك بعضها ، تاركاً ما لا يضيف جديداً الى الموضوع:
1-    تيم اللات بن ثعلبة بن ربيعة بن نزار بن معد. وهو أقدم بزمن طويل من عمرو بن لحي.
2-    تيم اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
3-    زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن حمير.
وزيد اللات هذا وأخوه تيم اللات يسبقان ابن لحي بثلاثة آباء قبل أن يلتقيا بالجد الأعلى لهم : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
    وبعد مناة. وبعد اللات. يصل ابن الكلبي الى (العزى) الصنم الثالث ، فيقول عنه: (ثم اتخذوا العزى).
    بالاضافة الى الملاحظتين اللتين بدأت بهما حديثي عن (اللات) أضيف هنا ملاحظة جديدة ، وان لم تكن بعيدة عن الثانية منهما. فكم من الوقت يمكن أن يمر بين المجيء بصنم ونصبه ودعوة العرب الى عبادته. حتى إذا استجاب العرب وعبدوه ورسخت عبادته في نفوسهم جئ اليهم بصنم جديد وطلب منهم أن يعبدوه مع الأول. ثم يتكرر الامر حين يؤتى بصنم ثالث غير الأولين ، فيطلب من العرب أن يعبدوه ، هو أيضاً ، كما عبدوا اللذين سبقاه.
    هل يستطيع عمر الانسان ، ولأقل هنا ، هل يستطيع عمرو بن لحي أن يأتي ، خلال فترة حياته ، بالأصنام الثلاثة المذكورة وينصبها ، ويدعو العرب الى عبادتها ، فيجيبونه الى ذاك ويعبدونها؟!
    وكم هي الفترة الطبيعية اللازمة لفرض عبادة أصنام ثلاثة في أوقات مختلفة ومتباعدة طبعاً؟
    وهل يمكن للانسان خلال حياته التي مهما تصورنا طولها ، أن ينصب ويفرض ويجاب الى عبادة جديدة ، لاصنام ثلاثة جديدة ، في فترات زمنية مختلفة ، لا بد أن تتجاوز في مجموعها – وبالظروف التي أشرنا اليها – حياة الانسان الاعتيادي ، خصوصاً وأن عبادتها لم تقتصر على أهل مكة : المكان الذي نصبت فيه ، بل امتدت حتى شملت جميع أرض العرب.
    وعلى كل ، فإننا نجد بين عرب الجاهلية من أضيف اسمه الى العزى قبل عمرو بن لحي ، المتهم الاول في تغيير دين ابراهيم ونصب الاصنام ودعوة العرب الى عبادتها.
    ويخطئ ابن الكلبي حين يذكر أن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم من أقدم ما سمت به العرب ، وكأنه يريد أن يثبت ما قاله من حداثة العزى بالمقارنة مع مناة واللات الصنمين السابقين له.
    فقبل عبد العزى بن كعب الذي يتكلم عنه ابن الكلبي. هناك عبد العزى بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر ، وبنوه الذين حملوا اسم عبد الله بن غطفان حمّلوه بعد أن بدل النبي (ص) اسم أبيهم عبد العزى الى عبد الله.    
    وعبد العزى هذا يقابل جد عمرو بن لحي.
    الى هنا أنتهي من مناة واللات والعزى ، بعد أن انتهيت قبلها من ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
    يبقى صنمان كبيران تحدث ابن الكلبي عن أحدهما وأغفل الآخر.
    أما الذي تحدث عنه فهو (هبل) أعظم أصنام قريش والذي يقول عنه ابن الكلبي أن أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر الذي يقابل أبا عمرو بن لحي.
    ولا أدري لم أفرده ابن الكلبي بحديث خاص فلم يتطرق اليه عند حديثه عن مناة واللات والعزى ، مع أنه اولى بأن يبدأ به الحديث ، خصوصاً وهو يعترف بأنه (كان أعظمها عندهم) أي عند قريش.
    على أن لي بعض الملاحظات فيما يخص هبل هذا. منها أن ابن الكلبي يصرح بوضوح لا لبس فيه (وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة) فهو إذن ينفي بشكل قاطع أن يكون عمرو بن لحي هو الذي جاء به أو نصبه أو أن تكون له بهبل علاقة بأي شكل كان. وفي هذا يخالفه الازرقي الذي يقول أن عمرو بن لحي هو الذي أتى به من هيت من أرض الجزيرة.
    أما المسعودي في مروج الذهب فيتفق مع الازرقي في أن عمرو بن لحي هو الذي جاء به ونصبه ، لكنه يختلف معه في المكان الذي حمل منه هبل. إذ يجعل من البلقاء في أرض الشام هو المكان الذي جاء منه. وهكذا ترى أن المسعودي يختلف مع الاثنين ، حين يتفق مع كل واحد منهما في بعض ما يخص هبل.
    تلك كانت أولى الملاحظات التي تتعلق بهبل. أما الملاحظة الثانية ، فهي أنني لم أجد بين عرب الجاهلية من أضيف اسمه الى هبل ، خلافاً للأصنام الثلاثة التي سبقت ، رغم أن هبل لا يقل شأناً عنها إن لم يفقها او يفق بعضها على الاقل.
    بل أنني لم أجد إلا واحداً فقط اسمه هبل. هو هبل بن عبد الله ابن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة. وهو ليس من قريش التي كانت تعظمه ولا من قبيلة خزيمة بن مدركة الذي يقول ابن الكلبي انه اول من نصبه. وإنما من عذرة البعيدة عن قريش وعن خزيمة. مع أن قريشاً سمّت كثيراً عبد العزى وسمّت كنانة بن مدركة عبد مناة. وهذا امر يلفت النظر على اية حال.
    يبقى الصنم الذي أهمله ابن الكلبي وأغفل الحديث عنه ، وهو (شمس). فقد استوقفني كثرة ما سمّت العرب ، حتى في الجاهلية القديمة ، (عبد شمس). ولا بد أن يكون هناك صنم يعبد اسمه شمس ، ليكون محلاً للاضافة فيقال (عبد شمس) مثلاً. لكن هذا الصنم الذي أكثر العرب من ضم اسمائهم اليه ، لم يعرض له احد بالحديث وأنا ذاكر لك بعض العرب الذين أضيفت أسماؤهم الى شمس في الجاهلية طبعاً:
1-    عبد شمس بن زيد بن لأي بن شبث بن قدامة بن اعجب ابن مالك بن لأي بن قحطان.
2-    عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أيمن بن الهميسع بن حمير.
3-    عبد شمس بن وائل بن عوف بن حمير بن قطن بن عوف بن زهير بن أيمن بن حمير بن سبأ.
4-    عبد شمس بن نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ.
فهؤلاء الاربعة كلهم يسبقون بعصور طويلة عمرو بن لحي.
        والى جانب هؤلاء ، هناك الكثيرون الذين يحملون اسم (عبد شمس) ممن يعاصرون عمراً أو من المتأخرين عنه في الزمان ، لم أجد ضرورة لذكرهم.
    وقد يقال أن العرب لم تعرف صنماً اسمه شمس ، وإنما كانت الاضافة الى هذه الشمس التي نعرف والتي تشرق علينا كل نهار.
    ومن السهل الرد على هذا ، بأنه لو لم يكن هناك صنم بإسم شمس غير الشمس التي نعرف ومستقلاً عنها ، لأصبح الاسم الذي يضاف اليها (عبد الشمس) بالألف واللام. كما قالوا (عبد اللات) و (عبد العزى) بالألف واللام ، لا (عبد شمس) بالتنكير ومن دون تعريف بالألف واللام.
    ثم لماذا نسوا القمر : سميرهم في الليل ورفيقهم في الوحدة ، واليه شكواهم وبث حنينهم كلما ذكروا الأحبة وغلبهم الوجد والشوق اليهم ، واحتاجوا من يسهر معهم وينقل الى أحبائهم ما يكابدون.
    أظننا كنا سنجد (عبد القمر) أكثر وأسير من (عبد الشمس) في أسماء العرب ، لو تخصصت الاضافة ، كما ذكرت ، بالشمس المعروفة ، ولو لم يكن للعرب صنم اسمه (شمس) لا أدري لماذا تركه ابن الكلبي وغير ابن الكلبي فلم يضعوه في صف أصحابه من الاصنام التي عرفها العرب وعبدوها.
    الى هنا أكون قد انتهيت من مناقشة أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتابه (الأصنام).
    واستكمالاً لهذه المناقشة ، أرى من المناسب أن أبدي بعض الملاحظات الأخيرة وبشكل سريع ، إذ كنت قد عرضت لها أو لبعضها أثناء البحث.
    فمن هذه الملاحظات أو لأقل ، أهم هذه الملاحظات ، أن الأصنام وعبادتها عند العرب قد سبقت عمرو بن لحي بزمن ، وربما بزمن طويل.
    فالأصنام الخمسة التي وردت في القرآن الكريم (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) كانت لقوم نوح ، قبل عمرو وقبل العرب كلهم : بائدتهم وعاربتهم ومستعربتهم. فمن الظلم أن نحمل ابن لحي وزر نصبها والدعوة الى عبادتها.
    تبقى الأصنام الأخرى ، وقسم من هذه الأصنام – مناة واللات والعزى – قد ذكرت أسماؤها هي الأخرى في القرآن وإن لم ينص على نسبتها الى قوم بعينهم. لكننا أثبتنا وجودها وعبادتها عند العرب ، واضافة أسمائهم اليها قبل زمن بعيد وبعيد جداً بالنسبة لبعضهم من زمن عمرو بن لحي ، فمن غير المعقول بل ومن الظلم لعمرو وللتأريخ أن نحمل الرجل وزر غيره وعبادة أصنام سبقته ، مع علمنا بأنه هو نفسه لم يضف اسمه الى واحد من هذه الأصنام ولم يضف اسم أي من أبنائه الى اسم واحد منها ، وكان اولى به أن يفعل ذاك قبل أن يفعله سواه من العرب ، إن لم يكن لشيء فلدفع العرب الى الاحتذاء به ، ورفع منزلة هذه الأصنام لديهم وترسيخ احترامهم وعبادتهم لها.
    ويبقى هبل. وابن الكلبي يعترف بنص صريح بأن أول من نصبه هو خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. ولو حسبت سلسلة الآباء ، لرأيت خزيمة هذا يسبق عمرو بن لحي بثلاثة آباء.
    وهذان العاشقان : أساف ونائلة اللذان مسخهما الله حجرين لسوء فعلهما في بيته. ثم عبدهما العرب فيما بعد؟ انهما من جرهم كما يؤكد ابن الكلبي وغير ابن الكلبي.فلمَ يؤخذ بجريرتهما عمرو ، الذي يريد المؤرخون أن يلقوا على كتفيه وزر عبادة الأصنام عند العرب ، واتهامه بأنه أول من جاء بها ونصبها ودعا الى عبادتها.
    أما العرب الذين وجدوا في عصر عمرو أو بعد عصره ، فلا قيمة علمية لاضافة أسمائهم الى هذا الصنم أو ذاك ، فالاضافة لا تمثل دليلاً ولا شبه دليل على ارتباط الأصنام بعمرو لسببين رئيسيين ، أولهما أننا رأينا هذه الأسماء قبل عمرو ، فوجودها بعده هو مجرد امتداد للأسماء السابقة. والثاني أن الأسماء كأية ظاهرة اجتماعية أخرى ، لا بد لها من وقت تعرف فيه ثم تقبل ثم تنتشر وتترسخ ويصبح انتهاجها والالتزام بها أمراً مألوفاً لا يثير إشكالاً ولا استغراباً. وهو ما يصدق على حالة عمرو وعلاقته بالأصنام التي يفترض أننا لن نجد عربياً واحداً أضيف اسمه الى صنم منها ، إلا بعد فترة زمنية مناسبة ، أي في العصور الأخيرة من الجاهلية ، لو كان عمرو هو الذي جاء بالأصنام ، ولو لم يكن العرب على سابق معرفة بها وبعبادتها واضافة اسمائهم اليها قبل عمرو المفترى عليه.
    وهكذا يبدو بوضوح أن الأصنام وعبادتها عند العرب كانت قائمة قبل عمرو بن لحي.
    فـ (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) كانت في عهد نوح ، يعبدها قومه.
    و (مناة واللات والعزى) سبقت عمراً بزمن غير قصير كما رأينا.
    و (هبل) نصبه خزيمة بن مدركة الذي يقابل في حساب الآباء ، أبا جد عمرو.
    و (شمس) الذي لم يذكره المؤرخون ، وأولهم صاحب (الأصنام) ابن الكلبي ، وجد قبل عمرو وقبل أبيه وجده وجد جده.
    و (أساف ونائلة) العاشقان اللذان مسخهما الله حجرين ينتميان الى جرهم التي سبقت الأزد وسبقت كهلان وحمير في الوجود.
    أفليس من حق عمرو بن لحي بعد كل ما رأينا أن يطالب ببراءته مما اتهم به طيلة اثني عشر قرناً ، من جلبه الأصنام ونصبه لها ودعوة العرب الى عبادتها، مع تعويض أدبي يناسب الأضرار التي لحقت به كل هذه المدة ، وذلك بإعادة كتابة تأريخه وتصحيح ما أورده ابن الكلبي عنه.
    وهل هناك أنسب مما وضع كعنوان للحديث عنه (شهادة براءة للمتهم عمرو بن لحي).
      احمد فرج الله          
بغداد في 31/10/2004   
    هذه محاكمة فريدة في بابها. فالجريمة التي يراد الآن إعادة النظر فيها ، قد مضى عليها أكثر من اثني عشر قرناً ، ومسرحها هو التأريخ العربي ، وهي تتعلق بعبادة الأصنام عند العرب.
    والخصم في هذه الدعوى هو هشام بن محمد الكلبي: صاحب كتاب (الأصنام).
    أما المتهم فهو عمرو بن لحي ، أحد كبار الزعماء العرب في الجاهلية ، وأبو قبيلة خزاعة المشهورة ، وكيله المحامي والمؤرخ والأديب الكبير احمد فرج الله الذي له من عمق الاطلاع على التأريخ العربي والإحاطة الواسعة بأحداثه ما يضمن لموكله الحكم بالبراءة ، مع المطالبة بتعويض أدبي يتناسب مع الأضرار التي لحقت عمراً طيلة اثني عشر قرناً ، وهو تصحيح ما اورده ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) فيما يتعلق بعمرو بن لحي ، وتبرئته من التهمة التي ألصقها به ، من أنه أول من جاء بالأصنام ونصبها ودعا العرب الى عبادتها.
    أما المحكمة التي ستنظر في القضية ، فتتألف من القرّاء الكرام لجريدة الزمان الذين ننتظر مشاركتهم وقرارهم الذي سيصدر في هذه الدعوى بالإجماع أو بالأغلبية.
    مع شكر أسرة التحرير لمن يشارك منهم.
اقرأ وقائع المحاكمة الكبيرة الخاصة بعبادة الأصنام عند العرب ، وهشام ابن محمد الكلبي وعمرو بن لحي واحمد فرج الله.   
الهوامش
1)    أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي. المؤرخ النسّابة المشهور ، صاحب المصنفات الكثيرة. من كتبه (الأصنام) موضوع بحثنا هذا توفي عام 204 على أرجح الأقوال.
2)    أبو الوليد محمد بن احمد بن عبد الله الغساني. والازرقي نسبة الى أحد أجداده الذي اسمه عقبة بن الأزرق. له كتاب (أخبار مكة وما فيها من الآثار) الذي نشير اليه في هذا البحث. المطبعة الماجدية 1352 هجرية جـ1 ص67 وما بعدها. توفي في حدود عام 250 هجرية.
3)    أساف ونائلة. تقول الرواية العربية أنهما شخصان من جرهم ، دخلا الكعبة حاجّين فوجدا غفلة من الناس ، وكان أساف يتعشق نائلة ففجر بها في الكعبة فمسخهما الله حجرين ، فأخرجا من الكعبة ووضع أحدهما على الصفا والآخر على المروة. ثم عبدتهما العرب بعد ذاك.
4)    سورة نوح آية رقم 23. 

أضف تعليقك

تعليقات القراء

ليس هناك تعليقات
*
*

شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية