شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية

السفير والسفارة

0 المشاركات 00.0 / 5

من جملة ما يمكن طرحه من تساؤلات في إطار قضيّة مسلم عليه السلام هو وجه اختيار الإمام الحسين عليه السلام له من بين أهل بيته، ودون اختياره لوجه من وجوه الشيعة ممّن له وجاهة وسابقة في صحبة أو جهاد.

فيمكن إثبات صلاحيته رضوان الله تعالى عليه للمنصب الذي اختاره لأجله الإمام المعصوم عليه السلام، من خلال نفس عملية الاختيار مع ملاحظة الظرف الذي يُحيط بالحسين عليه السلام وقضيّته.

 

أولاً

مرّةً يكون اختيار الإمام عليه السلام شخصاً لمهمّةٍ لا لغرض تحقيق تلك المهمّة وذلك الهدف، بل لأجل غرضٍ آخر يبغيه من خلال هذا التعيين كما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه عيّن بعض الصحابة لمهمّات، ولقيادة جيوش ثمّ عزلهم قبل التنفيذ أو ظهر فشلهم الفظيع في أداء تلك المهمّات فإنّ الواضح من خلال هذا، أنّ الهدف من التعيين لم يكن لتحقيق ذلك الهدف وإنّما لبيان أنّ هؤلاء لا يصلحون لشيء لقصور قابلياتهم وذاتياتهم عن إمكانية الاعتماد عليهم لشيء.

فقضيّة مسلم لم تكن من هذا القبيل قطعاً، لأنّ الظرف لم يكن ظرف اختبار لكون المرحلة مصيرية في حياة الإسلام والتشيّع والأمّة.

ولأنّه لا أثر لكشف عدم قابلية مسلم القيادية لعدم ترتّب أثر مستقبلي على هذا الكشف، فمن كلّفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ سورة براءة – مثلاً – وأرجعه قبل أدائه المهمّة، اتّضح حقيقة حاله من خلال الأمر بعزله؛ إذ من لم تكن فيه الجدارة لتبليغ آيات، كيف يؤتمن على الإسلام والأمّة ككلّ، بل كفاءة فيه لهذا بالأولوية.

وكان في هذا الإيضاح فائدة، لأنّ هؤلاء المعزولين قادوا العالم الإسلامي فيما بعد ورضي بهم بعض الأمة وتلك الحادثة – حادثة العزل – حجّة عليهم.

 

ثانياً

مرّة أخرى: يكون التعيين لأجل تحقيق تلك المهمّة وليس من وراء التعيين أيّ هدف امتحاني للأمّة أو للمعيّن، فلابدّ أن يكون الشخص المعيّن جامعاً للصفات التي يمكن تحقيق ذلك الهدف من خلال تعيينه مع توفّر هذه الصفات فيه.

فإن عُيِّنَ لتحقيق هدف اقتصادي فلابدّ أن تكون له خبرة واسعة في هذا الميدان وأن تكون له عقلية اقتصادية بحيث يمكن تحقيق الأهداف السامية للأمة في الحقل الاقتصادي.

وإن عُيّن في الحقل السياسي فلابدّ أن يكون جديراً بتحمّل هذه المسؤولية وله من الكفاءات في هذا الميدان ما يُرجى تذليل الصعاب به وهكذا إن عُيّن في الجانب العسكري، أو الاجتماعي، أو التربوي.

وخلاصة القول: إنّه لابدّ أن يكون حائزاً – في الأقلّ – على الكفاءات المطلوبة في الميدان المعيّن فيه وإن لم يكن هو أفضل الناس من كلّ جانب، وهذا الرأي يلتزمه السيّد الخوئي رحمه الله في أبحاثه الرجالية حيث يبحث دلالة توكيل الإمام لرجل في مهمّة معيّنة فهل التوكيل دالّ على جلالته ورفعة شأنه، أو وثاقته – في الأقلّ -! أم لا تدلّ الوكالة على شيء من هذا بل غاية ما تدلّ عليه كفاءته في المهمّة المعيّن لها، ولهذا المُلتزم شواهد عديدة، والمختار عنده هو الدلالة على ما لابدّ من توفّره فيه لأجل أدائه المهمّة الملقاة على عاتقه غير أنّ دلالة تنصيب مسلم لهذه المهمّة لها شأن آخر مختلف تماماً عن الحيثيتين المتقدّمتين.(معجم رجال الحديث للخوئي:1/75)

 

أسباب اختيار مسلم رضوان الله عليه

خصوصيّة قضيّة سيّد الشهداء عليه السلام وظرفه لا تسمحان أبداً باختيار مبعوثٍ وفقاً لإحدى تينك الحيثيتين، بل لابدّ من توفّر صفات عالية فريدة في المكلّف لهذه المهمّة.

أمّا اختياره من بين بني هاشم، فإنّ جمعاً من هذه العائلة المباركة كانت تعوقه أسبابه الخاصّة عن دخوله في حيّز إمكانية اختياره.

فمن بين شيبةٍ فاقد للبصر كابن عبّاس، أو مريض كمحمّد ابن الحنفية وعبد الله بن جعفر، أو صغير السنّ لا تكاد تنصاع له الأمّة وتلقي بزمامها بين يديه ومنهم من لا يحمل تلك العقيدة الإيمانية المطلوبة للتعامل مع الإمام الحسين عليه السلام كإمام معصوم وخليفة لرسول الله بتنصيب من الله سبحانه فهو واجب الطاعة مطلقاً – والموقف يتطلّب من يحمل بين جوانحه هذا المعتقد بمرتبةٍ عالية – كما أنّ هناك من فيه خصوصية وموكّل بأمور أخرى تقتضي إبقاءه مع الإمام كأبي الفضل العبّاس عليه السلام.

وأمّا اختياره دون الصحابة والوجهاء فإنّ مسلماً من البيت الهاشمي وكلّما كان المندوب من سلالة هذا البيت الطاهر، كان تأثيره في تحقيق الهدف أسرع وأوقع وقد عرفنا كم من ثورة وقعت عبر التاريخ وهزّت عروش الطواغيت من زمن بني أميّة إلى يومنا هذا، كان من أسباب قوّة تأثيرها كون قائدها سيّداً منتسباً للبيت الهاشمي.

والعرب بالخصوص يتفهّمون أمر اختيار المندوب من عائلة المنتدب ويولونه أهمّية أكثر ممّا لو كان المبعوث من غير عائلته ولعلّ الأمر أوسع من دائرة العرب، فإنّ عموم المجتمعات تندفع لاحترام من ينتسب إلى من يقدّسونه ويعظّمونه كما يشمئزون ممّن ينتسب إلى من يعادونه ويبغضونه.

نعم، الأوحدي لا يتأثّر بهذا، بل يأخذ بمقاييس الشرع والعقل في هذا الأمر وسواه – وقليل ما هم -.

هذا كلّه مع عدم ملاحظة الصفات الخاصّة المتوفّرة في شخص مسلم عليه السلام ومع عدم ملاحظة الصفات اللاّزم توفّرها في مبعوث الإمام الحسين عليه السلام لهذه القضيّة وفي هذه الظروف بالذات.

فقد دلّ اختيار الإمام المعصوم عليه السلام لمسلم رضوان الله عليه لأجل تحمّل أعباء السفارة إلى أهل الكوفة في ذلك الظرف العصيب، على ملكات وخصال عظيمة ونادرة توفّرت في هذا الهاشمي الربّاني، وهذا أيضاً ما فهمه الشيخ محمد حسين الأصفهاني وصاغ فهمه في أبيات جليلة تجدها في أرجوزته.(الأنوار القدسية:136)

وكذا الذي فهمه الشيخ المامقاني وذكره في تنقيحه.(تنقيح المقال:3/214)

لم تكن خصال مسلم ومزاياه الفريدة لتبرز واضحة ومعلنة عن رفعة صاحبها وجلالته لولا تلك السفارة الميمونة، على الرغم من كثرة بني هاشم وتوفّرهم بمحضر الإمام عليه السلام وتأهّل جملة منهم لأمثال هذا المقام وللمراتب الرفيعة.

فالسفارة في ذلك الظرف العصيب من عمر الإسلام والأمّة وأهل البيت من أصعب المهام وأعسرها لاسيما إلى ذلك المجتمع الكوفي الذي عانى أمير المؤمنين عليه السلام منه الكثير؛ إذ جاهد عليه السلام لنيل طواعيتهم له، وائتمارهم بأوامره ونواهيه، ولترسيخ مكارم الخصال فيهم ومنها التصبّر على القتال والجلاد.

ولطالما اشتكى أمير المؤمنين عليه السلام تكاسلهم وتقاعسهم وتواكلهم، وهو مَنْ هُوَ في الصبر والحلم وسعة الصدر.

وأدّى التواكل والتمرّد المتواصل لأهل الكوفة على أوامر الإمام الوصي إلى أسوأ النتائج وأفدح الخسائر حتّى قال لهم الإمام عليه السلام: «أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان حتّى لقد قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجلٌ شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم، وهل أحدٌ منهم أشدّ لها مِراساً وأقدم فيها مقاماً منّي، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرّفت على الستّين ولكن لا رأي لمن لا يُطاع».(نهج البلاغة:الخطبة27)

وورد فيهم غير هذا كثير، بل اشتهر عنهم الغدر والخذلان فكم من حركة ثورية اعتمد قائدها على نصرة أهل الكوفة وإسنادهم فبايعوه وأعطوه العهد والميثاق ثمّ غدروا به وخذلوه وفرّوا إلى مأمنهم أو أسندوا عدوّه في مكافحته.

مثل هذه البلدة تحتاج لسفير وقائد ذي خصائص استثنائية، يتمكّن ممّا لا يتمكّن منه غيره بما يمتلكه من سعة صدر وبُعد نظر ومعرفة بطبائع المجتمع ويمتلك العلم والحزم إلى غيرها من الصفات المساعدة له في مثل هذه الحالة.

لقد كشف مسار الأحداث فيما بعد أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد اختار الرجل المناسب لهذه المهمّة الشاقّة العسيرة فقد ظهر منه معتقد عظيم بالإمام وإخلاص ونزاهة وتفانٍ في جنب الله سبحانه وفدائية قليلة النظير.

سيرته في الكوفة تدلّ على ديانة عظيمة تؤكّد على أنّها ممّا لا مثيل لها في تلك الأيام وفي مثل ذلك الظرف مكاناً وزماناً.

ومع أنّ الظاهر من بعض المصادر، أنّ تكليف الإمام له مقتصر على استعلام الموقف الحقيقي للكوفييّن والكتابة إلى الإمام عليه السلام بصورة ذلك الواقع مع أخذ البيعة منهم للإمام، ويعجّل.

غير أنّه لم يتوقّف عند حدود هذا التكليف بل مضى أبعد من هذا بكثير بما أدّى به من تكليف كمؤمن يشعر بالمسؤولية تجاه الأحداث الجسام الجارية في هذا البلد، ويسعى في إبراء ذمته أمام المولى سبحانه وينصح لإمامه جُهْدَه، كما قام بالتصدّي لما يصطلح عليه في زماننا بالأمور الحسبيّة وهي الأمور التي تتطلّب موقفاً محدّداً غير أنّه لم يُعلم توجّه التكليف به إلى شخص ما فإنّ مسلماً سعى بكلّ جهده ليكون في مستوى الحدث فهو يدفع بالأمور إلى اتجاه المحافظة على الوضع الذي يهيئ الأجواء للإمام ويُنجح له سعيه، أمّا أنّ بعض سعيه لم تتحقّق به النتائج فهذا شيء لا يعود ملامته عليه فالمرء عليه أداء تكليفه وليس عليه استحصال النتائج الملائمة فإنّ النتيجة تتحقّق تبعاً لتحقّق أجزاء العلّة كلّها والجزء الذي أمره بيد مسلم قد حصل وبقي ما على غيره والآخرون نكلوا وخذلوا.

الواقع أنّه لم يمكن أمامه أن يفعل أكثر ممّا قام به وأنجزه وقد أدّى ما عليه، وليس على المرء أن يوفّق في مسعاه ويحقّق بل عليه السعي النزيه في حدود تكليفه وقدراته، والنجاح إنّما يتنجّز بمطاولة وتحقّق بقيّة الأسباب، ومنها: وفاء أهل الكوفة بوعودهم وصدقتهم فيما عاهدوا الإمام ومسلماً عليه.

ما ظهر من مسلم ضمن دائرة أحداث الطفّ من سلوك دلّ على ديانة وورع، دلّ على التزام بأحكام الإسلام مهما كانت النتائج ولعلّ من أعظم الشواهد على ذلك توقّفه عن قتل ابن زياد مع شدّة حاجة القضية الحسينية إلى التخلّص من هذا الشخص الذي لا يحوي إهابه غير الخسّة والجريمة والإلحاد.

وقد أضحى مسلم بسلوكه هذا مصداقاً لقول عمّه أمير المؤمنين عليه السلام: «قد يرى الحُوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».(نهج البلاغة:الخطبة14)

الإسلام يريد القائد الكفوء للمهمّة التي يُكلَّف بها فضلاً عن ديانته وتقواه وبذا قامت دولة الإسلام المرضيّة.

إنّ الكفاءة والديانة هما متوفّرتان بنسبةٍ عالية جدّاً في مسلم، فضلاً عن صفات أخرى يعزّ اجتماعها في واحد قد اجتمعت في مسلم؛ أمّا النجاح في المهمّة فهو موكول إلى الربّ الجليل.

أضف تعليقك

تعليقات القراء

ليس هناك تعليقات
*
*

شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية